أعادت دراسة علمية سعودية حديثة فتح ملف استعادة حضور اللغة العربية في التعليم الطبي، بعد قرون كانت فيها لغة الضاد هي المصدر الأول للتأليف والتدريس الطبي عالمياً. كشفت الدراسة، التي أعدتها الباحثة ختمة العنزي من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ونُشرت في مجلة «فرونتيرز في التعليم» الدولية المحكّمة، عن أربعة عوائق رئيسية تحول دون توسيع استخدام العربية في التدريس، استناداً إلى 71 مقابلة مع طلاب وأكاديميين وأطباء وقيادات تعليمية في ثلاث مؤسسات طبية بالمملكة.
الجذور التاريخية لاستخدام اللغة العربية في التعليم الطبي
يمتد تاريخ إسهام اللغة العربية في العلوم الطبية لأكثر من ألف عام، حيث كانت لغة التأليف والابتكار التي انتقلت عبرها مؤلفات علماء كبار مثل ابن سينا والرازي والزهراوي إلى أوروبا، لتشكل المراجع الأساسية في جامعاتها لقرون طويلة. وتأتي الدراسة الحالية للتذكير بهذه الخلفية التاريخية والغنية، معالجةً واقع التعليم الطبي الحديث وشروط توطين المعرفة الطبية بلغة المجتمع دون الإخلال بمواكبة المستجدات العالمية.
أبرز العوائق أمام حضور اللغة العربية في التعليم الطبي
شملت عينة الدراسة 29 طالب طب (41%)، و15 عضو هيئة تدريس (21%)، و9 مدرسين للغة الإنجليزية (13%)، و9 أطباء ممارسين (13%)، و7 أطباء مقيمين (10%)، وعميدين (3%). واعتمد التحليل على 51 مقابلة مسجلة صوتياً لنحو 13 ساعة، إلى جانب 20 مقابلة موثقة كتابياً.
وخلصت النتائج إلى تحديد أربعة عوائق مترابطة تمنع التوسع في استخدام العربية:
- نقص المراجع والمصادر الطبية العربية الحديثة والموثوقة.
- تفاوت ترجمة المصطلحات العلمية وعدم توحيدها بين الدول والمؤسسات.
- الاعتماد المكثف على اللغة الإنجليزية في البحث العلمي والاختبارات المهنية والتخصصات الدقيقة.
- اعتياد الطلاب والأطباء على استخدام الإنجليزية بعد سنوات طويلة من الدراسة والممارسة السريرية.
تأثير تعريب العلوم الصحية على المستوى المحلي والإقليمي
تكمن أهمية هذه النتائج في التمييز الجوهري بين لغة البحث والاطلاع على أحدث المستجدات العالمية، ولغة التواصل اليومي المباشر مع المرضى. فعلى المستوى المحلي والإقليمي، يساهم تعزيز حضور اللغة العربية في تحسين جودة الرعاية الصحية عبر تمكين الطبيب من شرح التشخيص والخطة العلاجية والمخاطر للمرضى بدقة ووضوح. كما يُسهم على المستوى الدولي في بناء نموذج حضاري يجمع بين كفاءة التواصل اللغوي المحلي والانفتاح على المنظومة البحثية العالمية باللغة الإنجليزية.
3 مسارات لتطوير استراتيجيات التعليم الطبي
لم تكتفِ الدراسة بتشخيص العوائق، بل اقترحت ثلاثة مسارات إصلاحية متدرجة للنهوض بواقع التدريس:
- الدعم ثنائي اللغة: تقديم دعم لغوي مزدوج داخل المقررات الطبية لتسهيل استيعاب المفاهيم المعقدة.
- النماذج الانتقالية: تطبيق نماذج تدريسية تجمع بين العربية والإنجليزية بشكل متوازن أثناء السنوات الدراسية.
- منظومة تعليمية متكاملة: بناء بيئة تعليمية عربية مكتملة على المدى الطويل تعتمد على تحديث المراجع وتوحيد المصطلحات وتأهيل الكوادر الأكاديمية.
واختتمت الدراسة بالإشارة إلى أن تعزيز اللغة العربية في القطاع الطبي يتطلب استثماراً معرفياً ومؤسسياً مستداماً، يوازن بين توطين المعرفة بلغة المريض والحفاظ على الإتقان الكامل للغة الإنجليزية بوصفها أداة الإنتاج العلمي العالمي.
The post دراسة سعودية تضع 3 مسارات لتعزيز اللغة العربية في التعليم الطبي appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













