بقلم: يورونيوز
نشرت في
قرر الرئيس التونسي قيس سعيّد إعفاء وزيرة الطاقة فاطمة ثابت شيبوب قبل ساعات من مناقشة البرلمان مشاريع قوانين مثيرة للجدل تتعلق بصفقات تخص مشاريع للطاقات المتجددة.
اعلان
اعلان
وجاء في بيان صادر عن الرئاسة التونسية، فجر الثلاثاء، أن “رئيس الجمهوريّة قرر إعفاء وزيرة الصناعة والمناجم والطّاقة وتكليف السيّد صلاح الزواري وزير التّجهيز والاسكان بتسيير شؤون الوزارة بصفة وقتيّة”.
وجاء القرار إثر اجتماع وزاري مضيّق أشرف عليه الرئيس سعيّد في قصر قرطاج بحضور رئيسة الحكومة ووزراء الماليّة والشّؤون الإجتماعية والتشغيل.
وبحسب البلاغ، أكد سعيّد أن “الدولة التّونسية ماضية قدما في سياستها الاجتماعية في كلّ المجالات، كما هي ماضية أيضا في مكافحة كلّ جيوب الردّة والعمالة والفساد”.
وأشار إلى أن “الشّعب يعلم كلّ التفاصيل وهو المخوّل وحده لتفكيك الدّوائر المفرغة وفضح الغرف المظلمة وطلاسم التّصريحات الكاذبة والمتاجرين بالأوهام”، مضيفًا: “هذا فضلا عما يسمّى بالوقفات والتّدوينات والبرامج المدفوعة الأجر في الدّاخل والخارج على السّواء المفضوحة أهدافها والسّخيفة مراميها”.
مشاريع مثيرة للجدل
ولم توضح رئاسة الجمهورية أسباب إقالة الوزيرة، لكن القرار جاء قبل ساعات قليلة من بدء جلسة عامة بالبرلمان تناقش مشاريع قوانين تتعلق بصفقات حكومية في مجال الطاقة المتجددة.
وتُثير مشاريع إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية في تونس، وخاصة حزمة الـ600 ميجاوات الموزعة على ولايات مثل سيدي بوزيد وتوزر والقيروان وقفصة وتطاوين، نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والاقتصادية.
ولا يرتبط الجدل برفض التوجه نحو الطاقات المتجددة بقدر ما يتعلق بطبيعة نموذج الاستثمار المعتمد، وما يترتب عنه من تداعيات على السيادة الطاقية والمالية للدولة.
ورغم أهمية هذه المشاريع في تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، إلا أنه تُطرح في سياق تساؤلات حول مدى توازن العلاقة بين الدولة والمستثمرين الأجانب.
وفي هذا الإطار، تبرز مسألة الاعتماد على شركات دولية كأحد أبرز نقاط الخلاف، حيث تمنح الاتفاقيات لمستثمرين أجانب حق إنتاج الكهرباء وبيعها حصريًا إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز لفترات طويلة قد تصل إلى 25 عامًا.
ويرى منتقدو هذا التوجه، خاصة من النقابات، أنه يُقرب القطاع من شكل من “الخوصصة المقنّعة”، إذ تصبح الدولة مرتبطة بعقود طويلة الأمد لتأمين حاجياتها الأساسية من الطاقة، ما يطرح إشكاليات تتعلق بالسيادة والاعتماد الخارجي.
كما يثير هذا النموذج مخاوف مالية متزايدة، إذ تُلزم العقود الشركة العمومية بشراء الكهرباء المنتجة بأسعار مرتبطة بالعملة الصعبة أو بتقلبات سعر الصرف، رغم الوضعية المالية الصعبة التي تعيشها.
ويخشى البعض من أن يؤدي ذلك إلى تفاقم عجزها، بما قد ينعكس مستقبلاً على كلفة الكهرباء بالنسبة للمواطن. ويُضاف إلى ذلك جدل حول ما يعتبره البعض عدم تكافؤ في الامتيازات، حيث تُمنح تسهيلات وضمانات كبيرة للمستثمرين الأجانب، مقابل محدودية الدعم الموجه لتطوير قدرات الشركة الوطنية.
ومن زاوية أخرى، يبرز عامل الشفافية كعنصر أساسي في هذا النقاش، حيث شهدت الساحة البرلمانية انتقادات متكررة بسبب محدودية الاطلاع على تفاصيل العقود، سواء من حيث شروطها المالية أو التزاماتها طويلة المدى.
وتُطرح في هذا السياق تساؤلات حول مدى توازن هذه الاتفاقيات، ومدى خضوعها لرقابة كافية تضمن حماية مصالح الدولة.
ولا ينفصل هذا الجدل عن رهانات أوسع تتعلق بموقع تونس في سوق الطاقة الإقليمية، خاصة مع مشاريع الربط الكهربائي مع أوروبا مثل مشروع ELMED.
ويخشى بعض المنتقدين من أن تتحول البلاد إلى منصة لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة نحو أوروبا، في إطار ما يُوصف أحيانًا بـ“الاستخراج الأخضر”، حيث تُستغل الموارد المحلية لتلبية حاجيات خارجية، دون تحقيق توازن واضح مع الحاجيات الداخلية.
إلى جانب ذلك، تُطرح مسألة العدالة المجالية واستغلال الأراضي، خاصة أن هذه المشاريع تُقام غالبًا في مناطق داخلية وجنوبية. ويثير ذلك نقاشًا حول مدى استفادة المجتمعات المحلية، في ظل محدودية فرص العمل الدائمة التي توفرها هذه المحطات بعد انتهاء مرحلة البناء، مقابل استغلال مساحات واسعة من الأراضي.
وتحظى مشاريع بدعم حكومي قوي، إذ ترى السلطات أن هذه المشاريع تمثل فرصة لتقليص العجز الطاقي وجذب الاستثمارات، وتحفظات نقابية تدافع عن دور المرفق العمومي.
تحرك احتجاجي
في المقابل، تتعالى أصوات من المجتمع المدني والبرلمان مطالبة بمزيد من الشفافية وضمان عدم ارتهان القرار الطاقي الوطني لالتزامات طويلة الأمد مع أطراف خارجية.
وبالتوازي مع مناقشة المشاريع، نظمت الجامعة العامة للكهرباء والغاز (نقابة)، التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، بالتنسيق مع عدد من النواب، وقفة احتجاجية اليوم الثلاثاء، أمام مقر البرلمان.
وقال كاتب عام الجامعة العامة للكهرباء والغاز فتحي المسلمي إنهم “متمسكون برفض هذه المشاريع باعتبارها تمس من السيادة الطاقية ومن الأمن القومي للبلاد”.
وأضاف أن “الضغط الكبير الحاصل والسرعة للمصادقة على هذه اللزمات يدل على وجود شبه مآمرة تُحاك ضد الشركة التونسية للكهرباء والغاز و ضدّ تونس في الاستثمار في الطاقات المتجددة”.
كما أشار إلى أن الامتيازات التي تم منحها للمستثمر الأجنبي من شأنها أن يمس من التوازنات المالية العمومية وأموال المجموعة الوطنية، وفق قوله.
إنتاج الكهرباء في تونس
تُنتج تونس الكهرباء عبر منظومة وطنية متكاملة، إلا أن هذا القطاع يواجه تحديات هيكلية مرتبطة أساسًا بمصادر الطاقة وكلفتها. ويعتمد الإنتاج بشكل كبير على الموارد التقليدية، ما يجعل البلاد عرضة لتقلبات السوق الخارجية، خاصة في ما يتعلق بأسعار الغاز وإمداداته.
ويُعد الغاز الطبيعي المصدر الرئيسي لتوليد الكهرباء في تونس، حيث يساهم بأكثر من 90% من الإنتاج، عبر محطات حرارية ومحطات ذات دورة مركبة.
ورغم توفر إنتاج محلي جزئي من بعض الحقول، فإن هذا لا يكفي لتغطية الطلب، ما يفرض على البلاد استيراد كميات كبيرة من الغاز، خاصة من الجزائر، سواء عبر أنبوب العبور نحو أوروبا أو من خلال صفقات شراء مباشرة، وهو ما يثقل كلفة الإنتاج ويزيد الضغط على العملة الصعبة.
في المقابل، لا تزال مساهمة الطاقات المتجددة محدودة، إذ تتراوح بين 3 و5% فقط من إجمالي الإنتاج، رغم الإمكانيات الطبيعية المتاحة. وتشمل هذه الطاقات مشاريع الرياح في مناطق مثل سيدي داود وبنزرت، إلى جانب محطات شمسية بدأت بالظهور في الجنوب، خاصة في توزر، مع توجه لتوسيعها ضمن مشاريع أكبر. أما الطاقة المائية، فتبقى شبه غائبة بسبب ضعف الموارد المائية وقلة التساقطات.
وتلعب الشركة التونسية للكهرباء والغاز (حكومية) دورًا محوريًا في هذا القطاع، باعتبارها المنتج الرئيسي والمشرف التاريخي على إنتاج وتوزيع الكهرباء، حيث تدير أغلب المحطات الكبرى في البلاد.
ورغم انفتاح محدود على القطاع الخاص في السنوات الأخيرة، فإن هذا الأخير يظل مرتبطًا بعقود تُلزمه ببيع كامل إنتاجه إلى الشركة العمومية، ما يُبقي هيكلة القطاع تحت سيطرة الدولة.
وتواجه المنظومة الكهربائية في تونس جملة من التحديات، أبرزها العجز الطاقي، حيث يفوق الاستهلاك المحلي حجم الإنتاج من الطاقة الأولية، ما يفرض اللجوء إلى التوريد.
كما تبرز إشكالية ذروة الاستهلاك، خاصة خلال فصل الصيف، حين يرتفع الطلب بشكل كبير بسبب الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف، وهو ما يضع الشبكة تحت ضغط متزايد وقد يؤدي أحيانًا إلى انقطاعات مرحلية لتخفيف الأحمال.













