نشرت في
أظهرت بيانات تتبع السفن الصادرة عن شركة “كبلر” للتحليلات أن إيران تصدّرت قائمة الدول المصدّرة للسلع عبر مضيق هرمز خلال شهر آذار/مارس الماضي، في تحوّل لافت للمشهد التجاري في أحد أهم الممرات المائية في العالم، والذي يشهد عادة تدفق نحو خُمس إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال عالمياً.
اعلان
اعلان
وتأتي هذه الصدارة الإيرانية غير المسبوقة بالتزامن مع تراجع حاد تجاوزت نسبته 96 في المئة في شحنات كبار المصدّرين التقليديين عبر المضيق، وهم السعودية والإمارات والعراق وقطر، مقارنة بمتوسط أدائهم خلال الأشهر الاثني عشر السابقة.
قبضة طهران تشلّ حركة الجيران
وأرجعت بيانات “كبلر” هذا الانقلاب في موازين التصدير إلى إحكام القوات الإيرانية قبضتها على مضيق هرمز عقب تعرّض الجمهورية الإسلامية لهجوم عسكري من الولايات المتحدة وإسرائيل في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تسمح طهران إلا بمرور عدد محدود للغاية من السفن عبر هذا الشريان الحيوي، مما أدى إلى شلّ شبه تام لصادرات الدول العربية المطلة على الخليج.
وعلى العكس من جيرانها، سجّلت الصادرات الإيرانية نفسها تراجعاً محدوداً نسبياً بلغ 26 في المئة فقط خلال الفترة ذاتها.
وبحسب بيانات “كبلر”، مثّل النفط الخام ما نسبته 81 في المئة من إجمالي صادرات طهران عبر المضيق الشهر الماضي، في ارتفاع ملحوظ عن متوسط بلغ 62 في المئة خلال الفترة الممتدة من آذار/مارس 2025 وحتى شباط/فبراير 2026.
قطر تتوقف والبحرين والكويت تغيبان
ولم تقتصر تداعيات القيود الإيرانية على تراجع الشحنات فحسب، بل وصلت إلى حد التوقف التام في بعض الحالات. فلم تسجّل البحرين والكويت أي صادرات على الإطلاق عبر المضيق في آذار/مارس، في مشهد يعكس عمق الأزمة اللوجستية التي تعصف بالمنطقة.
أما قطر، التي تُعدّ عادةً أحد أكبر مورّدي الغاز الطبيعي المسال في العالم، فلم تصدّر أي شحنات من هذه المادة الحيوية عبر المضيق طوال الشهر، مكتفية بتصدير 45 ألف طن فقط من غازي البوتان والبروبان، وهو رقم يكاد لا يُذكر مقارنة بحجم صادراتها الاعتيادية.
الحصار الأميركي و”أسطول الظل” الإيراني
وتدخل إيران يومها الرابع تحت وطأة حصار بحري أمريكي مشدّد على موانئها، حيث أكدت القيادة المركزية الأمريكية استمرار إجراءاتها الرقابية الصارمة.
وتلوّح طهران في المقابل بإمكانية تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر، مما يضاعف المخاوف من امتداد نطاق الأزمة ليشمل ممرات مائية أخرى حساسة.
ورغم أن أكثر من 20 سفينة تجارية تمكنت من عبور المضيق خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية منذ دخول الحصار حيز التنفيذ، إلا أن بيانات “بلومبيرغ” كشفت عن بقاء 426 ناقلة نفط خام و19 ناقلة غاز طبيعي مسال عالقة في مياه الخليج، في مشهد ينذر بأزمة طاقة عالمية، لا سيما في الدول الآسيوية التي بدأت تشعر بتأثيرات نقص الإمدادات خلال الأسابيع الأخيرة.
عبور ناقلات تحت العقوبات
وأظهرت بيانات “كبلر” لتتبع السفن أن ثلاثاً إلى أربع ناقلات مرتبطة بإيران ومشمولة بالعقوبات الأمريكية تمكنت من عبور المضيق مؤخراً. ومن بين هذه السفن، عبرت الناقلة “كريستيانا” التي ترفع علم ليبيريا بعد تفريغ حمولة من الذُرة في ميناء الإمام الخميني الإيراني، مروراً بجزيرة لارك.
كما عبرت السفينة “إليبس” التي ترفع علم جزر القمر، والمدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية لارتباطها بطهران، وهي محملة بـ31 ألف طن من الميثانول كانت قد غادرت ميناء بوشهر في 31 آذار/مارس متجهة إلى ميناء صحار العماني.
وفي الاتجاه المعاكس، عبرت الناقلة “مورليكيشان” التي ترفع علم مدغشقر والمشمولة أيضاً بالعقوبات الأمريكية المضيقَ عبر جزيرة لارك متجهة إلى ميناء خور الزبير العراقي، في مسار غير معتاد لها، حيث كانت معظم رحلاتها السابقة تنحصر في التردد على الموانئ الإيرانية.
تحذيرات تدفع ناقلات للتراجع
ولم يكن مشهد العبور وحده ما سجلته مياه المنطقة، إذ أفادت التقارير بأن ست ناقلات عادت أدراجها بعد تلقيها إنذارات مباشرة من القوات الأمريكية، في إشارة إلى بدء تفعيل قواعد اشتباك بحرية جديدة ولو بشكل تدريجي. ولم يرد بعد أي تأكيد بشأن مصير ناقلتين أخريين كانتا في نطاق الرصد.
وتتبع القوات البحرية الأمريكية إجراءات تصعيدية متدرجة لفرض الحصار عن بُعد، حيث تنتشر قطعها بعيداً عن السواحل الإيرانية.
وتبدأ هذه الإجراءات بالمراقبة الجوية والفضائية عبر طائرات “بي 8 بوسايدون” والمسيرات والأقمار الصناعية، مروراً بتوجيه تحذيرات مباشرة للسفن المشتبه بها، وصولاً إلى احتمالية الصعود على متنها لتفتيشها أو احتجازها ومصادرة حمولتها، وهي عمليات توصف بأنها معقدة لوجستياً.
خلاف حول الإدارة يعقّد المفاوضات
وكشفت مصادر مطلعة أن مسألة إدارة مضيق هرمز شكّلت إحدى أبرز نقاط الخلاف خلال المفاوضات غير المباشرة التي استضافتها باكستان سعياً لإنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ويستمد المضيق أهميته الإستراتيجية من كونه ممراً إلزامياً لنحو خُمس الاستهلاك العالمي اليومي من النفط، مما يجعل أي تعطيل لحركته مسألة ذات تداعيات كونية فورية على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وقبل اندلاع الأعمال القتالية الأخيرة، كانت حركة الملاحة في المضيق تُدار وفق “اتفاقيات الملاحة السلمية” والالتزام الفني بمسارات المنظمة البحرية الدولية، حيث تعبر السفن بحرية دون رسوم أو قيود، مع إشراف إيراني على المسار الواقع ضمن مياهها الإقليمية، وإشراف عُماني على المسار الممتد ضمن مياه السلطنة.













