بقلم: محمد نشبت مع يورونيوز
نشرت في
يعود آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة إلى أحيائهم بعد أشهر طويلة من النزوح، ليجدوا أنفسهم أمام مبانٍ متصدّعة وأسقف مهددة بالسقوط، في قطاع تشير تقديرات أممية إلى أن نحو 320 ألف وحدة سكنية فيه تعرضت للتدمير أو الأضرار خلال الحرب، ما ترك السكان أمام خيارين قاسيين: العيش داخل مبانٍ غير آمنة أو البقاء في الخيام.
اعلان
اعلان
بحلول منتصف عام 2025، كان نحو 90% من سكان قطاع غزة قد نزحوا عن منازلهم، كثير منهم أكثر من مرة، وفق تقديرات الأمم المتحدة.
وتكشف تحليلات مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية UNOSAT حجم الدمار غير المسبوق في القطاع، إذ أظهرت بيانات أكتوبر 2025 أن نحو 320 ألف وحدة سكنية تعرضت للتدمير أو الأضرار، أي ما يعادل 81% من المباني في غزة.
وتتوزع الأضرار بين مستويات مختلفة من التدمير، حيث رصد المركز 123 ألف مبنى مدمراً كلياً، و17 ألف مبنى لحقته أضرار جسيمة، و33 ألف مبنى أصيب بأضرار متوسطة.
كما قدّر التقييم المشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي تكلفة إعادة إعمار غزة بنحو 40 مليار دولار، في ظل أكثر من 37 مليون طن من الأنقاض المتراكمة في مختلف مناطق القطاع.
العيش في مبانٍ آيلة للسقوط
في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، انهار مبنى سكني لعائلة لبّد في ديسمبر 2026، ما أسفر عن مقتل خمسة من ساكنيه بينهم امرأتان وطفل، بعد أن كان المكان قد تضرر سابقاً جراء القصف.
ولا تبدو هذه الحادثة استثناءً؛ إذ وثّقت فرق الإنقاذ في غزة انهيار 18 مبنى كلياً وتضرُّر 110 مبانٍ أخرى جزئياً خلال شهر واحد فقط نتيجة ضعف الهياكل الإنشائية للمباني التي طالها القصف.
في مخيم المغازي وسط القطاع، عاد جمال عيد، 72 عاماً، إلى منزله المتضرّر رغم إدراكه للمخاطر. يقول المسنّ الفلسطيني إن الأعمدة الخرسانية في المبنى أصبحت مشوّهة، والأسقف مثقوبة والجدران متشققة، لكنه يفضّل ذلك على العودة إلى الخيام بعد أن فقد سبعة من أفراد عائلته خلال الحرب.
هذه المفارقة يعيشها كثير من السكان العائدين إلى بيوت مهدّمة. أمجد الشنا الساكن في مخيم المغازي وسط القطاع، واحدٌ من هؤلاء. حيث اضطرت عائلته للعودة إلى منزلها رغم الأضرار الكبيرة.
يقول أمجد: “كنا نعيش هنا عايشين مكيفيّن وصار دمار عنا، وشي بدل شي دبّرنا حالنا مع الحجار وزينكو وشوادر، أحسن من الخيمة يعني. بس البيت بدأ يقع، هذا عمود رايح وهذا عمود رايح، يعني قاعدين بخطر. بس شو بدنا نساوي، نروح الخيمة ولا نتمرمط في المدارس وأنا عندي صبايا وعيال؟ قلنا خلينا في الشقة وربنا يحمينا.”
ويشرح أمجد كيف أنه حاول ترميم ما أمكن بمواد بسيطة جمعها من الأنقاض:
“لمّيت حجار من هنا وهنا وصفطتهم تصفيط، وحطينا ستاير وشوادر. إحنا بنتمنى ربنا يصلح الحال ويعمروا لنا إذا فيه إمكانية، أو حتى يعطونا كارفانات أحسن من الخيمة.”
فصل الشتاء يكشف ما أخفته الحرب
لم تكن المنخفضات الجوية التي ضربت غزة خلال شتاء 2025 – 2026 مجرد ظاهرة مناخية عادية، بل كشفت هشاشة البنية الإنشائية للمباني المتضررة.
فالأمطار الغزيرة تتسرب إلى الشقوق الهيكلية وتُضعف الأساسات، فيما تتآكل التربة المُشْبعة بالمياه تحت المباني المتصدعة، ما يزيد احتمال الانهيار المفاجئ.
ووفق وزارة الصحة في غزة، قُتل 25 فلسطينياً نتيجة انهيار مبانٍ وجدران متضررة خلال موجات سوء الأحوال الجوية الاخيرة، بينما توفي عدة أطفال بسبب البرد، بينهم رضيع عمره سبعة أيام وطفلة في الرابعة.
وخلال عاصفة “بايرون” في ديسمبر 2025 وحدها، لقي 11 شخصاً مصرعهم خلال أقل من 24 ساعة، بينما انهار 13 منزلاً وتضررت أو جرفت الفيضانات نحو 27 ألف خيمة في مناطق مختلفة من القطاع.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 800 ألف شخص، أي قرابة 40% من سكان القطاع، يعيشون في مناطق معرضة لخطر الفيضانات.
يؤكد حاتم أبو الجديان من مخيم النصيرات أن عائلته تعيش يومياً مع هذا الخوف.
يقول: “أنت شايف آثار الدمار بكل مكان، والحمد لله خسائرنا أقل من غيرنا لكن البيت آيل للسقوط بشهادة تقرير أعده مهندسون. البيت مائل باتجاه الشمال، وفيه ميل من ستة إلى عشرة سنتيمتر.”
ويضيف: “لو كبّينا كاسة ميّ بنشوفها بتروح للشمال. إحنا عايشين في رعب، لكن بنقول يمكن هذا أحسن من الخيمة أو الإيجار. الحلول أكبر من الجميع، وإحنا بس ندعو الله أنه يكون هناك حلّ.”
خطر تحت السطح: الذخائر غير المنفجرة
إلى جانب الخطر الإنشائي، يواجه السكان العائدون تهديداً آخر يتمثل في الذخائر غير المنفجرة المدفونة تحت الأنقاض.
وتقدّر الأمم المتحدة أن نحو 200 ألف طن من الذخائر ربما استُخدمت خلال الحرب، وإذا فشل 10% منها في الانفجار، فهذا يعني وجود عشرات آلاف الأطنان من المتفجرات المتناثرة داخل المباني المدمّرة وتحت الركام.
وحذّرت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام UNMAS من أن الذخائر غير المنفجرة تشكل خطراً مباشراً على المدنيين العائدين، ولا سيما الأطفال.
إلى جانب مخاطر الانفجار، تكشف تقارير الأمم المتحدة أن الركام في غزة يحتوي على مواد خطرة تشمل الأسبستوس المسرطنة والمخلّفات الصناعية والنفايات الطبية.
يؤكد ياسين المقدامة أن منزله في مخيم البريج لم يعد صالحاً للسكن بعد تدمير أجزاء كبيرة منه. فيقول: “هدموا الحيطان والشبابيك، وكل الغرف انهدمت. البلاط كله انهال والسطح صار يسيل ميّ. صارت الدار خرابة بعد ما كانت كويسة.”
ويضيف هذا الفلسطيني أن عائلته تخشى انهيار البيت لكنها لا تجد بديلاً: “إحنا خايفين تقع علينا لأن العمدان ضعيفة والبلاطة(السقف) مهدومة. بس وين نروح؟ الخيام؟ قلنا نعيش فيها أحسن.”
ويقول إن ما يتمناه شيء بسيط: “نتمنى يعملوا لنا شيء نسكن فيه ونعيش فيه. كل شيء صار خراب.”
إعادة الإعمار: مسار طويل ومعقد
تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP إلى أن إزالة الركام وحدها قد تستغرق ما بين خمس وسبع سنوات حتى في حال توفر الظروف المثالية.
وفي الوقت نفسه، ما تزال أكثر من 100 ألف خيمة دخلت غزة منذ أكتوبر 2025 تمثل المأوى الوحيد لنحو 560 ألف شخص.
كما يواجه ملف إعادة الإعمار تحديات قانونية إضافية، إذ يشير تقييم صادر عن مجلس الإسكان الفلسطيني إلى أن ما بين 70 و83% من السكان فقدوا وثائق ملكية منازلهم خلال الحرب.
وفي قطاع لا تزال 81% من مبانيه متضررة، وتكلفة إعماره تتجاوز 40 مليار دولار، وجدول إزالة ركامه يمتد لسبع سنوات — يجد مليون ونصف نازح أنفسهم في انتظار إعادة بناءٍ قد لا يدركها الكثيرون.













