في خضم المأساة الإنسانية التي تعصف بالسودان، تبرز فاجعة ثقافية جديدة تدمي القلوب، حيث أظهرت صور صادمة حجم الدمار الهائل الذي لحق بمنزل الأديب العالمي الراحل عبد الله الطيب، لتتحول معه مكتبة العلامة عبد الله الطيب إلى أطلال وركام. هذه المكتبة، التي كانت منارة للعلم والمعرفة في حي برّي العريق بالخرطوم، لم تكن مجرد مجموعة من الكتب، بل كانت ذاكرة أمة وكنزاً يضم مقتنيات نادرة شكلت على مدى عقود جزءاً أصيلاً من الوجدان الثقافي السوداني والعربي.
تداول ناشطون ومثقفون سودانيون على نطاق واسع صور المنزل الذي تحول إلى خراب، معبرين عن حسرتهم لفقدان هذا الإرث العظيم. المشهد الذي وصفه كثيرون بأنه اغتيال للذاكرة، يعكس عمق الأزمة التي طالت كل شيء في السودان، ولم تستثنِ صروح الفكر والثقافة من نيرانها. كان المنزل يُعرف بين زواره بأنه “متحف حي للفكر والفن”، وقد تحول اليوم إلى شاهد صامت على وحشية الصراع الدائر.
منارة فكرية تتحول إلى رماد
روى الصحفي والمخرج السوداني الطيب صديق، الذي نشر الصور عبر حسابه على فيسبوك، تفاصيل زيارته المؤلمة للمنزل. ذكر أنه ذهب على أمل العثور على أي كتب أو مقتنيات يمكن إنقاذها، لكنه صُدم بالواقع المرير؛ فالمنزل قد سُوي بالأرض تقريباً، ولم يبقَ أي أثر لمكتبة عبد الله الطيب وزوجته الفنانة غريس قيرزلدا. وصف صديق المنزل قبل الحرب بأنه كان أشبه بتحفة فنية متكاملة، حيث جمع الزوجان خلال رحلاتهما العلمية والثقافية حول العالم مقتنيات ولوحات وكتباً لا تقدر بثمن. كل زاوية في المنزل كانت تروي حكاية، من الأثاث والأقمشة التقليدية إلى الفوانيس والصواني المغربية وأباريق الشاي، وكلها اختفت تحت الركام.
فاجعة مكتبة العلامة عبد الله الطيب في سياق الحرب
يأتي تدمير هذا الصرح الثقافي في سياق الصراع المدمر الذي اندلع في السودان منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. أصبحت العاصمة الخرطوم، بمدنها الثلاث، مسرحاً لأعمال عنف واسعة النطاق، مما أدى إلى تدمير البنية التحتية واستهداف ممنهج للمؤسسات الثقافية والأكاديمية. لم تكن مكتبة الطيب هي الضحية الوحيدة، فقد طال الدمار دور المحفوظات والمتاحف والجامعات، مما يهدد بمحو أجزاء كبيرة من تاريخ السودان الحديث والقديم. إن فقدان هذه الكنوز لا يمثل خسارة للسودان فحسب، بل هو خسارة للتراث الإنساني بأسره، حيث كانت هذه المراكز تحفظ وثائق ومخطوطات نادرة توثق تاريخ المنطقة وتفاعلاتها الحضارية.
إرث يتجاوز حدود السودان
يُعد البروفيسور عبد الله الطيب (1921-2003) أحد أبرز أعلام اللغة العربية والأدب في القرن العشرين. مسيرته الأكاديمية الحافلة، التي انطلقت من كلية غردون التذكارية بالخرطوم ووصلت إلى جامعة لندن، جعلته مرجعاً عالمياً في مجاله. شغل مناصب رفيعة، منها عمادة كلية الآداب بجامعة الخرطوم ورئاسة مجمع اللغة العربية في السودان، بالإضافة إلى عضويته في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ترك الطيب إرثاً علمياً ضخماً، أبرزه موسوعته الشهيرة “المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها”، التي استغرق إعدادها 35 عاماً، وتُعد من أهم المراجع في الدراسات اللغوية والأدبية الحديثة. كما ارتبط اسمه ببرنامجه الإذاعي الشهير في تفسير القرآن الكريم، الذي أسهم في ترسيخ مكانته في الوجدان الشعبي. ومع تداول صور منزله المدمر، تتصاعد الدعوات بين المثقفين لضرورة حماية ما تبقى من الإرث الثقافي السوداني وتوثيقه، في ظل المخاوف من ضياع المزيد من المعالم والمكتبات التاريخية تحت وطأة الحرب المستمرة.
The post دمار مكتبة العلامة عبد الله الطيب: خسارة ثقافية كبرى للسودان appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













