يرى الكثير من المراقبين للشأن الدولي أن رهان طهران المستمر على توجيه سلوك الناخب الأمريكي يمثل قراءة خاطئة للتاريخ والواقع السياسي المعاصر. فبينما يتابع المحللون الإيرانيون المقربون من الحرس الثوري تفاصيل الانتخابات الأمريكية بشغف يفوق اهتمام بعض المواطنين الأمريكيين أنفسهم، تبرز أوهام إيرانية واضحة تعتقد أن الضغط العسكري والاقتصادي الإقليمي قد ينعكس مباشرة على صناديق الاقتراع في الولايات المتحدة لإضعاف الإدارة الحالية بقيادة الرئيس دونالد ترامب وتوجيه خيارات الناخب الأمريكي.
عقدة الرهائن التاريخية وحسابات طهران تجاه الناخب الأمريكي
يعود هذا السلوك الإيراني إلى خلفية تاريخية مرتبطة بأزمة الرهائن الأمريكية في طهران عام 1979. في ذلك الوقت، استغلت طهران الانقسام الداخلي الأمريكي لإضعاف إدارة الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر، مما ساهم في إسقاطه سياسياً أمام رونالد ريجان بعد فشل عملية الإنقاذ العسكرية الشهيرة “مخلب العقاب”. يعتقد الحرس الثوري الإيراني، المصنف كمنظمة إرهابية أجنبية في الولايات المتحدة منذ عام 2019، أن تكرار هذا السيناريو ممكن عبر رفع تكلفة المواجهة في مياه الخليج العربي واستهداف مصالح واشنطن وحلفائها الإقليميين، ظناً منه أن هذا الضغط سيدفع الناخب الأمريكي لمعاقبة الحزب الحاكم وإجبار الإدارة على التراجع.
لماذا يختلف الرئيس ترامب جذرياً عن جيمي كارتر؟
إن القياس على تجربة كارتر يمثل تضليلاً كبيراً للحرس الثوري الإيراني؛ فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يتصرف وفق حسابات التراجع أو الحذر التي ميزت كارتر خوفاً على حياة الرهائن أو تجنباً لتوسيع الأزمة. يبني ترامب جزءاً كبيراً من شرعيته السياسية وشعبيته على صورة القائد القوي الذي يرفض الإهانة ولا يتراجع تحت الضغط، ولا يتردد في استخدام القوة العسكرية الحاسمة لحماية المصالح الأمريكية وحرية الملاحة الدولية. بالتالي، فإن أي محاولة إيرانية لابتزاز الإدارة الحالية قد تواجه بردة فعل عسكرية مدمرة ومضاعفة قبل الانتخابات، لضمان عدم ظهور الرئيس بمظهر الخاضع للابتزاز أمام شعبه.
أدوات الضغط الإيرانية وتأثيرها على الأمن الإقليمي والدولي
تعتمد طهران في استراتيجيتها غير المباشرة على شبكة واسعة من الجماعات المسلحة والمليشيات التابعة لها في العراق، واليمن (الحوثيين)، ولبنان. من خلال تحريك هذه الأذرع لضرب المنشآت الحيوية في دول الخليج العربي، وتهديد ناقلات النفط والممرات البحرية الدولية، تسعى إيران إلى رفع أسعار الطاقة وإرباك الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، فإن هذه السياسة الانتقائية في اختيار الأهداف لا تعكس شجاعة عسكرية بقدر ما تعكس رغبة في نقل كلفة الصراع إلى أراضي الآخرين، وهو ما يمنح الرئيس ترامب مبررات إضافية قوية أمام المجتمع الدولي والداخل الأمريكي لمواصلة استراتيجية الضغط الأقصى والدفاع عن الاقتصاد العالمي وحرية الملاحة.
صناديق الاقتراع لن تنقذ الحرس الثوري من المواجهة
في النهاية، تشير المعطيات السياسية إلى أن الديمقراطيين لن يتمكنوا من حيازة الأغلبية المطلقة الكفيلة بتعطيل قرارات الرئيس أو عزله، وحتى لو تمكنوا من فتح تحقيقات برلمانية، فإن سلطة الفيتو الرئاسي تظل حاسمة. كما أن الكونجرس يتردد تاريخياً في قطع التمويل عن القوات الأمريكية أثناء العمليات القتالية الجارية خوفاً من اتهامهم بالتخلي عن الجنود في الميدان. بناءً على ذلك، فإن رهان طهران على تغير المزاج السياسي الأمريكي عبر الضغط الإقليمي هو رهان بائس، ولن يجني منه الحرس الثوري سوى مواجهة أكثر قسوة مع إدارة أمريكية لا تؤمن بضبط النفس التقليدي وتستعد للرد بكل حزم وقسوة.
The post الرهان على الناخب الأمريكي.. لماذا يختلف ترامب عن كارتر؟ appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













