تتجه الأنظار اليوم نحو خطوة حاسمة في مسار التهدئة، حيث يُعقد اجتماع عسكري افتراضي يجمع وفدين من لبنان وإسرائيل برعاية مباشرة من القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM). يمثل هذا اللقاء أول استحقاق تنفيذي فعلي منذ اختتام الجولة السادسة من المفاوضات التي استضافتها العاصمة الإيطالية روما. ويتركز البحث الأساسي حول حسم الصيغة النهائية لمشروع المناطق التجريبية في جنوب لبنان، والذي تم الاتفاق على مبدأ إنشائه مسبقاً في واشنطن ورُسمت معالمه الأولية في روما، تمهيداً للانتقال إلى التنفيذ الميداني خلال الأيام القليلة القادمة.
السياق التاريخي للحدود وتطور آليات التنسيق
لطالما شكلت الحدود اللبنانية الإسرائيلية نقطة توتر تاريخية، حيث اعتمد الجانبان لعقود على آليات تنسيق غير مباشرة، أبرزها الاجتماعات الثلاثية في مقر قوات حفظ السلام الدولية (اليونيفيل) في منطقة الناقورة بموجب القرار الأممي 1701. ومع تصاعد التوترات الأخيرة وتغير المعطيات الميدانية، برزت الحاجة إلى مقاربات جديدة تضمن الاستقرار. وفي هذا السياق، جاء العدول عن عقد لقاء مباشر في الناقورة والاستعاضة عنه باجتماع عبر تقنية الاتصال المرئي، إثر تمسك قيادة الجيش اللبناني برفض عقد أي اجتماع في منطقة لا تزال ترزح تحت الاحتلال الإسرائيلي، مما يعكس حساسية الموقف السيادي اللبناني في هذه المرحلة الدقيقة.
خريطة المناطق التجريبية في جنوب لبنان وآليات التنفيذ
لا يقتصر الاجتماع الافتراضي على بحث ترتيبات عسكرية عامة، بل يغوص في تفاصيل تقنية دقيقة تخص المرحلة الأولى من التنفيذ. وتشمل هذه التفاصيل آلية الانسحاب الإسرائيلي، وخطط انتشار الجيش اللبناني، بالإضافة إلى آليات التنسيق والمراقبة المشتركة. وبحسب المعطيات المتوفرة، تشمل المرحلة التجريبية منطقتين تضمان سبع بلدات جنوبية. تقع المنطقة الأولى شمال نهر الليطاني وتضم بلدتي الزوطر الشرقية والزوطر الغربية. أما المنطقة الثانية فتمتد جنوب نهر الليطاني لتشمل بلدات فرون، الغندورية، قلاوية، برج قلاوية، وصريفا.
ويعكس اختيار هذه البلدات تحديداً استراتيجية مدروسة لاختبار نموذج أمني في مناطق تختلف ظروفها الميدانية. فبعض هذه البلدات يقع على تماس مباشر مع القوات الإسرائيلية، في حين شهدت بلدات أخرى انتشاراً مكثفاً للجيش اللبناني وقوات اليونيفيل خلال مراحل سابقة. نجاح هذا النموذج سيشكل حجر الأساس لتوسيع نطاق الاستقرار ليشمل مناطق أوسع على طول الخط الأزرق.
التداعيات الإقليمية وموقف الأطراف الفاعلة
تبرز الأهمية القصوى لاجتماع اليوم في كونه يمثل الانتقال الفعلي من مرحلة التفاهمات السياسية إلى الاختبار الميداني الحقيقي، وهو ما يحمل تأثيرات بالغة الأهمية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يطرح هذا المسار تساؤلات حساسة حول كيفية تنفيذ البنود الأمنية وسحب السلاح في قرى تداخلت فيها البنية الاجتماعية والعسكرية لحزب الله لسنوات طويلة دون إحداث صدام مع بيئته الحاضنة. وحتى اللحظة، يشكل عدم إعلان الحزب عن موقف تفصيلي عنصراً من الغموض، مما يترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات متعددة تتراوح بين منح الدولة هامشاً لتنفيذ التزاماتها، أو تسجيل اعتراضات ميدانية إذا مست الإجراءات بتوازناته الأمنية.
على الصعيد الدولي والإقليمي، تسابق الإدارة الأمريكية الزمن لتحقيق تقدم ملموس في هذا الملف. وتأتي هذه الجهود انطلاقاً من الرغبة في تحويل تفاهمات روما إلى خطوات عملية تعزز موقع لبنان التفاوضي وتمنح زخماً للمسار الدبلوماسي، خاصة قبيل الزيارة المرتقبة لقائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون إلى الولايات المتحدة مطلع الأسبوع القادم. في النهاية، يبقى نجاح هذه المقاربة الدولية مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية على ترجمة التعهدات المكتوبة إلى واقع صلب يضمن الأمن المستدام، ليطرح المراقبون تساؤلاً جوهرياً: هل ستكون هذه الخطوات مدخلاً حقيقياً لتثبيت الاستقرار الإقليمي، أم مجرد هدنة مؤقتة قبل جولة جديدة من المواجهات؟
The post اجتماع عسكري لبناني إسرائيلي: المناطق التجريبية في جنوب لبنان appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













