تتصدر كواليس العمل الديبلوماسي الدولي حاليا تسريبات حول مسارات تفاوضية غير مباشرة بين واشنطن وطهران تسعى من خلالها الأخيرة إلى طرح مقاربة تعتمد على «تجزئة الملفات» كمدخل لتخفيف الضغوط الاقتصادية، وفيما يبدو ظاهريا كمحاولة لتهدئة الأزمات الإقليمية، إلا أن القراءة المتأنية في سلوك التفاوض الإيراني تكشف عن تكتيك قديم متجدد يهدف إلى تقديم تنازلات إجرائية في ملفات ثانوية مقابل الاحتفاظ بالمكتسبات الإستراتيجية في الملف النووي، حيث تتركز الأطروحات الإيرانية الحالية على إبداء مرونة في ملف أمن الملاحة ومضيق هرمز بصفتة «طعما» ديبلوماسيا يسيل له لعاب القوى الدولية القلقة على إمدادات الطاقة العالمية، وفي مقابل هذا الانفراج الملاحي تطالب طهران برفع الحصار الاقتصادي مع اشتراط تأجيل البت في ملف تخصيب اليورانيوم إلى أجل غير مسمى، وهذا في حقيقة الأمر يمكن أن نطلق عليه فخ الممرات والمماطلة النووية.
إن هذا الفصل المعتمد بين الأمن الملاحي والأمن النووي يمثل جوهر الإستراتيجية الإيرانية التي تفتقر تاريخيا الى المصداقية، إذ تهدف إلى الحصول على «أكسجين مالي يعيد إنعاش الداخل ويقوي أذرعها الإقليمية مع بقاء البرنامج النووي جاهزا للتحول إلى واقع عسكري في اللحظة التي تراها طهران مناسبة».
وفي خضم هذه المقايضات الخطرة تبرز الديبلوماسية الخليجية، ليس كطرف مراقب فحسب، بل كفاعل أساسي يمتلك القدرة على تصحيح مسارات التفاوض الدولي ويتركز الدور الخليجي المنشود والممارس حاليا على ثلاثة أبعاد رئيسة:
أولا: وحدة الموقف والمطالبة بالشمولية
تدرك العواصم الخليجية أن تجزئة الملفات هي ثغرة ينفذ منها التهديد، لذا تنشط الديبلوماسية الخليجية لدى الشريك الأميركي والمجتمع الدولي على ضرورة تبني مقاربة شاملة تربط بين الاتفاق النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية والسلوك الإقليمي المزعزع للاستقرار.
ثانيا: التحرك ككتلة وازنة بين توازنات الطاقة
تستخدم دول الخليج العربي ثقلها الإستراتيجي لضمان ألا يكون أمن الملاحة ورقة ابتزاز بيد طرف واحد، مؤكدة أن الاستقرار المستدام لا يتحقق عبر تفاهمات هشة، بل عبر التزام حقيقي بالقانون الدولي وحسن الجوار.
ثالثا: سد الفجوات عبر الحوار المباشر
لم تعد الديبلوماسية الخليجية تكتفي بالوسطاء الدوليين، بل غدت ديبلوماسية منفتحة على قنوات حوار إقليمية تهدف إلى وضع إيران أمام مسؤوليتها المباشرة بعيدا عن المناورات الدولية، وهو ما يضيق الخناق على تكتيكات المماطلة، ويجعل فقدان المصداقية مكلفا سياسيا للنظام الإيراني.
إن النجاح الديبلوماسي الحقيقي لا يقاس بتهدئة مؤقتة في ممرات التجارة، بل بقدرة المجتمع الدولي على انتزاع ضمانات صلبة تمنع تحول المنطقة إلى ساحة لسباق التسلح النووي.
إن تأجيل الملف النووي ليس سوى تسهيل لولادة أزمات أكثر تعقيدا، هنا يأتي دور الديبلوماسية الخليجية الرصينة لتذكير العالم بأن الأمن لا يتجزأ، وأن المصداقية هي العملة الوحيدة التي يجب أن تبنى عليها الاتفاقات، وبغير ذلك سنكون أمام هدنة تكتيكية تمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترتيب أوراقه قبل جولة جديدة من التصعيد.













