دفعت الضغوط الأمنية المتصاعدة على السعودية، من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، إلى طرح تساؤلات بشأن إمكان توسع التنسيق بينها وبين إسرائيل، في ظل تهديدات مشتركة مصدرها إيران وجماعة أنصار الله “الحوثيون” في اليمن، وتراجع احتمالات تدخل حلفاء الرياض عسكريًا بصورة مباشرة.
اعلان
اعلان
وتعززت هذه التساؤلات بعد اجتماع سري عُقد في ألمانيا وشارك فيه قادة عسكريون من السعودية وإسرائيل والولايات المتحدة ودول عربية أخرى، بحسب ما كشف موقع “أكسيوس”، بالتزامن مع تحليلات إسرائيلية تقدم إسرائيل باعتبارها شريكًا استخباراتيًا ودفاعيًا محتملًا للرياض.
إلا أن محللين تحدثوا إلى موقع “ذا ميديا لاين” حذروا من اعتبار الاتصالات القائمة تمهيدًا لتحالف عسكري سعودي–إسرائيلي، مرجحين بقاء أي تنسيق محتمل محدودًا وعمليًا وخلف الكواليس، في ظل غياب العلاقات الدبلوماسية بين البلدين واستمرار القيود السياسية التي تحول دون التطبيع.
اجتماع “سري”
برز الاجتماع السري الذي عُقد في ألمانيا بوصفه أحد المؤشرات إلى اتساع قنوات التنسيق الأمني الإقليمي، إذ ضم قادة عسكريين من الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر، بحسب ما كشف موقع “أكسيوس”.
ونظّم الاجتماع قائد القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، الأدميرال براد كوبر، فيما أكدت القيادة لاحقًا أنها استضافت في ألمانيا قادة عسكريين من ثماني دول في الشرق الأوسط لمناقشة فرص تعزيز التعاون الأمني الإقليمي.
ولم يُعلن عن الاجتماع مسبقًا، إلا أن موقع “ذا ميديا لاين” رأى أن أهميته تكمن في توقيته والظروف الأمنية المحيطة به، وليس في وجود الاتصالات العسكرية بحد ذاتها، بعدما تطورت قنوات التنسيق الإقليمي تدريجيًا خلال السنوات الماضية.
وكانت “سنتكوم” قد تحدثت عن عمل الولايات المتحدة وشركائها على تطوير مظلة إقليمية للدفاع الجوي والصاروخي، إلى جانب إنشاء خلية لتنسيق الدفاع الجوي بهدف تحسين تبادل المعلومات والتحذير من التهديدات والاستجابة للأزمات.
ولا يثبت الاجتماع، وفق “ذا ميديا لاين”، أن الدول المشاركة تعمل ضمن قيادة عسكرية موحدة، لكنه يكشف وجود جهود لتنسيق الدفاعات وتبادل المعلومات بشأن الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات البحرية.
فرصة إسرائيلية أم تنسيق تفرضه الضرورة؟
طرح تحليل للكاتب لازار بيرمان في صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” الضغوط التي تواجهها السعودية باعتبارها فرصة أمام إسرائيل لإظهار الفوائد المحتملة للتعاون معها، ولا سيما في مجالي الاستخبارات والدفاع الجوي.
وبحسب قراءة بيرمان، تتقاطع مصالح السعودية وإسرائيل في مواجهة إيران والحوثيين، بعدما تعرضت أراضيهما وسفنهما لهجمات، كما تواجهان أنواعًا متشابهة من الأسلحة، تشمل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة بعيدة المدى.
ورأى الكاتب أن إسرائيل تستطيع تقديم معلومات استخباراتية وتقنيات دفاعية للسعودية بعيدًا من الأضواء، مستبعدًا في الوقت نفسه تدخل سلاح الجو الإسرائيلي علنًا في اليمن لمصلحة الرياض، نظرًا إلى الكلفة السياسية التي قد يرتبها ذلك على المملكة.
ولا يستند هذا الطرح إلى موقف سعودي رسمي يدعو إلى التعاون العسكري مع إسرائيل، بل يمثل قراءة للكاتب الإسرائيلي للخيارات المتاحة أمام الرياض في ظل تصاعد الضغوط الأمنية.
في المقابل، حذر المحلل السياسي السعودي عبد العزيز الشعباني من قراءة اجتماع ألمانيا أو الاتصالات الأمنية باعتبارها دليلًا على استعداد الرياض للدخول في تعاون عسكري مباشر مع إسرائيل.
وقال الشعباني لموقع “ذا ميديا لاين” إن أي تنسيق استخباراتي محتمل سيبقى على الأرجح محدودًا وعمليًا، مع استمرار السعودية في الاعتماد بصورة أساسية على آلياتها الأمنية الخاصة والأطر الإقليمية الأوسع.
بدوره، رأى المحلل العسكري والجيوسياسي ألكسندر بورتنوي أن الاتصالات العسكرية والتعاون بين دول المنطقة لم يعودا تطورًا مفاجئًا، لكنه رجح أن يبقى أي دور إسرائيلي محتمل في مواجهة الحوثيين خلف الكواليس.
واعتبر بورتنوي أن انعقاد اجتماع ألمانيا يشير إلى أن آليات التنسيق الإقليمي لا تزال قيد البحث والتطوير، وليس إلى وجود منظومة دفاع جماعي جاهزة للعمل، معتبرًا أن الاجتماع لم يكن ليصبح ضروريًا لو كانت الدول المشاركة مستعدة أصلًا لتنفيذ رد جماعي.
ما الذي يدفع الرياض إلى البحث عن خيارات إضافية؟
تربط التحليلات التي تطرح إمكان توسيع التعاون الأمني مع إسرائيل بين هذا الاحتمال والضغوط التي تواجهها السعودية على أكثر من جبهة، من اضطراب صادرات النفط عبر مضيق هرمز إلى التقدم الحوثي قرب باب المندب، مرورًا بغياب تدخل عسكري مباشر من حلفاء الرياض التقليديين والجدد.
ووفق تحليل بيرمان في “تايمز أوف إسرائيل”، ألحقت التهديدات الإيرانية في مضيق هرمز أضرارًا بقدرة السعودية على تصدير النفط عبر الخليج، رغم أن القطاع النفطي لا يزال يمثل نحو 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة و60 في المئة من إيراداتها.
وأشار التحليل إلى أن الرياض لجأت إلى خط أنابيب “شرق–غرب” لنقل النفط من مناطق الإنتاج باتجاه ميناء ينبع على البحر الأحمر، محوّلة أكثر من 70 في المئة من صادراتها اليومية المعتادة من النفط الخام إلى ذلك المسار.
لكن خط الأنابيب، البالغ طوله نحو 1200 كيلومتر والقادر على نقل ما يصل إلى سبعة ملايين برميل يوميًا، تعرض لهجوم أدى إلى خروجه من الخدمة لأسابيع، فيما حمّلت السعودية فصائل عراقية مدعومة من إيران مسؤولية استهدافه.
وفي الجهة المقابلة، زاد التقدم الحوثي على الساحل الغربي لليمن، ولا سيما بالقرب من باب المندب، المخاوف المتعلقة بسلامة الملاحة عبر البحر الأحمر، ما وضع الرياض أمام ضغوط متزامنة في اثنين من أهم ممرات تصدير الطاقة في المنطقة.
الحوثيون يوسّعون دائرة التهديد
أعادت المكاسب الميدانية الأخيرة للحوثيين في غرب اليمن تسليط الضوء على قدرتهم المتنامية على التأثير في أمن السعودية وحركة الملاحة الدولية.
وسيطرت جماعة أنصار الله “الحوثيين”، خلال هجومها الأخير، على مدينة المخا وجزيرة بريم، ما عزز مواقعها بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
ولا تعني هذه المكاسب أن الحوثيين باتوا يسيطرون بصورة كاملة على المضيق، لكنها تمنحهم قدرة أكبر على تهديد السفن ورفع كلفة استخدام الممر البحري الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
كما كثف الحوثيون هجماتهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف سعودية، في وقت تصاعدت فيه المخاوف من استخدام مواقعهم الجديدة داخل اليمن لاستهداف السفن والمنشآت الحيوية في المملكة.
واستبعد الشعباني، في حديثه إلى “ذا ميديا لاين”، أن يشن الحوثيون غزوًا بريًا واسعًا للسعودية، بالنظر إلى مساحة المملكة ومحدودية القدرات العسكرية للجماعة مقارنة بالدولة السعودية.
ورأى أن الخطر الأكثر إلحاحًا يتمثل في استغلال الحوثيين مواقعهم الجديدة داخل اليمن لتكثيف الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيّرة، إلى جانب استهداف السفن والمنشآت السعودية.
التحالفات السعودية أمام اختبار التصعيد
وضع التصعيد شبكة العلاقات والتحالفات العسكرية السعودية، القديمة والجديدة، أمام اختبار عملي، وسط تساؤلات عن مدى استعداد شركاء الرياض للمشاركة في مواجهة مباشرة مع الحوثيين أو إيران.
وكان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد استضاف، قبل التصعيد الأخير، قيادتي تركيا وباكستان لتوقيع اتفاق للدفاع المشترك في مكة.
لكن مسؤولين أتراكًا وباكستانيين قالوا لوكالة “أسوشيتد برس” إن بلديهما لم يتلقيا طلبًا سعوديًا للمساعدة في مواجهة التصعيد الحوثي. ولم يظهر حتى الآن تدخل عسكري مباشر من أنقرة أو إسلام آباد، رغم استضافة السعودية، وفق “تايمز أوف إسرائيل”، ما لا يقل عن ثمانية آلاف جندي باكستاني.
واعتبر بيرمان أن غياب الدعم العسكري المباشر كشف محدودية الحماية التي توفرها تحالفات الرياض القديمة والجديدة.
لكن المحلل جوزيبي دينتشي، من مرصد البحر المتوسط، قدم قراءة مختلفة في حديثه إلى “ذا ميديا لاين”، إذ رأى أن السعودية لا تسعى إلى ربط نفسها بصورة كاملة بأي طرف، بل تتبع سياسة تقوم على التواصل الانتقائي مع شركاء مختلفين، وفق طبيعة كل أزمة ومدى استعداد هؤلاء الشركاء للتحرك.
وأشار دينتشي إلى اتفاق الدفاع المشترك الذي أبرمته السعودية مع تركيا وباكستان، معتبرًا أن فاعليته تعتمد على استعداد الأطراف المعنية لتطبيقه في الظروف المختلفة.
واشنطن تحجم عن التدخل المباشر
وفي وقت سابق، أفادت وكالة “رويترز” بأن ولي العهد السعودي طلب مساعدة عسكرية أميركية مع تزايد الضغط الحوثي، لكن واشنطن حصرت مشاركتها في تقديم المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف، من دون تنفيذ ضربات مباشرة.
وطلب محمد بن سلمان من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال اتصالين، شن ضربات على الحوثيين، لكن ترامب رفض الطلب.
ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤول كبير في إدارة ترامب أن الولايات المتحدة تركز على حماية مصالح أمنها القومي الأساسية، بما فيها حرية الملاحة في البحر الأحمر، وتسعى في الوقت نفسه إلى تمكين شركائها الإقليميين من تولي دور رئيسي في إدارة التحديات الأمنية وحلها.
وفي موازاة ذلك، أفادت “رويترز” بأن مسؤولين أميركيين التقوا ممثلين عن الحوثيين في السفارة الأميركية في مسقط بسلطنة عُمان.
ونقلت الوكالة عن مصادر مطلعة على المحادثات أن وفد الحوثيين تعهّد بعدم استهداف السفن الأميركية والإسرائيلية، وأكد استمرار التزامه بالترتيب السابق مع واشنطن، فيما لم تشمل هذه التعهدات السفن السعودية. وامتنعت وزارة الخارجية الأميركية عن تأكيد انعقاد الاجتماع.
واعتبر بيرمان أن إحجام واشنطن عن التدخل العسكري المباشر، إلى جانب غياب تحرك تركي أو باكستاني، يزيد حاجة السعودية إلى البحث عن خيارات أمنية إضافية. ويبقى هذا التقييم منسوبًا إلى الكاتب في “تايمز أوف إسرائيل”، ولا يعكس موقفًا سعوديًا رسميًا.
الحوثيون يدخلون دائرة الاستخبارات الإسرائيلية
بالتزامن مع النقاش بشأن الدور الإسرائيلي المحتمل، تحدثت صحيفة “معاريف” عن ارتفاع مستوى اهتمام الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية بالحوثيين.
وذكرت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي رفع جاهزيته على مختلف الجبهات قبيل يوم الغفران، متأثرًا بذاكرة حرب عام 1973 وهجوم السابع من أكتوبر 2023، لكنها أشارت إلى عدم توافر معلومات استخباراتية، حتى موعد نشر تقريرها، عن نية أي طرف شن هجوم وشيك على إسرائيل.
وبحسب “معاريف”، كثفت إسرائيل خلال العامين الماضيين عمليات جمع المعلومات عن الحوثيين، وتمكنت الاستخبارات العسكرية والموساد من بناء ما وصفته الصحيفة برصيد استخباراتي مهم، بعدما كانت إسرائيل وأطراف دولية أخرى تقلل سابقًا من حجم الخطر الذي تمثله الجماعة.
ورأت الصحيفة أن تقدم الحوثيين قرب باب المندب وهجماتهم على السعودية أحدثا تحولًا في طريقة تعامل الدوائر السياسية والأمنية معهم، بعدما باتوا يُنظر إليهم باعتبارهم قوة عسكرية قادرة على التأثير في الأمن الإقليمي وحركة التجارة الدولية.
كما ذكرت “معاريف” أن إسرائيل طورت أدوات لمراقبة الحوثيين والعمل ضدهم، مشيرة إلى أهمية علاقاتها مع أرض الصومال وإلى ما وصفته بقدرات يمتلكها الموساد والاستخبارات العسكرية ويمكن توظيفها في أي مواجهة أوسع مع الجماعة.
وتبقى هذه المعلومات والتقديرات منسوبة إلى الصحيفة الإسرائيلية، في ظل عدم صدور إعلان رسمي يتضمن تفاصيل القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية المتعلقة بالحوثيين.
رغم تصاعد خطر الحوثيين.. إيران تبقى الهدف الأول
على الرغم من تنامي الاهتمام بالحوثيين، إلى جانب حماس وحزب الله، ذكرت “معاريف” أن إيران لا تزال تتصدر أولويات المؤسسة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية.
وأوضحت الصحيفة أن المهمة الأولى للموساد والاستخبارات العسكرية في المرحلة الحالية تتمثل في العمل على إسقاط النظام الإيراني، مضيفة أن تقديرات إسرائيلية ترى أن النظام يقترب من مرحلة اضطراب، مع إقرارها بعدم وضوح مدى قرب تحقق هذا السيناريو.
ويعكس هذا التقييم،، الرؤية التي تقدمها الصحيفة لأولويات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ولا يمثل استنتاجًا مستقلًا بشأن وضع النظام الإيراني أو احتمال سقوطه.
في المقابل، ربط تحليل بيرمان في “تايمز أوف إسرائيل” بين نجاحات الحوثيين والموقع التفاوضي لطهران، معتبرًا أن التقدم الحوثي يزيد الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالممرات البحرية، ويمنح إيران أوراقًا إضافية في المواجهة المتعلقة بمضيق هرمز.
تعاون أمني تحكمه الضرورة وتقيّده السياسة
تعكس التقارير والتقديرات المتباينة اختلافًا في تفسير طبيعة الاتصالات الأمنية الجارية بين إسرائيل ودول المنطقة. ففيما يقدم تحليل بيرمان الضغوط التي تواجهها السعودية باعتبارها فرصة أمام إسرائيل لعرض قدراتها الاستخباراتية والدفاعية، يرى محللون تحدثوا إلى “ذا ميديا لاين” أن التنسيق القائم لا يزال محدودًا وتفرضه تهديدات مشتركة، ولا يمثل تحولًا نحو تحالف عسكري رسمي.
كما أن أي مساعدة أمنية إسرائيلية محتملة لن تكون كافية، وفق تحليل بيرمان، لدفع الرياض في المدى القريب إلى تطبيع العلاقات، في ظل استمرار السعودية في ربط أي اتفاق من هذا النوع بإيجاد مسار لا رجعة فيه نحو إقامة دولة فلسطينية.
وتشير المعطيات المتوافرة إلى اتساع قنوات التواصل وتبادل المعلومات في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات البحرية، لكن حدود هذا التنسيق تبقى محكومة بالحساسية السياسية وغياب العلاقات الدبلوماسية، من دون إعلان سعودي أو إسرائيلي عن قيام شراكة عسكرية مباشرة بين الجانبين.













