بقلم: يورونيوز
نشرت في
دعا البابا ليو الرابع عشر إلى وضع تنظيم صارم وشامل للذكاء الاصطناعي، مطالباً مطوّري هذه التكنولوجيا بالعمل من أجل الصالح العام بدلاً من التركيز على الربح، وذلك في وثيقة واسعة تناولت مستقبل الإنسانية وتأثيرات الذكاء الاصطناعي على مختلف جوانب الحياة، من العمل إلى الحروب.
اعلان
اعلان
وجاءت هذه الدعوة ضمن أول رسالة بابوية عامة (إرشاد رسولي) له بعنوان “الإنسانية المدهشة”، والتي صدرت بعد أيام من انتخابه كأول بابا مولود في الولايات المتحدة، إذ سبق أن اعتبر أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه البشرية في العصر الحديث.
وفي نص الرسالة، انتقد البابا ما وصفه بـ”ثقافة القوة” التي تغذي سباق تطوير الذكاء الاصطناعي، لا سيما في مجالات الحرب عن بُعد، مؤكداً أنه “لا يجوز” ترك قرارات القتل غير القابلة للتراجع لأنظمة الذكاء الاصطناعي، في موقف يفتح باب التوتر مع الإدارة الأمريكية التي تتبنى سياسات لتخفيف القيود على هذا القطاع.
وأضاف البابا خلال تقديم الوثيقة في الفاتيكان أن الذكاء الاصطناعي “يجب نزع سلاحه” وحمايته من أن يتحول إلى أداة للهيمنة والإقصاء والموت، مشدداً على ضرورة ضبطه أخلاقياً وقانونياً.
ويرى خبراء في التكنولوجيا والأكاديميا والأخلاقيات الكاثوليكية أن هذه الوثيقة قد تصبح مرجعاً أساسياً في النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تأثير هذه التقنيات على الوظائف البشرية وحتى على مفهوم الذكاء نفسه.
وفي السياق، قال تايلور بلاك، وهو مسؤول في مايكروسوفت ومدير معهد الذكاء الاصطناعي في الجامعة الكاثوليكية الأمريكية، إن الوثيقة ستدفع العاملين في هذا المجال إلى طرح أسئلة جوهرية مثل: “ماذا يعني أن نكون بشراً؟”.
استضافة أحد مؤسسي “أنثروبيك”
وشهد إطلاق الوثيقة في الفاتيكان مشاركة أحد مؤسسي شركة “أنثروبيك”، وهي شركة ناشئة كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي تخوض نزاعاً قانونياً مع الإدارة الأمريكية بشأن سياسات استخدام تقنياتها، في إطار مساعي الفاتيكان لفتح حوار طويل الأمد مع وادي السيليكون حول البعد الإنساني للتكنولوجيا.
لكن البابا وجّه في نصه انتقادات واضحة لتركيز السلطة والبيانات في يد عدد محدود من الشركات الخاصة، محذراً من مخاطر ذلك على الأطفال والفئات الضعيفة، وداعياً إلى فرض رقابة تنظيمية مستقلة.
وأكد أنه “لا يكفي الحديث عن الأخلاقيات بشكل نظري”، بل يجب إنشاء أطر قانونية صارمة ورقابة مستقلة ومساءلة سياسية واضحة، مضيفاً أن “ذكاءً اصطناعياً أكثر أخلاقية لا يكفي إذا كان تعريف الأخلاق بيد قلة”.
ودعا البابا مطوري الذكاء الاصطناعي والقادة السياسيين إلى التمهل وإعادة التفكير في المسار الحالي للتكنولوجيا، وحثهم على وضع مبادئ أخلاقية وروحية تجعل الهدف هو خدمة الإنسانية لا تعظيم الأرباح أو القوة.
تأثير اقتصاد
وتُعد شركتا “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” من بين أكبر شركات الذكاء الاصطناعي الخاصة في الولايات المتحدة، وتبلغ قيمتهما مئات المليارات من الدولارات، مع توقعات بطرح أسهمهما في اكتتابات عامة ضخمة خلال المستقبل القريب.
ورحب شريك مؤسس “أنثروبيك” كريستوفر أولاه بملاحظات البابا، معتبراً أن وجود رقابة خارجية أمر ضروري لضمان أن تسير التكنولوجيا في اتجاه يخدم البشرية، في ظل احتمال واسع النطاق لاستبدال العمالة البشرية.
وقال إن العالم بحاجة إلى المزيد من الأصوات الأخلاقية والدينية والمدنية والأكاديمية لمراقبة هذا التطور، مؤكداً أن “المؤثرات الاقتصادية وحدها لا تكفي لتوجيه هذه التكنولوجيا”.
وثيقة مرجعية
ويرى خبراء أن النص البابوي قد يشكل علامة فارقة في النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي، نظراً لربطه بين التطور التكنولوجي ومفاهيم العدالة وكرامة العمل والتضامن، وهي مفاهيم مركزية في الفكر الاجتماعي الكاثوليكي.
وقال أستاذ القانون في جامعة نوتردام، باولو كاروزا، إن الوثيقة تمثل “صوتاً واضحاً ومتكاملاً يدعو لتحمل المسؤولية في بناء عالم تخدم فيه التكنولوجيا الإنسان بدلاً من أن تضعفه”.
وفي أقوى مقاطع الرسالة، انتقد البابا دور الذكاء الاصطناعي في “تطبيع الحرب” عبر تقليل الحس الإنساني تجاه كلفتها، محذراً من سباق قوى يسعى للحفاظ على الهيمنة أو انتزاعها.
ودعا إلى الشفافية في استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، بحيث تكون سلاسل اتخاذ القرار واضحة عند تنفيذ ضربات محتملة، معتبراً أن نظريات “الحرب العادلة” التقليدية باتت غير كافية في ظل التطور التكنولوجي.
جذور فكرية
وقد وقّع البابا الوثيقة في 15 مايو، بالتزامن مع الذكرى الـ135 لإصدار وثيقة “الشؤون الجديدة”، وهي رسالة بابوية شهيرة أرست أسس الفكر الاجتماعي الكاثوليكي الحديث خلال الثورة الصناعية، والمتعلقة بحقوق العمال وعدالة الاقتصاد.
ويرى البابا أن ثورة الذكاء الاصطناعي تطرح أسئلة وجودية مشابهة لتلك التي طرحتها الثورة الصناعية، خاصة ما يتعلق بكرامة العمل ودور الإنسان في الاقتصاد الحديث.
وفي هذا السياق، شدد على أن السعي وراء الأرباح لا يمكن أن يبرر فقدان الوظائف بشكل منهجي، مؤكداً أن الإنسان يجب أن يبقى غاية الاقتصاد لا وسيلته.
كما تضمنت الوثيقة اعتذاراً تاريخياً من الفاتيكان عن دوره السابق في شرعنة العبودية، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة في تاريخ الكنيسة.
حوار طويل
ورغم عدم كشف الفاتيكان عن المساهمين في إعداد الوثيقة، إلا أن مصادر كنسية أكدت وجود حوار ممتد منذ سنوات بين الفاتيكان وشركات التكنولوجيا الكبرى في وادي السيليكون.
وقد أثار حضور أحد مؤسسي “أنثروبيك” في حفل الإطلاق جدلاً، بين من اعتبره تأييداً ضمنياً للشركة، ومن رأى أنه مجرد اعتراف بأهميتها في مجال الذكاء الاصطناعي دون منحها أي شرعية سياسية أو دينية.
من جهته، قال براين بويْد من معهد “مستقبل الحياة” إن مشاركة الشركة تعكس مكانتها في القطاع، مشيراً إلى أن الحوار معها يشبه استقبال شخصية رسمية وليس بالضرورة تبنّي مواقفها.













