نشرت في
توجّه البابا إلى المدينة التي تعيش على وقع نزاع انفصالي دامٍ منذ نحو عقد، وسط استقبال شعبي اتسم بأجواء احتفالية صاخبة، حيث احتشد السكان في الشوارع، معبّرين عن فرحتهم بزيارة وضعت معاناتهم مجدداً في دائرة الضوء العالمي.
اعلان
اعلان
ترأس البابا اجتماعاً للسلام جمع ممثلين عن ديانات مختلفة، من بينهم زعيم تقليدي من مانكون، وممثل للكنيسة المشيخية، وإمام، وراهبة كاثوليكية، في خطوة هدفت إلى إبراز دور الحوار بين الأديان في إنهاء النزاع ورعاية ضحاياه الذين يعانون من آثار نفسية واجتماعية عميقة.
وفي كلمته داخل كاتدرائية القديس يوسف، شدد البابا على خطورة توظيف الدين في الصراعات، قائلاً: “طوبى لصانعي السلام! لكن الويل لأولئك الذين يستغلون الدين واسم الله لتحقيق مكاسبهم العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية، ويدنسون المقدس”.
كما دعا إلى “تغيير حاسم في المسار” بعيداً عن النزاعات واستغلال الموارد، مضيفاً أن “العالم يُدمَّر على يد حفنة من الطغاة، لكنه يقوم على تضامن عدد كبير من الإخوة والأخوات”.
ورغم أن تصريحاته جاءت في سياق النزاع الكاميروني، أوضح مسؤولو الفاتيكان أن رسالته موجهة إلى مختلف بؤر الصراع في العالم، بما في ذلك ما يُطرح في سياقات دولية مثل الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
نزاع تاريخي
يرتبط النزاع في المناطق الناطقة بالإنجليزية بتاريخ الكاميرون الاستعماري، إذ قُسّمت البلاد بين فرنسا وبريطانيا عقب الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1961، انضمت هذه المناطق إلى الكاميرون الناطقة بالفرنسية عبر تصويت مدعوم من الأمم المتحدة، إلا أن السكان الناطقين بالإنجليزية، الذين يشكلون نحو 20% من إجمالي السكان، يؤكدون أنهم تعرضوا منذ ذلك الحين لتهميش سياسي واقتصادي مستمر.
وتصاعدت التوترات عام 2016 مع احتجاجات على فرض اللغة الفرنسية، قبل أن تتحول إلى تمرد مسلح في 2017، أسفر عن مقتل أكثر من 6000 شخص ونزوح أكثر من 600 ألف، وفق مجموعة الأزمات الدولية. ورغم تراجع وتيرة الهجمات في السنوات الأخيرة، لا يزال النزاع دون حل، في ظل تعثر المفاوضات وتبادل الاتهامات بسوء النية، فيما لم تثمر مبادرات مثل الحوار الوطني عام 2019 عن نتائج ملموسة، وسط انتقادات لاعتماد مقاربة أمنية على حساب الحلول السياسية.
تعقيدات النزاع تمتد أيضاً إلى الخارج، إذ يُعتقد أن بعض قادة الانفصاليين يقيمون في دول أجنبية، ما يتيح لهم جمع التمويل وتوجيه العمليات، وقد أدانت هيئة محلفين في الولايات المتحدة شخصين بتهمة دعم المقاتلين، كما أوقفت السلطات البلجيكية أربعة أشخاص للاشتباه بارتباطهم بقيادات انفصالية.
موارد وثروات
أشار البابا إلى أن استغلال الموارد الطبيعية يفاقم النزاع، قائلاً إن من “ينهبون موارد الأراضي يستثمرون أرباحهم في الأسلحة، ما يغذي دائرة لا تنتهي من عدم الاستقرار والموت”، واصفاً ذلك بـ”عالم مقلوب يجب رفضه”.
وتملك الكاميرون احتياطيات كبيرة من النفط والغاز والمعادن، وقد هيمنت شركات فرنسية وإنجليزية على هذا القطاع، فيما توسع حضور الشركات الصينية في السنوات الأخيرة.
وقبيل وصول البابا، أعلن الانفصاليون وقفاً لإطلاق النار لمدة ثلاثة أيام لتأمين زيارته، في خطوة قالوا إنها تعكس التزاماً بالمسؤولية واحترام الكرامة الإنسانية، رغم عدم وضوح ما إذا كان مقاتلون منهم قد شاركوا في الفعاليات.
آمال حذرة
تباينت ردود الفعل على زيارة البابا بين التفاؤل والحذر. فقد أعربت الطالبة الكاثوليكية فيليسيتي كالي عن سعادتها، واصفة الزيارة بأنها “يوم استثنائي”، فيما شككت مورين نغوم، وهي أم لثلاثة أطفال قُتل زوجها عام 2022، في قدرة الزيارة على إحداث تغيير فعلي، مؤكدة أن الحل يجب أن يبدأ من أصحاب القرار.
وفي شهادة مؤثرة، قال رئيس أساقفة بامندا أندرو نكيا فوانيا إن السكان فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم وتعليمهم، ومنع الأطفال من الذهاب إلى المدارس لسنوات، مضيفاً: “هذه الأرض التي تقف عليها اليوم ارتوت بدماء أبنائنا”. ويُذكر أن البابا، الذي كان يُعرف سابقاً بالكاردينال روبرت بريفوست، شارك فوانيا طاولة واحدة خلال اجتماع كنسي عام 2024.
من جهته، أشار القس فوني صامويل فوربا إلى جهود الفاتيكان بالتعاون مع جهات دينية أخرى لدفع الانفصاليين نحو التفاوض، في وقت تُتهم فيه حكومة الرئيس بول بيا برفض الحوار، رغم أن آخر لقاء سلام عُقد عام 2022 برعاية كندية.
المصادر الإضافية • وكالات













