يرى تحليل نشرته صحيفة “جيرازوليم بوست” الإسرائيلية أن الحرب مع إيران لا يمكن حسمها بالغارات الجوية وحدها، معتبراً أن الولايات المتحدة باتت بحاجة إلى الانتقال من العمليات العسكرية إلى أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية أكثر تأثيراً.
اعلان
اعلان
ويطرح كاتب التحليل، ثلاثة خيارات يقول إنها لم تُناقش علناً حتى الآن، تتمثل في اعتراف الكونغرس الأمريكي باستقلال بعض الأقليات الإيرانية، وإنشاء برنامج لتجنيد الأمريكيين مقابل إعفائهم من الديون، إلى جانب التوصل إلى تفاهم بين واشنطن وبكين بشأن النفط الإيراني.
ويأتي ذلك، بحسب الكاتب، بعد أكثر من 180 يوماً من الحرب، التي يصفها بأنها شهدت أكبر حملة جوية أمريكية منذ حرب العراق عام 2003.
ويقول التحليل إن طلب البنتاغون من محللين خارجيين تقديم “أفكار مبتكرة” بشأن إيران، يستحق الانتباه، معتبراً أن نتائج الحرب حتى الآن أظهرت ثلاثة أمور أساسية: القدرات العسكرية الإيرانية لم تنهَر، والقوة الجوية لم تحل المشكلة المؤسسية أو التفاوضية، والبنتاغون لا يزال يفتقر إلى الأدوات اللازمة لإنهاء الحرب مع الجمهورية الإسلامية.
“تقسيم إيران”
يقترح التحليل أن تبحث واشنطن في الاعتراف باستقلال بعض الأقليات القومية في إيران، وهي خطوة من شأنها، وفق الكاتب، أن تغير طبيعة الصراع بصورة جذرية.
ويستند إلى تصوره بأن إيران دولة تقودها أغلبية فارسية إلى جانب أربع مجموعات قومية كبيرة تتمتع بلغات وهويات ثقافية مختلفة.
ويحدد الكاتب هذه المجموعات بالأكراد في غرب إيران، والعرب الأحوازيين في خوزستان الغنية بالنفط، والبلوش في جنوب شرق البلاد، والأذريين في الشمال الغربي.
ويقول إن هذه المجموعات تمثل مجتمعة نحو نصف سكان إيران، الذين يتجاوز عددهم 90 مليون نسمة.
وفي هذا السياق، يطرح الكاتب سيناريو افتراضياً يتمثل في إصدار الكونغرس قراراً بالإجماع يعترف بـ”الاستقلال السيادي” لشعوب كردستان الإيرانية والأحواز وبلوشستان.
ويرى أن مثل هذه الخطوة يمكن أن تفعل ما لم تستطع الغارات الجوية فعله، لأنها ستغير حسابات المسؤولين في المؤسسات الحكومية وقادة الحرس الثوري والوحدات التابعة للباسيج، فضلاً عن الإيرانيين الذين يراقبون مستقبل النظام.
وبحسب التحليل، فإن الاعتراف باستقلال هذه المناطق سيشكل وسيلة ضغط “من دون تكلفة عسكرية مباشرة”، وسيكون أكثر تأثيراً من بعض أدوات الحرب الاقتصادية.
ويذكر أن الأكراد في إيران أعلنوا في أربعينيات القرن الماضي قيام دولة مستقلة، قبل أن تنهار جمهورية مهاباد بعد انسحاب الدعم السوفييتي.
ويرى أن الاعتراف بهذه الحركات من شأنه أن يمنحها شرعية وقوة إضافية.
ويقر الكاتب بأن مثل هذه الخطوة ستواجه اعتراضات إقليمية، خصوصاً من تركيا والعراق، لكنه يعتبر أن هذه الاعتراضات جزء من الهدف الذي يسعى إليه الاقتراح.
ويقول إن الاعتراف بدول مستقلة داخل الأراضي الإيرانية سيجبر طهران على إعادة حساباتها بشأن برنامجها النووي، وشبكة حلفائها الإقليميين، ودفاعاتها المتقدمة، وموقفها من مضيق هرمز.
وفي حال عدم الاستجابة، بحسب التصور الذي يطرحه التحليل، قد تواجه إيران خطر التفكك إلى كيانات أصغر تتجه بصورة أكبر نحو دول الخليج والغرب بدلاً من طهران.
وبحسب الصحيفة العبرية، فإن هذا السيناريو يعني التخلي عن مفهوم “تغيير النظام” بوصفه الهدف الرئيسي للحرب.
ففي رأيه، يفترض تغيير النظام الإبقاء على الدولة وحدودها الجغرافية مع تغيير السلطة التي تحكمها، بينما يؤدي التقسيم إلى “تفكيك الإطار نفسه”.
ويختم هذا الجزء بالدعوة إلى ألا تتخلى الولايات المتحدة مجدداً عن الأقليات الإيرانية.
إعفاء الشباب الأمريكيين من الديون مقابل الخدمة العسكرية
الخيار الثاني الذي يقترحه التحليل يرتبط بالداخل الأمريكي.
ويقول الكاتب إن “الحرب السردية” على الجبهة الداخلية فشلت، وإن البنتاغون لم يتمكن من تسويق الحرب للرأي العام، خصوصاً بسبب ربطها خطابياً بالعمليات الإسرائيلية في غزة.
ويضيف أن أعداد المجندين الجدد لا تصل إلى المستوى الذي ستكون الولايات المتحدة بحاجة إليه في حال قررت شن غزو بري لإيران.
وبحسب تقديرات أوردها الكاتب، فإن حملة برية ناجحة ضد القيادات الإقليمية الإيرانية الـ31 وضد ما يسميه “عقيدة الدفاع الفسيفسائي” قد تتطلب بين 750 ألفاً ومليون ونصف المليون جندي أمريكي.
ويشير إلى أن قوام الجيش الأمريكي العامل يبلغ نحو 452 ألف جندي فقط، معتبراً أن “الحسابات لا تعمل” في حال اندلاع حرب برية واسعة النطاق.
ويدعو التحليل إلى إنشاء برنامج يقوم على الإعفاء من الديون مقابل الخدمة العسكرية.
ويستند في ذلك إلى تقدير مفاده أن الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً يحملون في المتوسط أكثر من 40 ألف دولار من الديون غير المرتبطة بالرهن العقاري، بما يشمل قروض التعليم وبطاقات الائتمان وقروض السيارات والقروض الشخصية، فيما تصل بعض التقديرات إلى 100 ألف دولار.
صفقة بين واشنطن وبكين مقابل النفط الإيراني
أما الخيار الثالث، فيتمثل في محاولة التوصل إلى اتفاق أمريكي-صيني بشأن إيران.
فزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة هذا العام قد تفتح نافذة دبلوماسية لم تكن متاحة في المراحل السابقة من الحرب.
وبحسب التحليل، فإن جدول الأعمال الأمريكي-الصيني سيشمل ملفات التجارة وأشباه الموصلات وتايوان وبحر الصين الجنوبي، لكنه ينبغي أن يتضمن أيضاً الملف الإيراني.
ويطرح الكاتب صيغة تقوم على صفقة تبادلية بين واشنطن وبكين.
فالصين، وفق التحليل، لديها مصالح كبيرة في النفط الإيراني، ومبادرة الحزام والطريق، والبنية التحتية لميناء غوادر.
ويرى أن واشنطن يمكن أن تقدم لبكين ضمانات بشأن وصولها إلى النفط الإيراني ضمن ترتيبات الحكم في مرحلة ما بعد الحرب، مقابل أن تسحب الصين دعمها الدبلوماسي والمادي لطهران.
وبذلك، تحصل بكين على ضمان لإمداداتها النفطية، بينما تنجح واشنطن في إخراج أهم شريك استراتيجي لإيران من المعادلة.
ويقول الكاتب إن المقابل المحتمل في هذه الصفقة قد يكون تايوان، مشيراً إلى أن بكين تسعى منذ سنوات إلى تغيير الموقف الأمريكي تجاه الجزيرة.
“المرحلة الاستراتيجية بدأت”
يخلص التحليل الإسرائيلي إلى أن أياً من الخيارات الثلاثة لا يستطيع حل المشكلة الإيرانية بمفرده، لكنه يرى أن الجمع بينها قد يؤدي إلى تغيير جذري في مسار الحرب.
فالتقسيم، يضرب الدولة الإيرانية على المستويات السياسية والنفسية والمؤسسية، ويقوض سلطتها داخل أراضيها.
أما التجنيد القائم على إعفاء الشباب من الديون، فيوفر القوة البشرية التي قد تحتاج إليها الولايات المتحدة لفرض هذا المسار إذا لم تستجب إيران.
وفي المقابل، يمكن لصفقة مع بكين أن تزيل، بحسب الكاتب، أحد أهم مصادر الدعم الخارجي الذي ساعد الحكومة الإيرانية على الصمود.













