نشرت في
ربما لم تشأ طهران أن تقدّم هدية للرئيس دونالد ترامب في عيد ميلاده الثمانين، فأرجأت الإعلان عن التوصل إلى اتفاق حتى ما بعد منتصف الليل.
اعلان
اعلان
وقد تلقّف الزعيم الجمهوري الخطوة برضا، مشيداً بأنها ستعيد تدفق النفط إلى الأسواق العالمية وتنهي أحد أخطر فصول التصعيد في المنطقة.
وعلى منصة “تروث سوشال” كتب سيد البيت الأبيض: “لقد اكتمل الآن الاتفاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. تهانينا للجميع”، فيما نقل التلفزيون الإيراني الرسمي عن نائب وزير الخارجية الإيراني قوله إن “نص مذكرة تفاهم إسلام آباد أصبح نهائيا والجمعة سيتم التوقيع عليه في جنيف”.
لكن بعد ساعات من الإعلان، بقيت صورة الاتفاق ضبابية. إذ لم تُنشر مذكرة التفاهم رسمياً، كما لم يصدر نص مشترك يحدد الالتزامات المتبادلة، ما دفع المراقبين إلى الاعتماد على تصريحات المسؤولين والتسريبات الإعلامية لفهم ما تم التوصل إليه وما جرى في كواليس الساعات الأخيرة.
وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن الاتفاق يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار، لكنه لا يرقى بعد إلى معاهدة سلام نهائية، بل يشكّل إطاراً سياسياً وأمنياً مؤقتاً يمهّد لمفاوضات أكثر تعقيداً خلال الأسابيع المقبلة.
وجاء الإعلان بعد أشهر من الحرب والتصعيد العسكري والتجاذبات السياسية والمفاوضات غير المباشرة، وسط جهود وساطة قادتها عدة أطراف إقليمية ودولية، أبرزها قطر وباكستان، في مسار تداخلت فيه قنوات متعددة، وضغوط اقتصادية وسياسية متصاعدة.
وفي هذا السياق، برز الدور القطري بشكل أكبر في المراحل الأخيرة، إذ شكل قناة توازن بين واشنطن وطهران، وحاول معالجة عقدة الأموال المجمدة، وصياغة مخرج لا يظهر فيه أي طرف بمظهر الخاسر الكامل.
مضيق هرمز: إعادة فتح الممر النفطي الأهم في العالم
ولعلّ إعادة فتح مضيق هرمز يبرز كأحد أبرز البنود التي جرى التوافق عليها. إذ أعلن ترامب أن الجمهورية الإسلامية وافقت على “فتحه من دون رسوم عبور”.
ونقلت شبكة “سي إن إن” عن مسؤول أميركي أن القوات الأميركية تلقت توجيهاً برفع الحصار البحري في مضيق هرمز يوم الجمعة 19 يونيو، أي عقب الاحتفال الرسمي في جنيف.
ويُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره نحو 20 في المئة من صادرات النفط الخام العالمية، ما يجعل أي تغيير في وضعه الأمني أو القانوني مؤثراً بشكل مباشر على أسواق الطاقة، وقد أدى إغلاقه خلال الحرب إلى اضطرابات كبيرة في أسعار النفط والشحن والتأمين.
العقوبات والأموال المجمدة: عقدة الـ24 مليار دولار
وفي موازاة ذلك، طُرحت مسألة الأموال المجمدة كأحد مفاتيح التفاهم. إذ تداولت تسريبات عن إمكانية الإفراج عن نحو 24 مليار دولار ضمن آليات تدريجية مرتبطة بتنفيذ الالتزامات، فيما تحدثت روايات أخرى عن مطالب إيرانية أعلى وصلت إلى 50 مليار دولار.
وبحسب مصدر لوكالة “فارس”، فإن الانتقال إلى مرحلة التفاوض النهائي يبقى مشروطاً بالإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمّدة في الخارج، إلى جانب رفع القيود المفروضة على صادرات النفط والمنتجات البتروكيماوية الإيرانية.
لكن واشنطن تمسكت بمبدأ “الدفع مقابل الأداء”، أي أن أي إفراج مالي سيكون مشروطاً بالتنفيذ الفعلي لبنود الاتفاق، وليس خطوة مسبقة أو غير مشروطة، حسبما أفاد مصدر لشبكة “سي إن إن”.
البرنامج النووي: تأجيل العقدة الأصعب
أما الملف النووي، الذي شكّل الذريعة الرئيسية للحرب، فقد أُرجئ حسمه إلى مرحلة لاحقة. إذ ينص التفاهم على إطلاق مفاوضات تمتد ستين يوماً لبحث مستقبل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، في ظل تمسك واشنطن بتعهد إيراني بعدم امتلاك سلاح نووي مستقبلاً.
وتؤكد الولايات المتحدة أن الاتفاق يمهّد لإزالة أو تفكيك هذا المخزون تدريجياً، بينما ترفض إيران هذا الطرح وتعتبره مساساً بسيادتها وقدراتها الاستراتيجية، ما يجعل هذا الملف من أكثر بنود التفاهم حساسية وتعقيداً، وربما الأكثر قابلية لإعادة تفجير الخلاف بين الطرفين في أي مرحلة لاحقة.
لبنان: البند الأكثر حساسية في التفاهم
غير أن الملف اللبناني برز بوصفه العقدة الأكثر حساسية في مسار التفاهم. فبحسب المعطيات المتداولة، لم يكن إدراج لبنان في الاتفاق أمراً محسوماً منذ البداية، إذ سعت واشنطن في مراحل مبكرة إلى فصل الساحات وحصر التفاهم بالجبهة الإيرانية، قبل أن تدفع الضغوط الإيرانية والتطورات الميدانية نحو توسيع نطاقه.
لكن التحول الأبرز جاء في الساعات الأخيرة من المفاوضات يوم الأحد، عقب الضربة الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت. فوفق تسريبات متعددة، لوّحت طهران بالرد على الهجوم، ما أثار مخاوف لدى الوسطاء من انهيار مسار التفاهم برمته وعودة المواجهة العسكرية إلى الواجهة.
وعند هذه النقطة، دخل الملف اللبناني بقوة إلى صلب النقاشات. وتشير المعطيات إلى أن بند الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان أُضيف خلال المفاوضات المكثفة التي أعقبت الهجوم، في محاولة لتبديد المخاوف الإيرانية ومنع انفجار الموقف. كما نُوقشت صياغات تتعلق بسيادة لبنان ووحدة أراضيه ووقف العمليات العسكرية، إلى جانب ترتيبات ميدانية تشمل انتشار الجيش اللبناني وعودة السكان إلى القرى الحدودية.
وفي المقابل، بقي الموقف الإسرائيلي متحفظاً. فقد نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبلغ ترامب أن إسرائيل غير ملزمة بالاتفاق، وأن الجيش الإسرائيلي سيبقى في مواقعه الحالية داخل لبنان، رافضاً أي التزام مسبق بالانسحاب.
كما لعبت السعودية دوراً سياسياً موازياً عبر دعم مسار نزع سلاح حزب الله والتنسيق مع واشنطن، في وقت كانت فيه المخاوف تتزايد من اتساع الحرب وانعكاساتها على أمن المنطقة وأسواق الطاقة.













