72 عاماً مرت على اندلاع ثورة الفاتح من نوفمبر 1954، ولا تزال الجزائر وفرنسا عاجزتين عن تجاوز إرث استعماري يلقي بظلاله على علاقاتهما، ويعيد الخلافات التاريخية والسياسية إلى الواجهة مع كل أزمة جديدة.
اعلان
اعلان
في ذلك التاريخ، شنّت مجموعة من الثوار هجمات متفرقة في عدة مناطق من الجزائر التي كانت تحت سيطرة باريس منذ أكثر من 124 عاما. وكان ذلك بداية مواجهة مسلحة مع فرنسا. وبعد سبع سنوات من الحرب، نالت البلاد استقلالها عام 1962، لكن نهاية الاستعمار لم تضع حداً لتداعياته، التي لا تزال حاضرة في علاقة البلدين بعد مرور أكثر من سبعة عقود.
ومع حلول الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة، تبدو العلاقات الجزائرية الفرنسية محكومة بروابط بشرية واقتصادية وثقافية عميقة، لكنها في ذلك الوقت مكبّلة مقابل خلافات سياسية وتاريخية متجددة، تمتد من مسألة الاعتراف بجرائم وقعت خلال فترة الاستعمار إلى ملفات الهجرة والتأشيرات، وصولاً إلى مواقف باريس من القضايا الإقليمية.
استقلالٌ لم يطو صفحة ينهِ الخلاف
اندلعت الثورة الجزائرية في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1954، عندما شنّ مقاتلو جبهة التحرير الوطني هجمات متزامنة استهدفت مواقع ومنشآت فرنسية في مناطق مختلفة من البلاد، إيذاناً ببدء حرب الاستقلال.
وقد أسفرت تلك الحرب الدموية عن مقتل أكثر من مليون ونصف مليون جزائري بحسب الأرقام الرسمية الجزائرية. لكن الإحصاءات الفرنسية تتحدث عن مقتل ما بين 300 ألف و400 ألف جزائري في سبع سنوات. كما تقدر الخسائر في صفوف قوات باريس بنحو 30 ألف قتيل و250 ألف مصاب. أما عدد المدنيين الفرنسيين فتراوح ما بين 4000 و4500 قتيل.
وقد اندلعت الثورة بعد أكثر من قرن من الاستعمار الفرنسي الذي بدأ عام 1830، وبعد سنوات من المواجهة المسلحة والمفاوضات، وقّعت فرنسا وجبهة التحرير الوطني اتفاقيات إيفيان في 18 مارس/آذار 1962، وبعد يوم واحد، دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 19 مارس آذار، ثم صوّت الجزائريون لصالح الاستقلال في استفتاء تقرير المصير في 1 يوليو/تموز من العام نفسه، قبل إعلان استقلال البلاد رسمياً في الخامس من نفس الشهر.
وامتدت تداعيات الحرب إلى الضفة الأخرى من المتوسط، حيث أحدثت تحولات عميقة وكان لها أثر على تاريخ فرنسا نفسها، إذ أسهمت في سقوط الجمهورية الرابعة وصعود الجنرال شارل ديغول إلى السلطة عام 1958.
وكانت الجزائر تُعد إحدى أهم ممتلكات الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، حتى وُصفت بأنها جوهرتها، ولذلك مثّل فقدانها ضربة استراتيجية لباريس، التي كانت آنذاك إحدى القوى الرئيسية في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
أزمة الذاكرة تتجدد مع كل تقارب
ظل ملف الذاكرة أحد أبرز مصادر التوتر بين البلديْن، خصوصاً في ظل الخلاف حول طبيعة الاعتراف الذي تنتظره الجزائر من باريس، وما إذا كان ينبغي أن يتجاوز الإقرار بالوقائع التاريخية إلى تقديم اعتذار رسمي وتحمل المسؤولية عن الجرائم التي وقعت، أو دفع تعويضات.
في عهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، برزت محاولات لمعالجة بعض جوانب هذا الإرث، من بينها اعتراف باريس بمسؤولية الدولة الفرنسية عن تعذيب واغتيال المناضل والمحامي علي بومنجل في 23 مارس آذار عام 1957 حيث تعرّض للتعذيب ثم أُلقي به من الطابق السادس لإحدى العمارات في العاصمة الجزائر. كما أقرت باريس في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بمسؤولية ضباط فرنسيين عن اغتيال العربي بن مهيدي أحد أبرز قادة جبهة التحرير الوطني وهو تحت التعذيب، ليلة 3 إلى 4 مارس 1957.
وكان ماكرون قد اتفق ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون، خلال زيارة قام بها الرئيس الفرنسي إلى الجزائر في أغسطس/آب 2022، على تشكيل لجنة مشتركة من المؤرخين لدراسة الأرشيف الاستعماري وحرب الاستقلال.
لكن هذه المبادرات لم تنجح في تبديد الخلافات، إذ لا تزال الجزائر تطالب باعتراف أكبر بمسؤولية فرنسا عن الجرائم الاستعمارية، في حين تتمسك باريس بمقاربة تقوم على الاعتراف التدريجي بالوقائع التاريخية، من دون تقديم اعتذار رسمي شامل.
وتشمل الملفات العالقة أحداث الثامن من مايو/أيار 1945 في سطيف وقالمة وخراطة، والتجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، فضلاً عن المطالب المتعلقة بكشف مصير المفقودين وتسليم الأرشيف واستكمال عمليات تطهير المواقع الملوثة بالإشعاعات النووية.
في مايو/أيار 2026، عاد ملف الذاكرة إلى واجهة التقارب بين البلدين، عندما أوفد ماكرون الوزيرة المنتدبة لدى وزارة القوات المسلحة والمحاربين القدامى أليس روفو إلى مدينة سطيف للمشاركة في إحياء ذكرى أحداث الثامن من مايو/أيار 1945، التي امتدت إلى قالمة وخراطة وخلفت 45 ألف قتيل بحسب التقديرات الرسمية الجزائرية.
وقال قصر الإليزيه إن قمع المظاهرات في المدن الثلاث استمر أسابيع وأسفر عن آلاف الضحايا، مضيفاً أن مواجهة هذه الحقيقة جزء من شرف فرنسا.
غير أن هذه الخطوة لم تضع حداً للجدل بشأن الذاكرة. ففي حين عدّتها باريس مؤشراً على رغبتها في التعامل مع التاريخ بقدر أكبر من الصراحة، انتقدت أصوات جزائرية عدم استخدام توصيف المجازر صراحة، فضلاً عن غياب الاعتذار والتعويضات.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “لوموند” الفرنسية، في يونيو/حزيران 2026، عن مؤرّخين ومثقفين جزائريين انتقادهم لما وصفوه بتوظيف الذاكرة في المساومات الدبلوماسية، معتبرين أن ربط الاعتراف بالماضي بملفات سياسية آنية يحول دون معالجة تاريخية مستقلة.
ملف الهجرة
تشكل الهجرة أكثر الملفات إلحاحاً في الخلافات اليومية بين البلدين. فبعد الاستقلال، استمر انتقال الجزائريين إلى فرنسا، التي كانت بحاجة إلى اليد العاملة خلال مرحلة إعادة الإعمار والتوسع الصناعي. ومع مرور العقود، تحولت هذه الجالية إلى واحدة من أكبر الجاليات الأجنبية في فرنسا.
وفي 27 ديسمبر/كانون الأول 1968، وقّع البلدان اتفاقاً خاصاً ينظم حركة الجزائريين وإقامتهم وعملهم في فرنسا، ويمنحهم ترتيبات قانونية مميزة مقارنة ببقية الأجانب. وخضع الاتفاق لتعديلات لاحقة، لكنه ظل محوراً للنقاش السياسي الفرنسي، خصوصاً مع تصاعد خطاب اليمين المتطرف المطالب بتشديد سياسة الهجرة.
وفي 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025، صوّتت الجمعية الوطنية الفرنسية لصالح مقترح يدعو إلى إلغاء اتفاق 1968، بأغلبية 185 صوتاً مقابل 184. ورغم أن التصويت غير ملزم ولا يؤدي إلى إلغاء الاتفاقية تلقائياً، إلا أنه كشف مدى الانقسام السياسي في فرنسا بشأن الامتيازات التي يمنحها الاتفاق للمواطنين الجزائريين، وحوّل اتفاق 1968 إلى أحد رموز الجدل حول الهجرة والعلاقة مع الجزائر.
وتتهم أطراف سياسية فرنسية الجزائر بعدم التعاون بالقدر الكافي في استعادة مواطنيها من المهاجرين غير الشرعيين الذين صدرت بحقهم أوامر بمغادرة الأراضي الفرنسية، وتطالب باريس بتسهيل إصدار التراخيص القنصلية اللازمة لترحيلهم.
لكن الخلاف لا يتعلق باتفاق 1968 وحده، إذ توضح الحكومة الفرنسية أن إعادة المواطنين المرحّلين تخضع لبروتوكول تعاون قنصلي منفصل يعود إلى عام 1994، وليس إلى الاتفاق الخاص بتنقل الجزائريين وإقامتهم.
وفي فبراير/شباط 2026، زار وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز الجزائر في محاولة لإعادة إحياء التعاون في مجال الأمن والهجرة، والذي تأثر بشدة جرء الأزمة الدبلوماسية بين البلدين. وأعلن الوزير الفرنسي استئناف الحوار في هذا الشأن، أثمر لاحقا عن تسجيل نتائج أولية.
وفي أبريل/نيسان 2026، دافع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أمام الجمعية الوطنية عن ضرورة مواصلة الحوار مع الجزائر، مؤكداً أن التعاون في ملف الأمن والهجرة قد استؤنف بعد زيارة وزير الداخلية، وأن قطع العلاقات لن يخدم المصالح الفرنسية.
في المقابل، لا تزال السلطات الجزائرية ترفض التعامل مع قضية الهجرة باعتبارها مسألة منفصلة عن بقية الخلافات الثنائية، خصوصاً في ظل ما تعتبره ضغوطاً فرنسية متكررة، وربطاً بين منح التأشيرات ومدى تعاون الجزائر في استقبال مواطنيها المرحّلين.
وأعاد ماكرون، في تصريحات أدلى بها في يوليو/تموز 2026، التأكيد على تشدد باريس في ملف التأشيرات، نافياً وجود عدد محدد مسبقاً للتأشيرات التي تمنحها فرنسا للجزائريين. وجاءت تصريحاته عقب جدل أثارته مواقف السفير الفرنسي في الجزائر بشأن إمكانية العودة إلى مستويات منح التأشيرات التي كانت سائدة قبل اندلاع الأزمة بين البلدين.
الصحراء الغربية
لم تكن الذاكرة والهجرة وحدهما وراء التدهور الحاد في العلاقات الجزائرية الفرنسية، إذ زاد في حدة التوتر بين البلدين وعمّق الخلافات القائمة، إعلانُ باريس في صيف 2024، دعمها خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية تحت السيادة المغربية.
واعتبرت الجزائر الموقف الفرنسي انحيازاً إلى الرباط في نزاع تصفه بأنه قضية تصفية استعمار وحق في تقرير المصير، وردت باستدعاء سفيرها من باريس، قبل أن تمتد تداعيات الأزمة إلى مجالات التعاون الاقتصادي والأمني والقنصلي.
وتفاقمت الخلافات خلال عام 2025، مع تبادل إجراءات طرد دبلوماسيين واستدعاء فرنسا سفيرها للتشاور، إلى جانب قضية الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال، الذي اعتُقل في الجزائر في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، على خلفية تصريحات تناولت الحدود التاريخية بين الجزائر والمغرب وملف جبهة البوليساريو، قبل أن يصدر عفو رئاسي عنه في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
كما زادت قضية الصحفي الفرنسي كريستوف غليز، الذي حُكم عليه بالسجن في الجزائر في يونيو/حزيران 2025، من تعقيد العلاقات، على خلفية اتهامات مرتبطة باتصالاته بأحد مسؤولي نادي شبيبة القبائل وحركة الماك الانفصالية التي تدعو لاستقلال منطقة القبائل ذات الأغلبية الأمازيغية.
ومع ذلك، شهد عام 2026 محاولات لإعادة فتح قنوات التواصل بين البلدين، من خلال زيارات وزيري الداخلية والعدل الفرنسيين إلى الجزائر، وزيارة وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود إلى باريس في يونيو/حزيران.
تداعيات الأزمة على العلاقات الاقتصادية والتجارية
لم تبقَ تداعيات التوتر الدبلوماسي حبيسة ملفات السياسة والهجرة، بل تصاعد الخلاف بشأن القيود التي تقول باريس إن الجزائر فرضتها على الشركات والمنتجات الفرنسية.
وفي هذا الإطار، نقلت فرنسا خلافها التجاري مع الجزائر إلى المستوى الأوروبي، إذ أثار وزير الخارجية جان نويل بارو مسألة القيود المفروضة على الواردات الفرنسية خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026. وأكد ملخص الاجتماع أن باريس أشارت إلى الجزائر في سياق القيود التجارية التي طالت السلع الفرنسية مؤخراً، وفق ما أوردته رويترز نقلاً عن دبلوماسيين.
وتُظهر بيانات الجمارك الفرنسية تراجع صادرات فرنسا إلى الجزائر بنحو 12% خلال عام 2025، لتبلغ 4.2 مليارات يورو، قبل أن تسجل انخفاضاً إضافياً بنسبة تقارب 12% على أساس سنوي خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026.
كما تراجعت الواردات الفرنسية من الجزائر، التي تتكون أساساً من النفط والغاز، بنسبة 18% عام 2025 إلى نحو 5.1 مليارات يورو، ثم انخفضت بنسبة 11% بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2026.
وبرزت تداعيات الخلاف التجاري مع ملف إمدادات الأسمدة، إذ كشفت وكالة رويترز، في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن الجزائر وجّهت منتجي اليوريا إلى وقف تصدير هذه المادة إلى فرنسا، وفقاً لمصادر دبلوماسية وصناعية. وقد يهدد هذا الإجراء نحو 30% من واردات فرنسا من اليوريا المستخدمة في صناعة الأسمدة الزراعية. ومع ذلك، لم يتضح بعد حجم التأثير الفعلي للقرار على تدفق الإمدادات الجزائرية.
وفي المقابل، تسعى الجزائر إلى تنويع شركائها التجاريين وتقليص اعتمادها على السوق الفرنسية، مع تنامي حضور الصين في تجارتها الخارجية.
الجزائر تسعى إلى ملء الفراغ الفرنسي في منطقة الساحل
في موازاة التوتر مع باريس، تسعى الجزائر إلى توسيع حضورها السياسي والأمني في منطقة الساحل، مستفيدة من تراجع نفوذ باريس بعد انسحاب القوات الفرنسية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو بين عامي 2022 و2025، وانتهاء نحو عقد من العمليات العسكرية لمكافحة الجماعات الجهادية.
وقد أتاح هذا الانسحاب المجال أمام قوى إقليمية ودولية أخرى، من بينها روسيا وتركيا، لتوسيع حضورها وبناء شراكات جديدة مع دول المنطقة.
وفي هذا السياق، تعمل الجزائر على استعادة موقعها في منطقة الساحل، التي شكّلت لسنوات مجالاً أساسياً لنفوذها الأمني والدبلوماسي، في وقت تراجعت فيه قدرة باريس على الحفاظ على حضورها التقليدي.
ويبرز التقارب مع النيجر أحد مظاهر هذا التوجه، إذ وافق البرلمان الجزائري، في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026، على نشر قوات عسكرية في منطقة ماداما شمالي البلاد، في أول انتشار من نوعه منذ عام 1973، حين أرسلت الجزائر قوات لدعم مصر خلال حرب أكتوبر.
وتقع ماداما داخل قاعدة عسكرية سابقة استخدمتها القوات الفرنسية خلال عملية “برخان“، فيما وصلت قافلة عسكرية جزائرية إلى النيجر في 30 أكتوبر/تشرين الأول، وفقاً لرويترز.













