نشرت في
قد تبدو القراءة للمتعة نشاطاً بسيطاً لا يتجاوز قضاء بعض الوقت مع كتاب، لكن الأدلة العلمية تشير إلى أنها قد تترك أثراً أعمق بكثير على الدماغ والصحة النفسية.
اعلان
اعلان
وبحسب مراجعة أعدها باحثون من جامعة كامبريدج بالتعاون مع مؤسسة The Queen’s Reading Room، فإن الفوائد يمكن أن تظهر بمجرد ممارسة القراءة بهدف الاستمتاع بها.
ونُشرت المراجعة في مجلة “Psychological Medicine”، وشارك فيها البروفيسورة باربرا ساهكيان والدكتورة كريستيل لانغلي من قسم الطب النفسي بجامعة كامبريدج، إلى جانب فيكي بيرين، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة The Queen’s Reading Room.
فوائد تبدأ منذ الطفولة
تشير الأدلة التي استعرضها الباحثون إلى أن البدء بالقراءة للمتعة في سن مبكرة قد يرتبط بفوائد تستمر في مراحل لاحقة من الحياة.
وفي دراسة شملت أكثر من 10 آلاف طفل وشاب، ارتبطت القراءة المبكرة للمتعة بتحسن الانتباه والذاكرة والوظائف التنفيذية، إلى جانب تحصيل أكاديمي أفضل وانخفاض المشكلات المتعلقة بالصحة النفسية.
كما ارتبطت القراءة بأنماط حياة أكثر صحة، بينها النوم لفترات أطول وتقليل الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات.
وقالت كريستيل لانغلي إن تشجيع الأطفال على القراءة يتطلب، قبل كل شيء، مساعدتهم على العثور على محتوى يثير اهتمامهم، مشيرة إلى أن القصص المصورة والروايات المصورة يمكن أن تكون مدخلاً مناسباً للأطفال الذين يجدون الكتب التقليدية أقل جاذبية.
وتظهر المراجعة أن العلاقة بين القراءة والقدرات المعرفية لا تتوقف عند مهارات اللغة والقراءة والكتابة، بل تمتد إلى التحصيل في الرياضيات، التي تعتمد بدورها على بعض العمليات المعرفية المشتركة، مثل الذاكرة والمهارات اللغوية والوظائف التنفيذية.
أما لدى البالغين، فتشير الأدلة إلى ارتباط القراءة بانخفاض مستويات التوتر وتحسن القدرة على الاسترخاء، فضلاً عن زيادة التعاطف وفهم الآخرين وتقبل وجهات النظر المختلفة.
وأصبحت القراءة، وفق البيانات التي استعرضها الباحثون، وسيلة شائعة للتعامل مع الضغوط اليومية، إذ قال نحو 38% من البالغين في أحد الاستطلاعات إنها وسيلتهم المفضلة للاسترخاء.
كما أظهرت دراسة في علم الأعصاب كُلّفت بها مؤسسة The Queen’s Reading Room عام 2024 أن قراءة الأدب الخيالي لمدة خمس دقائق يمكن أن تخفض التوتر بنسبة تصل إلى 20%، إلى جانب تحسين التركيز ومهارات حل المشكلات وتقليل الشعور بالوحدة.
وتربط دراسات عدة بين الأنشطة الترفيهية المحفزة للدماغ، ومن بينها القراءة، وبين تباطؤ التراجع في القدرات المعرفية وانخفاض احتمال الإصابة بالخرف.
وفي دراسة شملت نحو 5500 شخص تتجاوز أعمارهم 55 عاماً، كان الأشخاص الذين يمارسون أنشطة مثل القراءة بصورة متكررة أقل عرضة للإصابة بضعف إدراكي خلال فترة متابعة استمرت خمس سنوات.
كما وجدت دراسة أخرى أن قراءة الصحف والمجلات والكتب ارتبطت بانخفاض خطر الإصابة بمرض ألزهايمر بنسبة 33%.
ماذا يحدث في الدماغ؟
تقدم دراسات تصوير الدماغ مؤشرات على وجود علاقة بين القراءة والتغيرات في بنية الدماغ، إذ ارتبطت القراءة باختلافات في مناطق تشارك في معالجة اللغة والتعلم وتنظيم المشاعر والوظائف التنفيذية.
كما رُصدت صلات أقوى في المادة البيضاء المسؤولة عن دعم معالجة اللغة، إلى جانب زيادة في سماكة القشرة الدماغية في مناطق مرتبطة بالوظائف اللغوية.
لكن الباحثين يشيرون إلى أن معظم هذه الدراسات تثبت وجود ارتباط بين القراءة وهذه الفوائد، ولا تثبت بالضرورة أن القراءة هي السبب المباشر لها.
ومع ذلك، بدأت تظهر أدلة تشير إلى احتمال وجود تأثير سببي. ففي دراسة صغيرة شملت 11 طفلاً يعانون من عُسر القراءة، تراوحت أعمارهم بين 7 و11 عاماً، أدى برنامج تدريبي استمر ثمانية أسابيع إلى تحسين مهارات القراءة، بالتزامن مع زيادة حجم المادة الرمادية في مناطق دماغية رئيسية.
القراءة وفوائدها
يرى الباحثون أن القراءة الجماعية ونوادي الكتب قد تضيف بعداً اجتماعياً مهماً.
وتشير المراجعة إلى أن التفاعل مع الآخرين أثناء القراءة يمكن أن يساعد على تقليل الشعور بالعزلة وتعزيز التواصل الاجتماعي، وهو عامل يرتبط بدوره بصحة الدماغ مع التقدم في العمر.
وتخلص المراجعة إلى أن القراءة للمتعة هي ممارسة ترتبط بمجموعة واسعة من المؤشرات الإيجابية للصحة النفسية والقدرات المعرفية.













