نشرت في •آخر تحديث
ما إن أقرّ البرلمان اللبناني، الأربعاء، قانون العفو العام، حتى عاد الجدل ليلتهب في الشارع، مثقلا بأسئلة قضائية وحقوقية، خصوصاً أن هذا القرار هو الأول من نوعه الذي يُتوقع أن يشمل آلاف السجناء. فهو يذكّر بما شهدته البلاد عام 1991، السنة التي طوى فيها بلد الأرز ملف حرب أهلية دامية استمرت 15 عاماً، وما زالت تداعياتها حاضرة إلى اليوم.
اعلان
اعلان
بيان رئاسة البرلمان جاء مقتضباً: “إقرار اقتراح قانون يرمي إلى منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي معدلاً” وفق تعبيره، في خطوة تهدف أساساً إلى “تخفيف الاكتظاظ في السجون” الذي بلغت نسبته 300%، وحيث يقبع موقوفون منذ أعوام دون محاكمة.
غير أن هذا الملف، وإن لم يكن الوحيد، لا يزال محلّ تجاذبات طائفية وسياسية عميقة، تزداد وطأتها في الشارع وسط حالة الاستقطاب السائد، وتكتُّمٍ من السلطات حول طبيعة القانون وعدد المستفيدين منه.
وبحسب بنود التشريع الجديد، تُخفَّض عقوبات المحكوم عليهم بالإعدام أو بالسجن المؤبد إلى 17 سنة، علمًا بأن السنة السجنية في قانون العقوبات تُحتسب تسعة أشهر، وليس 12 شهرًا.
ماذا يعني العفو العام؟
من حيث المفهوم، يُعرَّف العفو العام بأنه قانون استثنائي يخوّل السلطة التشريعية أو التنفيذية تخطّي الحكم القضائي الصادر، لتخفيف العقوبة أو إسقاطها عن جرائم محددة. غير أن هذا العفو لا يمحو الجريمة، ولا يُسقط الحقوق الشخصية للمتضرّرين، كما أنه لا يشمل الجرائم الكبرى أو الجرائم المتعلقة بأمن الدولة.
إلا أنه لا يُمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن السياقين السياسي والتاريخي للبنان، إذ الحكومات المتعاقبة أصدرت منذ عشرينيات القرن الماضي عشرات القوانين والمراسيم المتعلقة بالعفو العام، حيث قدّر عددها بنحو 44 منذ عام 1923، وشملت جرائم متنوعة. لكن القوانين الأكثر تأثيراً هي تلك التي ارتبطت بالأزمات الكبرى والحروب أو محطات المصالحة الوطنية.
ومن أبرز هذه المحطات:
– عفو عام 1958: صدر بعد أزمة سياسية ومواجهة مسلّحة كادت تتحول إلى حرب أهلية بسبب خلافات حول مواقف لبنان من تيار القومية العربية السائد آنذاك.
– عفو عام 1969: طال الجرائم التي ارتُكبت قبل عام 1968، بالإضافة إلى تداعيات حرب 1967 التي زادت من التوتر الداخلي.
– عفو عام 1991: صدر بعد انتهاء الحرب الأهلية (1975-1990)، ويعتبر الأوسع والأشمل في تاريخ لبنان، حيث شمل جرائم سياسية وعسكرية كثيرة بهدف طيّ صفحة الحرب والمصالحة الوطنية، لكنه استثنى الجرائم المتعلقة بأمن الدولة والاغتيالات السياسية والجرائم المالية الكبرى.
– عفو عام 2005: صدر في 19 يوليو/تموز بعد أشهر قليلة من الانسحاب السوري من لبنان، وتزامن مع اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. وقد شمل عفوًا عن سمير جعجع، زعيم حزب القوات اللبنانية، الذي كان يقضي حكماً بالسجن المؤبد منذ 1994 بتهمة الضلوع في جليمة قتل رئيس الوزراء الراحل رشيد كرامي، بالإضافة إلى مسلحين إسلاميين موقوفين على ذمة التحقيق بتهم قتل وجرح عناصر من الجيش. وقد أثار هذا العفو استنكاراً واسعاً من عائلات الضحايا والأوساط العسكرية، لأنه شمل متهمين لم تصدر بحقهم أحكام بعد.
ولذلك، غالباً ما تتباين النظرة إلى هذه القرارات، فبينما يرى فيها البعض سبيلا للمصالحة الوطنية، يعتبرها آخرون غطاءً لإضفاء شرعية على الإفلات من العقاب، على اعتبار أنها تساوي بين الضحية والجلاد، وتتجاهل حقوق الضحايا دون أي تعويضات أو تدابير لإنصافهم.
تساؤلات قانونية حوله
في مقابلة مع “يورونيوز”، يوضح الصحافي المتخصص بالشؤون القضائية، عمر نشابة، أن العفو العام في لبنان يحمل خصوصية تميّزه عن غيره، إذ يمكن أن يشمل حتى الأشخاص الذين لم تصدر بحقهم أي أحكام قضائية بعد، مستشهداً بقانون العفو العام الصادر في يوليو/تموز 2005.
وفي هذا السياق، يطرح نشابة سؤالاً مركزياً حول ما إذا كانت هناك إجراءات لضمان عدم تكرار الجرائم المعفى عنها اليوم، مشيراً إلى أن أي عفو في أي دولة يتضمن عادةً تأكيدات بعدم تكرارها، لأن الهدف ليس إصدار عفو عن شخص يعود ليرتكب الجريمة ذاتها. وهو ما يستدعي طرح تساؤلات جدية حول مدى جاهزية الحكومة لإصلاح نظام القضاء لضمان عدم تكرار الأخطاء في المحاكمات.
ثم يطرح نشابة سلسلة من الأسئلة الجوهرية، يراها الأهم في هذا الملف، فيقول: “هل الهدف من العفو هو إعادة المحاكمة، أم مجرد إصدار عفو عن جريمة؟ هل المطلوب هو إصلاح الخطأ القضائي، أم إقفال الملف نهائياً؟ هل هناك جريمة حدثت بالفعل، أم لا؟ وإذا كانت هناك جريمة، فهل الحل هو العفو عنها، أم إعادة المحاكمة من جديد لتحقيق العدالة؟ أم أن المطلوب هو إصلاح القضاء لمنع تكرار مثل هذه الأخطاء مستقبلاً؟”
ويختم نشابة بتوجيه هذه الأسئلة إلى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، قائلاً: “هذه أسئلة موجهة إلى رئيس الحكومة نواف سلام: ما هي النية الحقيقية؟ هذا ليس كلاماً سياسياً، بل كلام دولة. هل المسؤول هنا يتحمل مسؤوليته، أم أنه يتنصل منها؟”
جلسة مشحونة في مجلس النواب
ورغم إقرار القانون، فإن جلسة مجلس النواب شهدت توتراً لافتا، إذ انسحبت كتلتا “التيار الوطني الحر” وحزب الله من الجلسة التشريعية، على خلفية منع رئيس الحكومة نواف سلام وزير الدفاع من إلقاء كلمة الجيش، وهو ما اعتبره نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب “قراراً خاطئاً وغير دستوري”.
وعلى صعيد المطالب السياسية، تباينت مواقف القوى اللبنانية، إذ طالبت جهات إسلامية بإطلاق سراح 79 موقوفاً من أصل 146 من مدينة طرابلس خصوصاً، والموقوفين على خلفية أحداث مرتبطة بالحرب الأهلية في سوريا.
في المقابل، سعت جهات أخرى إلى أن يطبق قانون العفو على موقوفين من مناطق بعلبك والهرمل، غالبيتهم متهمون بجرائم مخدرات وسرقة سيارات، بينما طالبت جهات مسيحية بشمل عائلات تعاونت مع إسرائيل وفرّت إلى الدولة العبرية، عقب تحرير الجنوب عام 2000.













