تواجه الحفلة المرتقبة للفنانة السورية أصالة نصري في دمشق، المقررة في 17 سبتمبر/أيلول الجاري، حملة من دعاة سلفيين يطالبون بإلغائها، في وقت تواصل فيه وزارة الثقافة السورية رعايتها للفعالية، فيما أعلنت الجهة المنظمة نفاد التذاكر واستمرار التحضيرات لإقامتها في موعدها.
اعلان
اعلان
وأثار الحفل نقاشاً واسعاً حول عودة الفعاليات الفنية إلى المجال العام، وحدود الاعتراض الديني عليها.
وتأتي الحملة بعد اعتراضات رافقت عدداً من الفعاليات الفنية التي أقيمت في سوريا منذ سقوط بشار الأسد. وشملت تلك الاعتراضات حفلات في معرض دمشق الدولي، من بينها حفل الفنان اللبناني مروان خوري، الذي تعرض لضغوط كبيرة، تزامنت مع انقطاع التيار الكهربائي أثناء تقديمه الحفل.
ورجّح مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي أن يكون انقطاع الكهرباء متعمداً، وربطوه بالدعوات المطالبة بوقف الحفل، من دون صدور ما يثبت هذا الربط. ومع عودة الجدل إلى الواجهة مع حفل أصالة، اتخذت الاعتراضات هذه المرة شكلاً أكثر وضوحاً، مع حملات إلكترونية وبيانات تطالب بإلغاء الفعالية.
الذهبي في مقدمة حملة إلغاء الحفل
ويقود رجل الدين المصري هاني دهب، المعروف باسم “الشيخ الذهبي”، إحدى أبرز الحملات المناهضة لحفل أصالة، عبر وسم “إلغاء حفلات المعاصي” على مواقع التواصل الاجتماعي.
وهاجم الذهبي وزارة الثقافة، متهماً إياها بالسعي إلى “صبغ المجتمع بصبغة علمانية”، وداعياً إلى إلغاء الحفلات الغنائية. وتأتي حملته ضمن مواقف دينية ترفض الموسيقى والحفلات وتدعو إلى منع إقامتها في المجال العام.
والذهبي رجل دين مصري في الخمسينيات من عمره، وصل إلى سوريا للمرة الأولى عام 2012. وبرز اسمه على نطاق واسع بعد سقوط الأسد، من خلال حملة ممولة بالتبرعات لتوزيع النقاب والخمار و”اللباس الشرعي”، امتد نشاطها إلى محافظات وجامعات سورية عدة.
وأثارت أنشطته جدلاً متكرراً، كان آخره في أغسطس/آب الماضي، حين أوقفت وزارة الأوقاف السورية فعالية لحملته في مركز تجاري بدمشق، بعد ما وصفته المعلومات الواردة بتجاوزات قانونية.
ولم تقتصر الاعتراضات على حملة الذهبي. فقد وصف الداعية السلفي عبد الرزاق المهدي الحفل بأنه “حفلة طرب ومجون”، متسائلاً عن جدوى إقامة مثل هذه الأنشطة في ظل الظروف التي مرت بها البلاد، ومخاطباً المسؤولين بالقول: “ما لهذا قامت الثورة”.
والمهدي معروف بقربه من فصائل عسكرية ذات توجه إسلامي في الشمال السوري خلال سنوات النزاع. كما أصدر كيان ديني يعرف باسم “ملتقى دعاة الشام” بياناً موجهاً إلى وزير الثقافة، طالب فيه بإلغاء الحفل، معتبراً أن إقامة المهرجانات الغنائية لا تتناسب مع القيم الدينية والاجتماعية التي يسعى إلى ترسيخها.
الاعتراضات تنتقل إلى الشارع
وتجاوزت الحملات البيانات والمنشورات، إذ رصدت “يورونيوز” عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات تدعو إلى عدم حضور حفل أصالة، إلى جانب تهديدات وتمزيق لافتات إعلانية في دمشق.
وأثارت هذه الوقائع ردود فعل متباينة بين من استنكرها ومن دافع عن إقامة الحفل، فيما طالبت أصوات مدنية وإعلامية السلطات السورية بحماية الحريات العامة والتصدي لمحاولات فرض الوصاية الدينية على الفعاليات الثقافية.
وقالت راما، وهو اسم مستعار لأسباب أمنية، لـ”يورونيوز” إنها كانت تنوي حضور الحفل، لكن أهلها منَعوها خوفاً من ردود فعل محتملة، بينها قطع الطرقات أو التهجم على الجمهور أو افتعال مشكلات قد تضعها في موقف صعب.
وأضافت أنها متحمسة لعودة الفعاليات الفنية وحضور مزيد منها، معتبرة أن مرور الحفل بسلام قد يشجع فنانين غربيين معروفين على إقامة حفلات في سوريا.
وفي المقابل، رفض محمد، من حي الشاغور، البيانات التي تنشر على الإنترنت لمقاطعة الحفل، وقال لـ”يورونيوز”: “نحن في زمن الحرية، فلماذا كل شيء يُلبس لباساً دينياً ويُقال عن هذا حرام وعن ذاك حلال؟”.
ودعا أصحاب هذه الحملات إلى التوقف عنها واحترام حرية الآخرين، قائلاً إنه لا يرى مشكلة في وجود أشخاص لا يفضلون الحفلات، لكنه يرفض أن يتحول موقفهم إلى تدخل في حياة الآخرين.
وأضاف: “أصبحنا نخاف دخول جامع أو متنزه أو مطعم أو المشي في الشارع ونرى كل شيء فيه تشدد وتدخل في حياتنا الخاصة من منظرين سلفيين ليسوا بسوريين أساساً”، موضحاً أنه لا يرى مشكلة في وجودهم، لكنه قال إنهم يتعاملون مع أشياء كثيرة باعتبارها مشكلة.
أما ماجد، وهو أيضاً اسم مستعار لأسباب أمنية، فرأى أن من واجب الدولة والحكومة تحديد الأولويات والتعامل مع الجميع وفق القانون. وقال إن الأولى كان العمل على إعادة الإعمار، بدلاً من إبقاء الناس في جدل ديني وفني مستمر منذ أشهر.
الوزارة تتمسك بالحفل
في مقابل المطالبات بإلغاء الحفل، جددت وزارة الثقافة السورية رعايتها للفعالية. وزار وزير الثقافة محمد ياسين صالح صالة الفيحاء وتابع التحضيرات للحفل، فيما أغلقت الوزارة التعليقات على منشور في صفحتها على “فايسبوك” يتعلق بالفعالية.
ووصف الوزير أصالة بأنها “ابنة الشام”، في حين استمرت الوزارة في دعم إقامة الحفل رغم تصاعد الاعتراضات.
وفي الوقت نفسه، ظهر تباين داخل المؤسسة الثقافية حول طبيعة الفعاليات العامة. فقد دعم مدير مديريات الثقافة أنس الدغيم بياناً وقعه العشرات بعنوان “صيانة هوية سوريا في مرحلة ما بعد التحرير”، يطالب بمراجعة سياسات ترخيص وتنظيم الفعاليات العامة، والامتناع عن الحضور الرسمي لأنشطة قال الموقعون إنها تتعارض مع ما أسموه “هوية المجتمع وقيمه”.
وأثار ذلك نقاشاً حول وجود تباين داخل المؤسسة الثقافية الحكومية بين وزارة الثقافة التي ترعى حفل أصالة، وأصوات داخل الجهاز الثقافي تتحفظ على هذا النوع من الفعاليات.
أصالة تعود بعد 15 عاماً
تقام الحفلة في 17 سبتمبر/أيلول الجاري في صالة الفيحاء بدمشق، ضمن فعالية تحمل عنوان “عودة الأصالة”، برعاية وزارة الثقافة ونقابة الفنانين وتنظيم شركة “أوغار إيفنتس”.
وأعلنت الجهة المنظمة نفاد التذاكر بعد طرحها بوقت قصير، مع تخصيص نصف عائدات الحفل للأعمال الخيرية.
وتعود أصالة إلى جمهورها السوري بعد غياب نحو 15 عاماً. وكانت الفنانة، المولودة في دمشق عام 1969، من أوائل الفنانين السوريين الذين أعلنوا تأييدهم للثورة التي اندلعت عام 2011، ما عرّضها لحملات من إعلام الحكم السابق، وانتهى بشطبها من نقابة الفنانين.
وغادرت أصالة سوريا نهائياً، وأقامت بين الإمارات ومصر، حيث واصلت نشاطها الفني. وأعلنت عن الحفل عبر صفحاتها الرسمية، وكتبت لجمهورها السوري: “يا أهلي في الشام، سنلتقي وسأعيش معكم ما فاتني من سنوات عمري”، مضيفة: “مشتاقة لكم بقدر شوقكم لي”.
وبالتزامن مع عودتها، أطلقت “الألبوم السوري” الذي يضم 14 أغنية مستوحاة من التراث السوري، وتمثل المحافظات السورية الأربع عشرة.
ورحبت فنانات سوريات بعودتها إلى دمشق. وقالت الممثلة منى واصف: “عادت ابنة الشام”، فيما عبّرت وفاء موصللي وروعة ياسين عن سعادتهما بعودتها.
صورة أخرى تثير الجدل حول الذهبي
وبالتزامن مع الحملة ضد حفل أصالة، أثارت صورة نشرها هاني دهب على صفحته في “فايسبوك” تفاعلاً واسعاً بين سوريين، بعدما نشرها في الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر/أيلول على برجي مركز التجارة العالمي في الولايات المتحدة.
وتضمنت الصورة قالب حلوى عليه رسم للبرجين والرقم 11 سبتمبر، مع تعليق رمزي عن محاربة السمنة والبدانة والإفراط في تناول الحلويات وارتفاع السعرات الحرارية وما ينتج عنها من ظهور “كرش” غير لائق، وفق ما ورد في المنشور المتداول.
وطالب قانونيون بمحاسبة الذهبي، معتبرين أن الصورة تمثل إساءة لضحايا الهجمات الإرهابية.
وقال المحامي ميشيل شماس، في منشور على صفحته الشخصية، إن السكوت عن تصرفات الذهبي أخطر من الذهبي نفسه، محذراً من أن ذلك قد يؤدي إلى “استعداء العالم على الشعب السوري وجر السوريين إلى مقتلة”.
ويستمر الحفل في موعده المعلن، فيما تتواصل الدعوات إلى إلغائه، وسط نقاش حول حدود الاعتراض الديني على الفعاليات الفنية ودور الدولة في تنظيمها وحمايتها.













