عقد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ قمة تاريخية في العاصمة بكين، تهدف بالأساس إلى إعادة الاستقرار وتصحيح مسار العلاقات الأمريكية الصينية، لا سيما في الشق التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم. تأتي هذه القمة وسط تصاعد ملحوظ في التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الأمريكية الإيرانية ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، مما يضفي أهمية استثنائية على هذا اللقاء.
جذور التوتر التجاري ومساعي التهدئة في العلاقات الأمريكية الصينية
شهدت الساحة الدبلوماسية في «قاعة الشعب الكبرى» في بكين مراسم استقبال رسمية ضخمة، تضمنت فرقة نحاسية ووحدات عسكرية وأطفالاً يلوحون بالأعلام الأمريكية والصينية، قبل أن يتصافح الزعيمان ويتبادلا الأحاديث الودية أمام وسائل الإعلام. تعود جذور هذا المشهد إلى سنوات من التجاذبات؛ فقبل أكثر من عام، كانت العلاقات الثنائية تمر بإحدى أكثر مراحلها توتراً، بعدما أشعلت الرسوم الجمركية الضخمة التي فرضها ترمب على الصين وشركاء تجاريين آخرين حرباً تجارية متبادلة رفعت الرسوم على بعض السلع إلى أكثر من 100%. وامتدت الخلافات لتشمل ملفات استراتيجية مثل المعادن النادرة، وأشباه الموصلات، والتأشيرات الطلابية، ومواد تصنيع الفنتانيل، وواردات فول الصويا الصيني.
انعكاسات التوافق الاقتصادي على الأسواق العالمية
أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ أن «العلاقة المستقرة بين البلدين مفيدة للعالم»، مضيفاً: «يجب أن نكون شركاء لا خصوماً». من جانبه، وصف ترمب الرئيس الصيني بأنه «صديق وقائد عظيم»، مؤكداً أن الخلافات بينهما كانت دائماً قابلة للحل، وأن واشنطن «تتطلع إلى مستقبل رائع مع الصين». وتعد هذه أول قمة مباشرة بين الزعيمين منذ أكتوبر الماضي، وأول زيارة لرئيس أمريكي إلى الصين منذ زيارة ترمب لبكين عام 2017. تراجعت حدة التوتر تدريجياً بعد اتفاق الجانبين على خفض الرسوم الجمركية، وموافقة بكين على وقف القيود المفروضة على صادرات المعادن النادرة. هذا التوافق من شأنه أن ينعكس إيجاباً على الأسواق العالمية التي عانت من تقلبات حادة بسبب سياسات الحماية التجارية، مما يعزز من استقرار سلاسل التوريد الدولية ويمنع تكرار سيناريو الحرب التجارية.
حضور لافت لعمالقة التكنولوجيا الأمريكية
قبيل مغادرته إلى بكين، صرح ترمب: «سنتحدث مع الرئيس شي حول الكثير من القضايا، لكن التجارة ستكون الملف الأهم». وتسعى الإدارة الأمريكية إلى ضمان استمرار وصولها إلى المعادن النادرة الصينية، والسماح للشركات الأمريكية بتوسيع صادراتها الغذائية والتجارية إلى السوق الصينية. كما طرح الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير فكرة إنشاء «مجلس تجارة أمريكي ـ صيني» لتنسيق الاتفاقات الاقتصادية. وشهدت القمة حضور عدد من كبار التنفيذيين الأمريكيين، بينهم الرئيس التنفيذي لشركة تيسلا إيلون ماسك، والرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جنسن هوانغ، إضافة إلى الرئيس التنفيذي المغادر لشركة أبل تيم كوك. ويعكس هذا الحضور أهمية السوق الصينية للشركات الأمريكية، خصوصاً مع سعي «إنفيديا» إلى بيع مزيد من الرقائق الإلكترونية المتطورة داخل الصين.
ظلال أزمة الشرق الأوسط ومضيق هرمز
رغم تركيز القمة على الاقتصاد، فإن الحرب الأمريكية الإيرانية ألقت بظلالها على المحادثات، خصوصاً مع استمرار التعثر في المفاوضات المتعلقة بمضيق هرمز. وقال ترمب إن الهدنة التي أوقفت المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران منذ أبريل الماضي أصبحت «على أجهزة الإنعاش»، في إشارة إلى هشاشتها. ويرى خبراء أن انشغال واشنطن بالشرق الأوسط واستخدامها المكثف للذخائر في المواجهة مع إيران قد يضعف استعدادها لأي مواجهة مستقبلية مع الصين. في المقابل، تعتمد بكين بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط، وتعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني عالمياً، ما يجعلها شديدة الحساسية تجاه أي اضطراب يهدد حركة النفط العالمية أو الاقتصاد الإيراني. وفي هذا السياق، صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن واشنطن أوضحت لبكين أن «أي دعم لإيران سيضر بالعلاقات الثنائية»، معرباً عن أمله في أن تلعب الصين «دوراً أكثر نشاطاً» في احتواء الأزمة.
تايوان.. عقدة التوازن الاستراتيجي
برز ملف تايوان كأحد أكثر القضايا حساسية خلال القمة، إذ تؤكد الصين باستمرار أنها تسعى إلى «إعادة توحيد» الجزيرة، ولم تستبعد استخدام القوة لتحقيق ذلك. في المقابل، قدمت الولايات المتحدة مليارات الدولارات دعماً عسكرياً لتايوان، مع تمسكها بسياسة الغموض الاستراتيجي بشأن التدخل العسكري المباشر في حال اندلاع حرب. ويخشى بعض التايوانيين من أن يتحول الدعم الأمريكي للجزيرة إلى ورقة تفاوض ضمن أي تفاهمات مستقبلية بين ترمب وبكين، خصوصاً أن تايوان تهيمن على إنتاج الرقائق الإلكترونية الأكثر تطوراً في العالم، وهو ما يجعل أمنها مسألة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية عالمية تتجاوز الحدود الإقليمية.
The post قمة ترمب وشي في بكين: مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













