لا يكتب الروائي الجزائري سعيد خطيبي التاريخ بوصفه وقائع جامدة، ولا يتعامل مع الذاكرة باعتبارها مجرد مخزن للأحداث المنقضية، بل يقترب منهما بوصفهما مادة حية قابلة للمساءلة، التأويل، وإعادة التخيل. وفي مشروعه الروائي، الذي تُوّج أخيراً بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عن روايته «أغالب مجرى النهر»، تبدو الكتابة محاولة دؤوبة لاستعادة الإنسان من بين ركام السرديات الكبرى، والإنصات إلى الأصوات المهمشة بعيداً عن الرواية الرسمية. وفي هذا الحوار، يفتح خطيبي أبواب تجربته الإبداعية، متحدثاً عن بداياته الشاقة، علاقته بالتاريخ، ورؤيته لمستقبل الأدب.
خلفية تاريخية: تتويج سعيد خطيبي بجائزة البوكر العربية
تأسست الجائزة العالمية للرواية العربية، المعروفة إعلامياً بـ”البوكر العربية”، في عام 2007 في أبوظبي، لتصبح واحدة من أهم الجوائز الأدبية في العالم العربي. وتهدف الجائزة إلى مكافأة التميز في الأدب العربي المعاصر، ورفع مستوى الإقبال على قراءة هذا الأدب عالمياً من خلال ترجمة الأعمال الفائزة. ويأتي تتويج سعيد خطيبي بهذه الجائزة كعلامة فارقة تسلط الضوء على نضج التجربة الروائية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية، والتي استطاعت أن تحجز لنفسها مكانة مرموقة في المشهد الثقافي الإقليمي والدولي، متجاوزة الهيمنة التاريخية للأدب الفرانكفوني في دول المغرب العربي.
الأثر الإقليمي والدولي لنجاح الرواية الجزائرية
يمثل فوز رواية «أغالب مجرى النهر» لحظة حاسمة تتجاوز البعد المحلي الجزائري لتلامس الوجدان الإقليمي والدولي. فهذا التتويج يعزز من جسور التواصل الثقافي بين المشرق والمغرب العربيين، ويؤكد أن القضايا الإنسانية التي يعالجها الأدب المغاربي تجد صدى واسعاً لدى القارئ العربي أينما كان. كما أن وصول هذه الأعمال إلى منصات التتويج العالمية يفتح الباب أمام حركة الترجمة لنقل هذه السرديات إلى لغات أخرى، مما يساهم في تصحيح الصور النمطية وتقديم مقاربة أعمق للتاريخ العربي المعاصر بعيون أبنائه.
من البدايات الشاقة في الجزائر إلى منصة التتويج
يستعيد خطيبي مساره الأدبي الذي لم يكن مفروشاً بالورود، بل كان مليئاً بالقسوة والعناد. بدأ الكتابة في زمن كان فيه العثور على كتاب بالعربية في الجزائر يشبه العثور على كنز، خاصة في مدينته البعيدة جنوب العاصمة. وفي ظل “العشرية السوداء”، أغلقت المكتبة الوحيدة أبوابها، فصار تداول الكتاب الواحد بين الأيدي مغامرة محفوفة بالمخاطر. نشأ جيله على إيقاع الرصاص وذاكرة الانفجارات، لكنهم لم يتخلوا عن حقهم في الحلم، محولين الخوف إلى معنى، والندوب إلى لغة. بالنسبة له، الجائزة تعني أن الحلم لا بد أن يجد طريقه إلى النور.
الرواية: مساحة لتقصي التاريخ وإعادة كتابة الذاكرة
يرى خطيبي أن الكتابة الروائية هي امتداد للبحث الثقافي، حيث بدأ مسيرته بإعادة كتابة روايات فرنسية صغيرة بالعربية، مبدلاً مصائر شخصياتها، ليتدرب على قدره في الكتابة. وعندما يتناول التاريخ، فهو لا يسعى ليكون بديلاً عن المؤرخ، بل يتسلل إلى اللحظة الإنسانية التي لم تُدوّن. التاريخ بالنسبة له ليس ماضياً، بل هو تراكم يسكننا ونسكنه. الرواية لا تعيد تدوير الماضي، بل تتأمله وتفتحه على احتمالات لم تُكتب في سجلات المؤرخين، محررة إياه من سلطة القداسة التي تضيق أفق النظر إليه.
الذاكرة الجمعية وصوت المهمشين
في المجتمعات التي شهدت تحولات عنيفة، تتسع الفجوة بين الذاكرة الجمعية التي تتبنى سردية منسجمة مع السلطة، والذاكرة الفردية التي تتحمل هزائمها بصمت. يحاول خطيبي في أعماله رد الاعتبار للصوت الهامشي بوصفه جزءاً أصيلاً من الحقيقة. إنه يكتب ليمنح أولئك الذين سُلبوا حق الكلام مساحة يبوحون فيها بما عجزت الذاكرة الجمعية عن احتوائه، جاعلاً من الأدب مقاومة ضد الاختزال.
جماليات السرد وتعدد الأصوات
لا يعتبر خطيبي الرواية ترفاً للتسلية، بل مغامرة محفوفة بالمخاطر تختبر الوعي والذاكرة. ينحاز إلى “البوليفونية” (تعدد الأصوات) في الكتابة كموقف جمالي، رافضاً الصوت الواحد الذي يذكره بالأنظمة السياسية المحتكرة للحقيقة. تتشكل شخصياته في منطقة التماس بين التاريخي والنفسي، تتسرب من الهامش إلى متن النص لتأخذ ملامحها تدريجياً.
أثر الصحافة ومستقبل الأدب في عصر الذكاء الاصطناعي
لعبت الصحافة دوراً محورياً في صقل أسلوب خطيبي، حيث علمته الإنصات للآخرين، الانضباط، والاقتصاد في اللغة. الصحافة تقوض وهم الكمال وتجعل الكاتب يدرك أن النص قابل للمراجعة دائماً. أما عن مستقبل الأدب في ظل التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، فيبدي خطيبي توجساً، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي قد يفضي إلى تشابه في الأدب ينزع عنه عنصر الدهشة. ويرى أنه كلما تقدمت التقنية، تراجع الأدب، مما يجعله يزهد في وسائل التواصل الاجتماعي ويرى في هذه التقنيات عاملاً سلبياً على الحالة الإبداعية.
The post سعيد خطيبي: جائزة البوكر تتويج لحلم الرواية العربية appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













