على وقع مساعٍ حثيثة تقودها باكستان ودول إقليمية لإيجاد «مخارج آمنة» للتهدئة، دخلت المنطقة مرحلة «الاختبار العسير». إن أي تصعيد جديد قد يشعل حرب واشنطن وطهران، مما يضع الهدنة الحالية في ميزان الأفعال لا الأقوال. لقد راهن الكثيرون على صمود التفاهمات الهشة كستار واقٍ في وجه العواصف الإقليمية، لكن ما نشهده اليوم هو إعلان صريح عن انتهاء مفعول المسكنات السياسية، والبدء في جراحة دبلوماسية دقيقة ومعقدة لتحديد مصير الملاحة الدولية.
الجذور التاريخية لصراع النفوذ في الممرات المائية
لم تكن التوترات الحالية وليدة اللحظة، بل هي امتداد لعقود من التجاذبات الاستراتيجية. تاريخياً، يُعد مضيق هرمز أحد أهم الشرايين المائية في العالم، حيث يعبر من خلاله خُمس استهلاك العالم من النفط. منذ أواخر السبعينيات، تحول هذا المضيق إلى نقطة تماس مباشرة بين القوى الغربية وإيران. وقد شهدت المنطقة في الثمانينيات ما عُرف بـ «حرب الناقلات»، والتي أرست قواعد اشتباك غير مكتوبة لا تزال تلقي بظلالها على المشهد الحالي. هذا السياق التاريخي يفسر الحساسية المفرطة تجاه أي تحرك عسكري أو سياسي بالقرب من هذه المياه الحيوية.
مضيق هرمز في قلب حرب واشنطن وطهران
المشهد في المضيق اليوم يعكس حالة من «الانفجار المنضبط». فإيران، بفرضها قواعد اشتباك جديدة تعتمد على مبدأ السيادة الكاملة أو الإغلاق الجزئي للممر الملاحي، لم تكن تتحرك في فراغ، بل كانت تبعث برسالة مشفرة تسبق القمة الصينية-الأمريكية المرتقبة. والرسالة الإيرانية واضحة: لا يمكن استبعاد طهران من أي معادلة استقرار إقليمي دائم، وأن أي هدنة لا تضمن رفعاً فعلياً وملموساً للضغوط الاقتصادية عنها، ستظل هدنة قلقة وتحت رحمة الأمواج.
ترامب وتعليق مشروع الحرية
هذا الضغط الميداني الإيراني قوبل بمرونة أمريكية مفاجئة عبر منصة «تروث سوشيال»، إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق العمل بـ«مشروع الحرية» مؤقتاً، استجابة لطلب باكستان. هذه الخطوة تعكس ما يشبه استراحة محارب تكتيكية لاختبار نوايا طهران حيال التوصل إلى اتفاق شامل. غير أن هذه الإشارة، رغم أهميتها، لا تعني تحولاً إستراتيجياً كاملاً في الموقف الأمريكي، بقدر ما تفتح «نافذة فرصة محدودة» ضمن سياق ضغط مستمر، خصوصاً مع بقاء العقوبات قائمة بالكامل.
التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية للأزمة
إن تأثير هذه التوترات يتجاوز الحدود الإقليمية ليضرب في عمق الاقتصاد العالمي. معركة هرمز ليست بمعزل عن لغة الأرقام؛ فحين تتأرجح أسعار النفط فوق حاجز الـ 100 دولار، وتتضاعف تكاليف التأمين البحري والشحن، تتحول التهدئة من ترف سياسي إلى مطلب اقتصادي ملح للمجتمع الدولي. الدول العربية الواقعة على ضفتي الممر تجد نفسها اليوم في عين العاصفة، فالاستقرار الذي تحتاجه الرؤى الاقتصادية الطموحة يتناقض جذرياً مع حالة «العسكرة» القائمة في أهم شريان للطاقة في العالم.
في هذا السياق، كشف «اختبار هرمز» عورة ما يسمى بـ«الاعتماد المتبادل». الصين، التي تعتمد بشكل شبه كلي على انسيابية هذا الممر، لم تعد قادرة على ممارسة دور «المتفرج الإستراتيجي» أو الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية الناعمة. الحراك الصيني يشير إلى أن بكين تدرك جيداً أن سقوط الهدنة في هرمز يعني تعطلاً قسرياً لطريق الحرير، وهو ثمن باهظ لا يبدو أن التنين الصيني مستعد لدفعه، خصوصاً في ظل ملفات شائكة أخرى تخوضها مع الإدارة الأمريكية. وهذا يفسر سر الضغوط الصينية المتزايدة للدفع نحو التهدئة.
باب المندب.. جبهة موازية لا يمكن تجاهلها
صورة الاختبار العسير لا تكتمل دون النظر إلى باب المندب. فالتزامن الدقيق بين التصعيد في هرمز والتحركات الميدانية المتوترة في البحر الأحمر يؤكد فرضية «الجغرافيا السياسية الموحدة». الهدنة في اليمن باتت اليوم رهينة بشكل مباشر لما قد تسفر عنه المواجهات في الخليج. إن استخدام أمن الممرات المائية كأداة ضغط سياسي وميداني يفرغ أي اتفاق بري من محتواه، ويجعل من استقرار المنطقة كتلة واحدة غير قابلة للتجزئة.
خيارات المجتمع الدولي لتجنب الانفجار
إن الخروج من نفق هذا الاختبار يتطلب اليوم اعترافاً دولياً صريحاً بأن أمن الطاقة العالمي لا يمكن أن يظل رهينة لتقلبات المزاج السياسي. نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الشروع الجدي في صياغة «ميثاق بحري إقليمي» شامل يضمن حرية الملاحة للجميع بعيداً عن سياسات الاستقطاب، أو القبول بواقع «الاستنزاف الدائم» الذي سيحول هذه المضائق إلى بؤر دائمة للنزاع المسلح. العيون الآن شاخصة نحو مياه الخليج، فهل تنجح الدبلوماسية في تبريد فوهات المدافع، أم أن الفصل الأخير سيُكتب بلغة التصعيد؟
The post حرب واشنطن وطهران: هل يكتب مضيق هرمز فصل النهاية؟ appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













