تتصاعد التحذيرات الحقوقية والدولية من استمرار ظاهرة تجنيد الأطفال في اليمن، حيث تشير التقارير إلى تحويل المدارس والمرافق التعليمية إلى جبهات قتال ومتراريس عسكرية. في هذا السياق، كشفت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات عن أرقام صادمة تعكس حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب اليمني، لا سيما الفئات الأكثر ضعفاً مثل الأطفال، والنساء، واللاجئين الأفارقة، والعمال الذين يتم استغلال حاجتهم المادية لدفعهم إلى محارق الموت كوقود لاستمرار الحرب وسلطة السلاح.
جذور الأزمة الإنسانية واستغلال الفئات الهشة
منذ اندلاع النزاع المسلح في اليمن عقب الانقلاب الحوثي على السلطة الشرعية، شهدت البلاد تراجعاً حاداً في كافة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية. هذا الانهيار الشامل أنتج بيئة خصبة للاستغلال؛ حيث تحول الفقر والبطالة وغياب مصادر الدخل إلى أدوات ضغط تستخدمها الجماعة لاستقطاب المدنيين وتجنيدهم قسرياً أو عبر الإغراءات المالية والوعود بالوظائف والشهادات الدراسية.
وفي هذا الصدد، أوضح رئيس الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، محمد العمدة، في تصريحات صحفية، أن استهداف الأحياء السكنية وتجنيد الأطفال واستغلال حاجة عمال النظافة واللاجئين والمهاجرين الأفارقة، يكشف عن ممارسات حوثية ممنهجة تجعل من الإنسان اليمني مجرد وقود لإدامة الصراع المسلح.
أرقام مفزعة توثق جريمة تجنيد الأطفال في اليمن
أصبحت ظاهرة تجنيد الأطفال في اليمن واحدة من أخطر أوجه استنزاف المجتمع اليمني وتدمير مستقبله. ووفقاً لتقرير الشبكة اليمنية للحقوق والحريات الذي حمل عنوان “أطفال اليمن من المدارس إلى المتارس”، وثق الفريق الميداني مقتل نحو 9,728 طفلاً مجنداً، تم تشييعهم في مراسم معلنة بثتها وسائل الإعلام التابعة للحوثيين، بالإضافة إلى إصابة 12,730 طفلاً مجنداً آخرين.
كما وثقت الشبكة ما يزيد عن 36,179 واقعة انتهاك وجريمة بحق الأطفال خلال الفترة من يناير 2017 وحتى سبتمبر 2026. وشملت هذه الانتهاكات مقتل 5,495 طفلاً (بينهم 712 رضيعاً)، وإصابة 7,124 طفلاً. ولم تقتصر الجرائم عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل 317 حالة اختطاف وإخفاء قسري، و117 حالة تعذيب في السجون (أدت 9 منها إلى الوفاة)، بالإضافة إلى 53 حالة اغتصاب، وتشريد وتهجير 49,965 طفلاً.
تدمير المنظومة التعليمية واستغلال المدارس
يمثل قطاع التعليم أحد أكبر ضحايا الحرب المستمرة؛ إذ تشير التقارير الحقوقية إلى حرمات نحو 4.5 مليون طفل يمني من حقهم في التعليم. وبدلاً من أن تكون المدارس منارات للعلم والمعرفة، تم استخدام العديد من المنشآت التعليمية لأغراض عسكرية وتدريب المجندين الجدد، وتحويلها إلى ما يسمى “المراكز الصيفية” التي يتعرض فيها الأطفال لتعبئة فكرية وأنشطة ذات طابع عسكري.
وتؤكد التقارير الأممية هذه المخاوف؛ حيث أفصحت الأمم المتحدة في تقاريرها الأخيرة عن التحقق من تجنيد واستخدام مئات الأطفال في العمليات القتالية، ونسبت جزءاً كبيراً من هذه الحالات إلى جماعة الحوثي، محذرة من أن الطفل الذي يحمل السلاح اليوم سيواجه مستقبلاً مظلماً مليئاً بالصدمات النفسية والإعاقات الجسدية.
استهداف المهاجرين واللاجئين الأفارقة
لا تقتصر الانتهاكات على المواطنين اليمنيين فحسب، بل تمتد لتطال الفئات الأكثر هشاشة من المهاجرين واللاجئين الأفارقة الذين فروا من بلدانهم بحثاً عن الأمان. وبسبب صعوبات اللغة وغياب الوثائق الرسمية والخوف من الاحتجاز، يقع هؤلاء ضحايا لعمليات الخداع والاستغلال العسكري.
وشدد العمدة على أن القانون الدولي الإنساني يحظر تماماً استهداف المدنيين والأعيان المدنية، مؤكداً أنه لا يجوز ربط الرواتب أو المساعدات الغذائية بحمل السلاح، ومضيفاً: “من فر بحثاً عن الأمان لا يجوز دفعه إلى حرب جديدة، ومن جاء طلباً للعمل لا يجوز خداعه بفرصة رزق تتحول إلى مهمة عسكرية”.
التداعيات الإقليمية والدولية للأزمة الإنسانية
إن استمرار هذه الانتهاكات وتوسيع رقعة التجنيد القسري لا يهدد الداخل اليمني فحسب، بل يلقي بظلاله على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. فتحويل اليمن إلى بيئة خصبة للعنف يهدد خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر ويقوض جهود السلام الدولية الرامية إلى إنهاء النزاع.
وتطالب المنظمات الدولية بضرورة الوقف الفوري للهجمات العشوائية على المدنيين، وإنهاء تجنيد الأطفال، وإعادة دمج الضحايا في المجتمع اقتصادياً واجتماعياً، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها دون ابتزاز عسكري، لبناء سلام حقيقي يبدأ بعودة الطفل إلى مدرسته وحصول العامل على رزقه بأمان.
The post تجنيد الأطفال في اليمن.. تقارير تكشف انتهاكات الحوثيين appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













