قد يبدو قرار الابتعاد عن الهاتف الذكي لثلاثة أيام متتالية أمراً بسيطاً للوهلة الأولى، ولكنه في الواقع يحمل في طياته اكتشافات مذهلة حول العلاقة المعقدة والخفية بين الإنسان وشاشته الصغيرة. فبعيداً عن رنين المكالمات وتنبيهات الرسائل المستمرة، تشير الأبحاث العلمية الحديثة إلى أن التوقف المؤقت عن استخدام الهواتف المحمولة يمكن أن يُحدث تغييرات فسيولوجية ونفسية ملحوظة في طريقة استجابة الدماغ للمحفزات المرتبطة بها. وكأن العقل البشري يقوم بعملية إعادة ضبط لنفسه، متحرراً من قيود الاعتماد المستمر على التنبيهات والشاشات المضيئة التي باتت تسيطر على يومنا.
تطور الشاشات: من وسيلة اتصال إلى محور الحياة
لم يعد الهاتف المحمول مجرد أداة تقليدية لإجراء المكالمات كما كان الحال في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. تاريخياً، تطورت هذه الأجهزة بشكل متسارع لتتحول من هواتف خلوية بسيطة إلى حواسيب مصغرة ترافقنا في كل مكان. لقد أصبح الهاتف الذكي جزءاً أساسياً لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية؛ حيث نعتمد عليه في إنجاز مهام العمل، والبحث عن الترفيه، والتسوق الإلكتروني، وإدارة العلاقات الاجتماعية، بل وحتى تنظيم أبسط المهام الروتينية. ومع هذا الحضور الطاغي والتطور التكنولوجي الهائل، بدأ علماء الأعصاب وعلماء النفس يتساءلون بجدية: ماذا يحدث للدماغ البشري عندما نبتعد عن هذه الأجهزة ولو لفترة زمنية قصيرة؟
تجربة الـ 72 ساعة: كيف يتفاعل الدماغ عند الابتعاد عن الهاتف الذكي؟
للإجابة عن هذا التساؤل، وفي دراسة علمية حديثة، أخضع باحثون متخصصون من جامعتي هايدلبرغ وكولونيا في ألمانيا 25 شاباً بالغاً، تراوحت أعمارهم بين 18 و30 عاماً، لتجربة فريدة تهدف إلى رصد تأثير تقليل استخدام الهواتف الذكية على النشاط الدماغي. طُلب من المشاركين في هذه التجربة خفض استخدام هواتفهم إلى الحد الأدنى الممكن لمدة 72 ساعة متواصلة، مع السماح لهم فقط بإجراء المكالمات الضرورية جداً والاستخدامات الحتمية المرتبطة ببيئة العمل. وقبل بدء التجربة وبعد انتهائها مباشرة، خضع جميع المشاركين لفحوصات دقيقة باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي، إلى جانب مجموعة من الاختبارات النفسية، بهدف مقارنة التغيرات التي طرأت على نشاط الدماغ وأنماط الاستجابة للمحفزات المختلفة.
الهاتف وتنشيط مناطق “الرغبة” في الدماغ
بعد انتهاء فترة العزلة الرقمية، عرض الباحثون على المشاركين صوراً لهواتف ذكية في وضعي التشغيل والإيقاف، إلى جانب صور محايدة تماماً مثل القوارب والزهور، ثم قاموا بمراقبة استجابات الدماغ لهذه المحفزات البصرية. أظهرت النتائج العلمية تغيرات واضحة في مناطق دماغية محددة مرتبطة بنظام المكافأة والشغف عند رؤية صور الهواتف الذكية. والمثير للاهتمام أن هذه المناطق هي ذاتها التي تشارك في بعض أنماط السلوك الإدماني المرتبط بمواد كيميائية مثل النيكوتين والكحول. وأشار الباحثون إلى وجود ارتباط وثيق بين هذه التغيرات الملحوظة وأنظمة الناقلات العصبية في الدماغ، خصوصاً هرموني الدوبامين والسيروتونين، وهما عنصران بالغا الأهمية في تنظيم مشاعر المكافأة، والدافع، والمزاج العام، وبعض السلوكيات القهرية.
هل يشبه استخدام الهاتف الإدمان الحقيقي؟
رغم هذه النتائج، فإنها لا تعني بالضرورة أن استخدام الهاتف يعادل تماماً إدمان المواد المخدرة القوية، لكنها تشير بوضوح إلى أن بعض آليات الدماغ المرتبطة بالرغبة والمكافأة قد تتفاعل مع الهواتف الذكية بطريقة مشابهة جداً لبعض السلوكيات الإدمانية. ويرى الباحثون أن طبيعة الاستخدام تلعب دوراً حاسماً في هذا السياق؛ فليس كل ما نفعله عبر الهاتف يحمل التأثير السلبي نفسه. فالتصفح العشوائي المستمر لمنصات التواصل الاجتماعي، وانتظار الإشعارات بشغف، والتفاعل الاجتماعي الافتراضي، قد تختلف تأثيراتها العصبية والنفسية بشكل كبير عن الاستخدامات العملية أو الضرورية مثل قراءة الأخبار أو الرد على رسائل العمل.
تأثيرات نفسية تحتاج إلى مزيد من البحث
على الرغم من أن بعض المشاركين في التجربة تحدثوا عن شعور عام أفضل بعد تقليل استخدام الهاتف، فإن الاختبارات النفسية المرافقة للتصوير بالرنين المغناطيسي لم ترصد تغيرات كبيرة وملموسة في الحالة المزاجية أو في مستوى الرغبة الملحة في العودة إلى استخدام الهاتف. ويرجح العلماء أن التأثيرات النفسية العميقة لعملية “الديتوكس الرقمي” قد تحتاج إلى فترات انقطاع أطول من 72 ساعة، أو إلى دراسات أوسع نطاقاً تشمل شرائح مجتمعية مختلفة للكشف عنها بشكل أكثر دقة وشمولية.
الأثر العالمي والمستقبلي لترشيد الاستهلاك الرقمي
إن فهم العلاقة بين الهواتف الذكية والدماغ لا يقتصر تأثيره على المستوى الفردي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً محلية وإقليمية ودولية. فمع تزايد معدلات القلق والاكتئاب المرتبطة بالاستخدام المفرط للتكنولوجيا عالمياً، تبرز أهمية هذه الدراسات في توجيه سياسات الصحة العامة وتطوير برامج التوعية في المدارس وأماكن العمل. محلياً وإقليمياً، يمكن لهذه المعرفة أن تساعد المجتمعات في بناء عادات رقمية صحية تعزز من الإنتاجية والترابط الأسري الحقيقي. لا تزال الأسئلة مفتوحة، خاصة وأن انتشار هذه الأجهزة الذكية لم يتجاوز عقدين من الزمن تقريباً. ويؤكد الباحثون أن فهم هذه الآليات العصبية قد يساعد مستقبلاً في تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإفراط في استخدام الهواتف، ووضع طرق علاجية ووقائية أكثر فاعلية. فربما لا يكون السؤال الأهم اليوم هو: كم ساعة نقضيها أمام الهاتف؟ بل أيضاً: كيف يعيد هذا الجهاز تشكيل الطريقة التي يستجيب بها دماغنا للعالم من حولنا؟
The post تأثير الابتعاد عن الهاتف الذكي لمدة 72 ساعة على الدماغ appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













