تمتلك الدعاية السياسية قدرة عجيبة على تزييف الواقع وإعادة إنتاج الفشل ليظهر في ثوب الانتصار، وبغض النظر عن أسماء الدول أو تبدل وجوه المذيعين وتطور وسائل البث، فإن المضمون يبقى واحداً لا يتغير. في هذا العالم الموازي، تتقدم القوات، وينهار العدو، ويلوح النصر المؤزر في الأفق القريب. ولكن في لحظات التخدير الإعلامي تلك، تكون المطارات قد دمرت بالفعل، والقوات قد تقهقرت، والقيادات تبحث في سعي حثيث عن ملاذات هروب آمنة. ورغم ذلك، يواصل المذيع الاحتفال بثقة تشبه ثقة خبير الأرصاد الذي يؤكد أن السماء صافية، بينما الغبار يسد عين الشمس.
جذور الدعاية السياسية: من غوبلز إلى نكسة 1967
لفهم السياق العام والخلفية التاريخية لهذا النهج، يجب أن نعود إلى جوزيف غوبلز، وزير الدعاية في ألمانيا النازية، والذي يعد واحداً من أشهر الذين حولوا التضليل إلى صناعة متكاملة. لم يكن غوبلز ينظر إلى الجمهور باعتباره طرفاً يستحق المعرفة أو الاحترام، بل ككتل بشرية يمكن تحريكها بالخوف، وتعبئتها بالحماس، وشحنها بالكراهية. وتاريخياً، بعد هزيمة ستالينغراد القاسية عام 1943، تحولت آلية التوجيه المعنوي من الوعد بالسيطرة على العالم إلى التهديد بأن العالم سيهلك إذا خسرت ألمانيا.
بعد نحو عقدين من الزمان، انتقلت هذه المسرحية إلى القاهرة. كان مذيع صوت العرب أحمد سعيد، أحد أشهر أصوات المرحلة الناصرية، والذي ارتبط في ذاكرة جيل كامل بالأحلام العربية القومية الكبرى. في خطاب هزيمة 1967 السياسي والإعلامي، ظهرت فجوة هائلة بين ما كان يحدث في ميادين القتال وما كانت تقوله الإذاعات العربية. فبينما كانت الطائرات المصرية تحترق على مدارجها، كانت البيانات تتحدث عن عشرات الطائرات الإسرائيلية التي تتساقط كالذباب، والقوات العربية التي تقترب من تل أبيب. لقد أبكت تلك الأخبار الكاذبة الناس فرحاً، وسكبت وعد العودة في قلوب اللاجئين في غضون ساعات. مشكلة أحمد سعيد لم تكن في المبالغة في حجم الانتصار، بل في عدم وجود انتصار من الأساس.
وهم الانتصارات: من بغداد 2003 إلى صراعات اليوم
إن ممارسة خداع الجمهور في أوقات الحرب تتدرج فيها الأكاذيب من المستويات الدنيا إلى القيادة العليا. يؤثر ذلك في الضابط والمسؤول، ويعيد الوزير صياغة الأرقام، حتى يصل إلى رأس النظام تقرير يؤكد أن كل شيء يسير على ما يرام. تُتخذ القرارات بناءً على معلومات غير صحيحة، ثم يجري إنتاج المزيد من الأكاذيب لتغطية نتائج القرار الخاطئ. هكذا تكذب الدولة على شعبها، ثم تصدق ما قالته له.
وقد تابع العالم أجمع أخبار حرب العراق عام 2003، حيث تجسد مشهد وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف الذي كان يقف أمام الكاميرات لينفي وجود القوات الأمريكية في بغداد، بينما كانت الدبابات الأمريكية تظهر في خلفية الصورة. ربما كان الصحاف يعرف أنه يكذب، أو يقرأ بيانات أعدها آخرون، ولكن في جميع الأحوال، كانت الدبابات التي ظهرت خلفه أكثر بلاغة من كل كلماته.
التأثير الإقليمي والدولي لخطاب الوهم الإعلامي
اليوم، نعايش فصلاً جديداً من هذه الظاهرة في ظل التوترات الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. لقد تطورت وسائل الاتصال، لكن الخطاب لم يتغير كثيراً. حديث المهزوم عن صفعات كبرى، وصواريخ أصابت أهدافها، وقواعد دمرت، وحاملات طائرات تعرضت للهجوم، وانتصار يقترب في كل بيان. الفرق بين عام 1967 واليوم هو أن الدعاية الحديثة تمتلك الذكاء الاصطناعي، وبرامج تعديل الصور، وحسابات إلكترونية قادرة على إنتاج آلاف المنشورات خلال ساعات، وجيوشاً افتراضية تعيد نشر الادعاءات حتى تبدو حقيقة مستقرة. حروب الإعلام لا تكتفي بنشر الأخبار الكاذبة، بل تصنع جمهوراً لها، وتستدرج المتحمسين للدفاع عنها.
إن أهمية هذا الحدث وتأثيره المتوقع على الصعيدين المحلي والإقليمي يكمن في خطورة تبني روايات مضللة. فرغم أن دعاية الحرس الثوري الناطقة بالعربية ضعيفة وحججها متهافتة، إلا أن مكبرات صوت الوكلاء الخارجية تمنحها الانتشار وبعض المصداقية. قنوات فضائية عربية تنقل هذه الرواية، وتعيد صياغتها، وتقدمها لجمهور عربي يريد أن يصدق أن هناك قوة إقليمية قادرة على إذلال إسرائيل والولايات المتحدة. هذا الإعلام العربي الذي يدعي الحياد، أو ينحاز بصفاقة، يواصل إعلان اقتراب النصر، لكنه لا يقول لنا من هو العدو الحقيقي.
في النهاية، هناك فارق كبير بين إدارة المعلومات في زمن الحرب، وبين بناء واقع كامل من الأكاذيب. الأولى يمكن أن تخدم المعركة، أما الثانية فتدمر قدرة الدولة والمجتمع على فهم المعركة الحقيقية وتداعياتها الدولية. البيانات الكاذبة قد تمنح الناس ساعات من الفرح، لكنها تجعل الصدمة مضاعفة حين تتكشف الحقيقة.
The post الدعاية السياسية وصناعة الوهم: الطائرات تتساقط كالذباب appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













