يشهد الشرق الأوسط تحولات معقدة، إلا أن الثابت الأبرز في هذه التحولات هو التدخل الإيراني في دول الجوار، والذي بات يشكل تحدياً جوهرياً للأمن والاستقرار الإقليمي. عند مقارنة السياسات الإيرانية عبر العقود، نجد بوناً شاسعاً بين سياسة إيران في عهد الشاه، التي كانت تتسم بقدر من البراغماتية، وبين السياسات الصلفة التي أعقبت إعلان الثورة الخمينية عام 1979. لقد تبنت طهران منذ ذلك الحين نهجاً يعتمد على الإصرار على تصدير الثورة إلى العالم، والعالم العربي على وجه الخصوص، مستخدمة قوة السلاح ومغفلة تماماً أدوات القوة الناعمة.
الجذور التاريخية والتحولات الأيديولوجية لنظام طهران
لفهم طبيعة السياسة الإيرانية الحالية، يجب العودة إلى السياق التاريخي لتأسيس نظام ولاية الفقيه. لقد تجاوزت هذه الثورة في أساليبها ما سبقها من حركات راديكالية عبر التاريخ، حيث سابقت الزمن بافتعال الأزمات، إشعال الحروب، وتشكيل المليشيات المسلحة. اعتمد النظام الإيراني على اختراق سيادة الدول المستقلة، دون أدنى اعتراف أو تقدير لمبادئ السيادة الوطنية والقوانين الدولية. تنطلق هذه الممارسات من عقيدة راسخة لدى صناع القرار في طهران بأن فكرتهم الأيديولوجية لا تعترف بالحدود الجغرافية، وأن استخدام السلاح، الاحتلال، وزرع القلاقل هي الوسائل الأنجع لتوطيد النفوذ وتغيير أفكار وعقائد الشعوب بالقوة.
تداعيات التدخل الإيراني في دول الجوار على الأمن الإقليمي
إن التدخل الإيراني في دول الجوار لم يكن مجرد حوادث عابرة، بل استراتيجية ممنهجة أفرزت تداعيات خطيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. إقليمياً، استمرأ نظام الملالي أذية جيرانه وتأجيج الصراعات الطائفية، مستغلاً العامل الديني والمذهبي كأسرع وقود لإشعال نيران الفتنة في المنطقة. وقد تجلى ذلك بوضوح في محاولات التطاول المستمرة على أمن دول الخليج العربي والأردن، فضلاً عن التدخلات السافرة في دول عربية أخرى. دولياً، يرى العديد من المراقبين أن هذا النهج يخدم، بقصد أو بدون قصد، توجهات بعض القوى الغربية التي تجد في الأيديولوجية الإيرانية ورقة ضغط فعالة لابتزاز العالم العربي.
التكلفة الباهظة على الداخل الإيراني وغياب التنمية
على الصعيد المحلي الإيراني، لم يعد خافياً أن نظام طهران لم ولن يعبأ بمصالح شعبه الذي أنهكه التسييس المستمر. لقد أعمته الأدلجة والتوسع الخارجي عن تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيه من خطط تنموية واقتصادية. إن إقحام الشعوب في حروب دائمة واستنزاف مقدرات الدولة في تمويل المليشيات الخارجية ليس إلا دليلاً قاطعاً على فشل سياسي ذريع. تتذرع القيادة الإيرانية منذ زرع نواتها الأولى بأنها مستهدفة وأن من حقها الرد، إلا أن الواقع الميداني يكذب هذه الادعاءات، خصوصاً أنها باشرت الاعتداءات وتصدير الأزمات فور استتباب الأمن لولاية الفقيه وحرسها الثوري.
الموقف الدولي ومخاطر الصمت تجاه العبث الإيراني
في ظل هذه المعطيات، تبرز تساؤلات ملحة حول من سيوقف هذا العبث المستمر. إن مذكرات التفاهم ومقررات المشاورات الدبلوماسية لم تنجح في كبح جماح هذه السياسات، فكيف يمكن أن تُقنع الحماقات المتتالية بنيات حُسن الجوار؟ المثير للاستغراب هو موقف بعض ساسة الغرب الذين يباركون هذا العبث بالصمت المطبق، وكأن لسان حالهم يقول «لم نأمر به ولم يسؤنا». لكن التاريخ يثبت دائماً أن من يصنع السم يموت به، ومن يشعل النار لإحراق الآخرين ستصل ألسنة لهبها إلى بيته وإن ظنه محصناً. إن استقرار الشرق الأوسط يتطلب موقفاً دولياً حازماً يضع حداً للانتهاكات ويحمي سيادة الدول من التدخلات الخارجية.
The post التدخل الإيراني في دول الجوار: أزمات وتصدير للثورة appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













