تتجه إسرائيل خلال أيام قليلة نحو صناديق الاقتراع لعقد الانتخابات الإسرائيلية التشريعية المرتقبة، والتي تعد أول استحقاق برلماني يجري منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023. وتأتي هذه الخطوة السياسية الحاسمة في وقت تعيش فيه البلاد انقسامات سياسية ومجتمعية غير مسبوقة، وسط تزايد التساؤلات والتكهنات حول مستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يسعى جاهداً لتمديد ولايته والحفاظ على كرسيه في السلطة بعد سنوات طويلة شهدت استقطاباً حاداً وحروباً متعددة الجبهات.
السياق السياسي والخلفية التاريخية للاقتراع
تكتسب هذه الدورة الانتخابية أهمية استثنائية تجاوزت الأطر التقليدية للتنافس بين الأحزاب السياسية، لتتحول إلى استفتاء شعبي مباشر على خيارات نتنياهو ومستقبل الائتلاف اليميني الحاكم. وتمر البيئة السياسية الإسرائيلية بظروف معقدة نتيجة التغيرات الديموغرافية والسياسية التي أدت إلى صعود التيارات الدينية والقومية المتشددة خلال السنوات الأخيرة، مما أعمق الخلافات الجوهرية حول هوية الدولة وآليات إدارة مؤسساتها التشريعية والقضائية.
ولا تزال تداعيات حرب غزة تخيم بثقلها على الشارع والمشهد السياسي بأسره؛ إذ غيرت الأحداث موازين الأولويات الوطنية، وخلفت آثاراً أمنية واجتماعية واسعة. ويظهر ذلك جلياً في انتشار السلاح بين المدنيين، وتصاعد المطالبات بحسم ملف الرهائن والقتلى، فضلاً عن الانتقادات الحادة الموجهة إلى الإخفاقات الاستخباراتية والأمنية التي سبقت الأزمة.
ملفات الفساد والتعديلات القضائية تفاقم الأزمة
لم تكن الأزمة السياسية الحالية وليدة اللحظة، بل ترجع جذورها إلى الأزمات المتتالية التي سبقت التصعيد العسكري، وفي مقدمتها ملف محاكمة نتنياهو في قضايا فساد متعددة، ومحاولات حكومته إدخال إصلاحات وتعديلات واسعة على النظام القضائي. وقد تسببت تلك المبادرات القضائية في اندلاع موجة احتجاجات شعبية هي الأكبر في تاريخ البلاد، حيث كشفت عن شرخ عميق بين المدافعين عن استقلال القضاء والداعين إلى تعزيز صلاحيات السلطة التنفيذية.
ورغم تجاوز نتنياهو العديد من العواصف السياسية طوال فترة حكمه التي تجاوزت 19 عاماً متقطعة كأطول رئيس حكومة بقاءً في المنصب، إلا أنه يواجه اليوم ضغوطاً متزايدة داخلياً ودولياً، خاصة بعد صدور مذكرة توقيف بحقه من المحكمة الجنائية الدولية، مما أضاف تعقيدات قانونية وسياسية ضخمة على المشهد.
اليمين المتطرف وتعميق خطوط الانقسام
شهدت الفترة الأخيرة توسعاً لافتاً في النشاط الاستيطاني بالضفة الغربية المحتلة، تزامناً مع ارتفاع معدلات الاحتكاك والاعتداءات من قبل مستوطنين مسلحين، وهو ما قوبل بانتقادات حادة حيال أداء السلطات الأمنية. وقد برز وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير كأحد أهم رموز التيار اليميني المتطرف الداعي إلى ترسيخ الطابع القومي والديني للسياسات الحكومية، مستفيداً من الشراكة في الائتلاف الذي تشكل في ديسمبر 2022.
ويحذر مراقبون وسياسيون من تداعيات تراجع قدرة مؤسسات الدولة على احتكار السلاح وفرض سيادة القانون، مشيرين إلى أن وصول الأحزاب المتطرفة إلى مواقع التأثير المباشر بات يهدد بتفكيك التوازنات الداخلية الدقيقة.
المعارضة والرهان على البديل السياسي
في المقابل، تحاول قوى المعارضة استثمار حالة الغضب الشديد جراء الإخفاقات الأمنية والاقتصادية لإسقاط حكومة نتنياهو. ويبرز رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت كأحد القادة المحتملين لقيادة هذا التغيير، معتمداً على خطاب يركز على استقطاب فئات الوسط وتخفيف حدة الاستقطاب الداخلي.
وترتكز المعارضة في حملاتها الانتخابية على تحميل نتنياهو المسؤولية المباشرة عن الإخفاقات التي سبقت أحداث أكتوبر، مؤكدة أن بقاء حكومته يشكل عقبة أمام التعافي واستعادة الاستقرار. وتكتسب هذه المواجهة طابعاً شخصياً ورمزياً معقداً، خاصة مع التباين بين مواقف آيزنكوت الذي فقد نجله في معارك غزة، وبين التحركات والجدل المستمر حول تصرفات يائير نتنياهو نجل رئيس الوزراء.
تأثير الانتخابات الإسرائيلية على الخريطة السياسية والأمنية
تتجاوز نتائج الانتخابات الإسرائيلية الترتيبات الداخلية لتلقي بظلالها على الإقليم بأسره؛ حيث يرتهن بها مستقبل العمليات العسكرية الممتدة في غزة ولبنان والمواجهات مع إيران، إلى جانب التواجد في الجولان السوري المحتل. كما أن الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية مع الشركاء الدوليين والإقليميين يتوقف بشكل كبير على شكل الحكومة القادمة وتوجهاتها السياسية.
ويبقى التساؤل المفتوح أمام صندوق الاقتراع: هل ينجح نتنياهو مرة أخرى في تطويق الأزمات وتحويل التحديات العسكرية إلى رصيد انتخابي يضمن بقاءه، أم أن الناخبين سيختارون إسدال الستار على أطول مسيرة سياسية قيادية في تاريخ البلاد؟
The post الانتخابات الإسرائيلية: حسم مصير نتنياهو واليمين appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













