نشرنا في عددين سابقين من جريدة «الأنباء» موضوعين حول: هل نستطيع أن نصنع دواءنا؟ وكان عنوان أحدهما هو: علاجات روحانية، والثاني بعنوان: علاجات مرتبطة بتعديل نمط الحياة.
وفي هذا العدد نستأنف النشر، حيث يكون عنوان الموضوع الثالث: علاجات مرتبطة بالمفاهيم والقيم، ويأتي تحت هذا الموضوع ستة علاجات من الممكن أن يزاولها الإنسان، ليحصل على صحة متكاملة. وهذه العلاجات هي: الحب غير المشروط، والامتنان والحب، والأصدقاء، والسلوك الإيجابي، والتفكير الإيجابي، ويأتي العلاج الأخير وهو عقل مسالم في عالم مجزأ. إن مجموع هذه العلاجات مع العلاجات التي نشرت سابقا وعلاجات ستنشر لاحقا بإذن الله، إذا طبقها الإنسان على نفسه فسيجد أنه يعيش حياة تسودها الصحة والسعادة.
سنتحدث في مقالنا اليوم عن العلاجات الستة المرتبطة بالمفاهيم والقيم التي من الممكن أن يزاولها الإنسان ليحصل على صحة متكاملة، وهذه العلاجات:
1 – الحب غير المشروط.. دواء: الحب ما هو إلا مجموعة من المشاعر والعواطف، ومن هذه المشاعر الإيثار والعمل على سعادة الآخرين، أما الحب المرتبط بالمصلحة الذي إذا قضيت تلك المصلحة انتهى ذلك الحب، فهنا هو الحب المشروط.
وعلى ذلك، فالحب نوعان حب مشروط، وحب غير مشروط، فالحب المشروط هو حب يعتمد على علاقات هشة قابلة للانهيار، يشعر فيه الإنسان بالأمان المؤقت، أما في الحب غير المشروط فيشعر بالقبول الكامل والحرية، ويبني أسسا متينة.
فعن طريق ذلك النوع من الحب تكون السعادة، وقد أثبتت دراسة قامت بها جامعة بافلو الأميركية أن علاقة الحب الدائمة والمنسجمة لها تأثير إيجابي في الصحة الجسمية والنفسية. وبينت دراسة أخرى أجريت في جامعة بيتسبرغ الأميركية أن الحب يساعد على حماية الجسم من الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والاكتئاب. إن البشر مخلوقات اجتماعية، وغالبا ما يكونون أقوى وأكثر صحة وسعادة عندما يشعرون بأنهم قريبون من الآخرين، لذلك علينا أن نبني جسورا من المودة مبنية على الثقة والصدق والوضوح، وهذا ما يؤكد التواصل الاجتماعي المطلوب.
إن لمفهوم الحب غير المشروط معاني إنسانية كبيرة، حيث يقترن ذلك الحب بالعطاء والتراحم والمودة ونكران الذات.
2 – الامتنان والحب.. دواء: علينا أن ندين لمن يقدم لنا خدمات في حياتنا من مثل عامل النظافة والطباخ والموظف وكل من يحيط بنا من أفراد أسرتنا، ندين لهم بما يقدمونه لنا، وبما يسعدنا، لذلك يجب أن نقدم لهم الامتنان الذي يعد صفة من صفات الشكر وبيان التقدير لهؤلاء الذين يقدمون لنا خدمات جليلة تجعل حياتنا أكثر يسرا وأكثر سعادة، وقد أظهرت دراسات كثيرة أن الشخص الذي يشعر بالامتنان تجاه الآخرين تنشط عنده مناطق معينة في أجزاء معينة من قشرة الفص الجبهي للدماغ، وهي التي تسمح بالتفكير وتعمق الإحساس. كما أن للامتنان والحب دورا في الوقاية من الاكتئاب، وتعزيز الشعور بالسعادة. وفي دراسة نشرتها مجلة علم النفس الإيجابي التي تصدرها جامعة اسكودا التركية حول العلاقة بين الامتنان وصحة الإنسان بينت أن الامتنان مرتبط بمستويات أعلى من الرفاه الاجتماعي والسعادة والرضا عن الحياة. ويزيد الامتنان والحب من المناعة النفسية، وتقل عندهم أعراض القلق، حيث إنهم يركزون على الجوانب الإنسانية في الحياة. إن الامتنان والحب يقللان من مستويات الإجهاد والاكتئاب كما يقللان من معاناة المرضى الذين يعانون قصور القلب.
3 – الأصدقاء.. دواء: للأصدقاء دور مهم في الدعم النفسي، فهم يعززون الثقة بالنفس، خاصة عندما تواجهنا المشكلات، فوجود الأصدقاء في حياتنا يشعرنا أننا لا نعيش في هذه الحياة بمفردنا. فالصديق الصدوق هو من نتشارك معه في معظم خصوصياتنا، فعن طريق الصديق المخلص الوفي نتفادى الشعور بالوحدة التي قد تعرضنا للاكتئاب، ولا يقف تأثير الصداقة في الصحة النفسية فقط، بل يتعداه إلى الصحة الجسمية، وقد تبين أن الأشخاص المسنين الذين يرتبطون بعلاقات اجتماعية جيدة مع الآخرين يعيشون فترة أطول من أولئك الذين ليست لهم علاقات، ويكونون أيضا أقل تعرضا للمشكلات الصحية.
ومما يشكل أرضية قوية للعلاقات الشخصية هو وجود ذكريات وأحداث مشتركة ومواقف اجتماعية تكونت على أثرها مشاعر إيجابية أبقت كثيرا من الذكريات الجميلة التي تعد كنزا ثمينا وعميقا بين شخصين متصادقين.
4 – السلوك الإيجابي.. دواء: في مسيرة الحياة يجب على الإنسان أن يكون سلوكه إيجابيا، فالتشاؤم يجعل الحياة كئيبة. نحن بصفتنا بشرا قد نواجه صعوبات وكثيرا من المشكلات، ولكن الحياة أيضا تعطينا كثيرا من السعادة، بل أكثر مما نتصور. والغريب أنه قد ثبت أن السلوك السلبي تجاه الحياة والتشاؤم فيها يؤدي إلى أمراض جسمية ونفسية عديدة، وفي دراسة قام بها باحثون في جامعة تكساس أن العوامل النفسية السلبية تؤدي دورا في سرعة ظهور أعراض الشيخوخة، وأكدت الدراسة أن هناك علاقة بين العقل والجسم، وأن أفكارنا وسلوكنا ومشاعرنا تؤثر في الوظائف البدنية، وفي صحة الجسم بشكل عام، فالسلوك الإيجابي والتفاؤل يزيدان من مقاومة الجسم للأمراض، ويمنحان الإنسان السعادة.
للتفكير الإيجابي دور كبير وفاعلية تفوق العلاج الطبي، فالإنسان طبيب نفسه. فإذا رضي بما قسمه الله عندئذ سيقوي النظام المناعي لجسمه، وقد بينت دراسة قام بها فريق من جامعة كونيكتيك أن من يتقبل كل الأمور برحابة صدر يمكن أن يعيش سنوات أطول من الآخرين. فعلينا أن نحرص على السلوك الإيجابي في حياتنا، وأن تكون نظرتنا في الحياة نظرة إيجابية تملأ أنفسنا بالتفاؤل والاستبشار وتوقع الخير.
5 – التفكير الإيجابي.. دواء: عندما نصاب بالتوتر علينا أن نفكر كيف نتحكم بذلك الشعور، فقد وجد أن التفكير الإيجابي والتفاؤل ضروريان لحياة هادئة ومستقرة وسعيدة، أما إذا كانت نظرتنا للحياة سلبية وتشاؤمية فستكون أفكارنا أيضا كذلك. إن التفكير الإيجابي يجعلنا نتجاهل المواقف السلبية في الحياة، وعلينا أن نرسخ في أذهاننا التفاؤل بأن القادم من الحياة هو الأفضل وليس الأسوأ.
التفكير الإيجابي يمنحنا فرصة لتعلم أشياء جديدة في هذه الحياة، وإذا كنا نريد أن نعيش في هذه الحياة بعيدين عن المنغصات، علينا أولا عدم تضخيم الأمور السلبية لأي موقف يواجهنا، ولا نبحث عن الكمال التام، فإن ذلك قد يؤدي إلى الفشل، كما وجد أن تفكيرنا بإيجابية يكون له تأثير في الصحة الجسمية، أما التفكير السلبي فإنه يعطي الشخص شعورا وهميا بالمرض، كما أن التفكير الإيجابي يعطي للإنسان فرصة تحسين مهارات التكيف النفسي خلال الأوقات الصعبة، وتعزيز الإنسانية، فالإيجابيون لا يتسرعون في الحكم على الآخرين، إضافة إلى مقاومة الأمراض وتقوية الجهاز المناعي.
إن للتفكير الإيجابي منافع جمة تنعكس على صحة الإنسان، ومنها:
٭ إطالة التمتع بالحياة الصحية، ومقاومة الأمراض، وتقوية الجهاز المناعي.
٭ تحسين مهارات التكيف النفسي خلال الأوقات الصعبة.
٭ تخفيف التوتر، فمن يتمتع بالتفكير الإيجابي يقوم بوضع خطط للسير عليها دون التفكير بالإحباط.
٭ تعزيز الإنسانية، فالإيجابيون لا يتسرعون في الحكم على الآخرين.
٭ التمتع بالإيجابية يساعد على تكوين مشاعر رضا تجاه الآخرين.
٭ يتميز الشخص إيجابي التفكير بالمرونة تجاه المشكلات التي تواجهه، مع محاولة التغلب عليها.
٭ إن الامتنان والشكر على ما نواجهه من مواقف جيدة في حياتنا يساعد على بناء نفسية جيدة قوية.
٭ المساعدة على تخفيف القلق والاكتئاب، لأن الأشخاص الإيجابيين يميلون إلى القيام بأنشطة تعزز الرفاهية، وممارسة التفاؤل. ومن ثم فإن تحسين العلاقات الشخصية يؤدي إلى علاقات اجتماعية إيجابية.
6 – عقل مسالم في عالم مجزأ.. دواء: عقل مسالم يعني عقل الشخص الذي يبقى هادئا ومتوازنا في كل موقف، وهو يعني الهدوء والاتزان وضبط النفس. والعقل الهادئ والمتزن هو الذي لا يهرب من فكرة إلى أخرى بطريقة مضطربة، وهو الذي يمكنه اختيار الأفكار التي يجب أن يأخذ بها، والأفكار التي يجب أن يرفضها ويفرق تفريقا فاصلا بين ما ينبغي أن يوزن بالعقل وما ينبغي أن يوزن بالعاطفة، لذلك نجد أن الأشخاص الذي يتمتعون بعقل مسالم يمكنهم التفكير بهدوء واتخاذ القرار المناسب عند كل لحظة، وهم دائما ما يكونون متوازنين نفسيا، وهذا ما يعطي فرصة للعقل بالتفكير السليم، بحيث لا يسمح للآخرين بالتأثير فيهم أو في شعورهم أو سلوكهم.
إن اطمئنان النفس يؤدي إلى احتواء الأزمات وإدخال السعادة على الإنسان. ويأتي هنا سؤال: كيف نصل إلى عقل مسالم في هذا العالم المضطرب؟ علينا أن نتعامل مع أنفسنا ومع الآخرين في حب ووئام والابتعاد عن العنف وتسوية النزاعات بالتنازل وأن نجعل آراءنا معتدلة، وللوصول إلى مرحلة أن نكون مسالمين في حياتنا، علينا أن نبدل: الصراع بالتصالح، والتذمر بالرضا، والكره بالحب، والحسد بالعطاء، واللوم بالتسامح.
ويرى فيكتور فرانكل (1953م)، وهو طبيب أميركي أن الإنسان لا يمكن أن يعيش بالدواء وحده، بل يحتاج إلى معنى يمنحه القدرة على مواجهة المرض، ويقول إن الصحة عبارة عن تفاعل معقد بين العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية، ويذكر بأن الإنسان الذي لديه سبب يعيش من أجله، يستطيع أن يتحمل تقريبا كيف يعيش، وأن الإحساس بالمعنى والغاية من الحياة يمثل قوة علاجية مهمة تساعد الإنسان على مواجهة المعناة والمرض.
ويؤكد ابن سينا (ت 1037م) وهو من أوائل الأطباء الذين أشاروا إلى العلاقة بين النفس والجسم، حيث ذكر في كتابه الشهير القانون: «أن الانفعالات النفسية تؤثر في وظائف الجسم وصحة الإنسان»، بينما يذكر مايكل مارموت (1945م) وهو طبيب بريطاني ويعد من أحد أبرز الباحثين في المحددات الاجتماعية (وهو مصطلح يستخدم في مجال الصحة العامة ويشير إلى العوامل غير الطبية التي تؤثر بشكل كبير في صحة الأفراد والمجتمعات وجودة حياتهم) يقول مارموت: «إن الروابط الاجتماعية والشعور بالسيطرة على الحياة والعدالة الاجتماعية تؤثر في الصحة وطول العمر»، ويقول الطبيب النفسي الأميركي جورج أنجل (1913م – 1999م) إن المرض لا يمكن فهمه من خلال العوامل البيولوجية وحدها، بل يجب النظر أيضا إلى العوامل النفسية والاجتماعية.
والخلاصة أن الإنسان لا يمكن أن يعيش بالدواء وحده، بل يحتاج إلى معنى داخلي يمنحه القدرة على مواجهة المرض ومشقات الحياة.
إن أنماط الحياة والعلاقات الإنسانية ليست عوامل هامشية، بل عناصر مؤثرة في الوقاية والعلاج، ولعل هذا يؤكد ما قاله ابن سينا قبل قرون حين أشار إلى الترابط الوثيق بين أحوال النفس وصحة البدن.
ومن هنا، فإن صناعة الإنسان لدوائه لا تعني تصنيع العقاقير، بل تعني أيضا بناء المعنى، وترسيخ القيم، وصناعة بيئة نفسية واجتماعية تعزز الشفاء وتحفظ الصحة. وأصبح العلاج أكثر شمولا بحيث يأخذ في الاعتبار الإنسان بكل أبعاده الجسدية والنفسية والاجتماعية والثقافية، ومن هنا تبرز أهمية العلاجات المرتبطة بالمفاهيم والقيم.. وأن صحة الإنسان تتشكل من خلال منظومة معتقداته وسلوكياته وعلاقاته الاجتماعية ونظرته إلى الحياة.
بقلم : أ.د.مرزوق يوسف الغنيم
الأمين العام المركز العربي لتأليف وترجمة العلوم الصحية











