أعز مكان في الدُّنى سرج سابحٍ
وخير جليسٍ في الأنام كتابُ
هذا بيت من قصيدة قالها أبوالطيب المتنبي يصف بها نفسه، ويعبر فيها عن مشاعره تجاه الحياة، وما مر به من تجارب، كما يفخر بأعماله كلها. ويقول ضمن ما جاء فيها: إن فؤادي ليس مرمى للغواني، لأنه لا يخضع لإغرائهن، وأنا اختار بدلا منهن مجالا آخر ذكر منه أن أصابعه لا يهمها إلا التمسك بأعنة الخيل التي يمتطيها في مواجهة ما يقابله من أخطار. ومن أجلها ترك كل شهوة من شهوات الدنيا، ولم يبق له مما يشتهيه إلا الرماح التي كانت سلاحه في كل موقعة خاضها، لا يثنيه تعب، ولا يهمه لعب، فقد اشتغلت نفسه بما هو أكبر خطرا، وأهم ما في الدنيا عنده هو أن يكسب المرء المكانة العالية التي يرجوها. يقول:
وغير فؤادي للغواني رمية
وغير بناني للزجاج ركاب
تركنا لأطراف القنا كل شهوة
فليس لنا إلا بهن لعاب
أما الخيل فيكفى المتنبي سببا للتمسك بها، وعشق ركوبها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ورد في صحيح مسلم ونصه: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة…».
وأما الكتاب فهو غني عن الذكر والوصف، وهو وعاء العلم الحافظ له، والناقل لما يحتاج اليه البشر من مختلف علوم الدين والدنيا، والقرآن الكريم كتاب جعله الله سبحانه وتعالى معجزة من المعجزات التي أمد بها رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. وعنه قال في مطلع سورة آل عمران: (الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4)).
٭ ٭ ٭
ولقد أحبت نفسي القراءة منذ الصغر، وذلك منذ كنت تلميذا صغيرا في مدرسة المثنى التي كانت قائمة في شارع فهد السالم، وكان ناظرها المربي الفاضل الأستاذ عقاب محمد الخطيب، وكان يدير هذه المدرسة على النمط الحديث، ويعنى بالأنشطة المدرسية بكل أنواعها حتى لقد أنشأ فيها أول مكتبة مدرسية في الكويت، ولقد كنت مع زملائي نتردد عليها في أوقات فراغنا من حصص الدراسة، كما كنا نحضر مع مدرسينا في بعض دروس القراءة فيها. وهذا هو ما حبب إلي وإلى زملائي متابعة القراءة فيما بعد.
وانتقلت بعد ذلك إلى الدراسة في معهد الكويت الديني، وهناك أسعدني الحظ بتلقي الدروس على يد شيخنا الأستاذ السيد أحمد صقر، وهو عالم جليل له تحقيقات لعدد من الكتب التراثية، منها كتاب إعجاز القرآن وهو من تأليف القاضي محمد بن الطيب الباقلاني، وكتاب تأويل مشكل القرآن الذي ألّفه عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ومنها كتب أخرى في فنون الأدب وجوانب التاريخ. ولقد كانت طريقته في التدريس مختلفة إذ كان يأخذنا إلى المكتبة التي كانت غنية بالكتب، وكان يحثنا على مراجعة موضوع الدرس في أكثر من كتاب. ثم يأمرنا بكتابة أبحاث تتناول دراسة جوانب الموضوع وما قد تكون لنا عليه من ملاحظات أو استفسارات.
وعن طريق الأستاذ السيد أحمد صقر تعرفت أنا وبعض زملائي على العلامة الأستاذ محمود محمد شاكر. فقد ذهب معنا إليه، ثم استمرت صلتنا به. وفي بيته جلسنا معه ودرسنا على يديه نحن وعدد كبير من الزملاء أتوه من بلدان مختلفة، واستفدنا من مكتبته التي لا تدانيها مكتبة تخصصا وتنوعا.
وفي هذا البيت العامر بالمعرفة سعدنا بلقاء فضيلة الشيخ أحمد حسن الباقوري، وكان عند وصولنا في سنة 1956م وزيرا للأوقاف هناك، وهو رجل غني عن التعريف، وقد استمرت العلاقة به إلى أن انتقل إلى رحمة الله. وقد تكرم – آنذاك – فأهدانا مجموعة من الكتب كان من بينها كتاب لسان العرب الذي ألفه محمد بن مكرم بن منظور، وهو مطبوع في دار صادر ببيروت.. ومنذ حصلت على هذا الكتاب المهم وأنا ملازم له، استفيد بما فيه من معلومات، وأجد في ثناياه الإجابة على كل سؤال يتعلق بمفردات اللغة العربية، كما أجد ما يزيد معلوماتي ببعض الأخبار، وبمختارات من أقوال الأوائل من الرؤساء والعلماء والأدباء، فأخرج من قراءتي بحصيلة مهمة نفعتني طوال حياتي، وجعلت هذا الكتاب هو المرجع الذي لا غنى لي عنه.
مؤلف كتاب لسان العرب هو محمد بن مكرم بين منظور، وهو عالم موسوعي من علماء الأمة العربية الأوائل من مواليد تونس في سنة 1232م، عاش بقية حياته في مصر، وتوفي بها في سنة 1311م، وله إلى جانب كتابه الضخم الذي مر بنا ذكره، عدة كتب في شتى فنون اللغة والأدب منها كتاب اختصر فيه كتاب الأغاني للأصفهاني في ثمانية مجلدات، إضافة إلى أعمال أخرى، وكان له عدد كبير من الطلاب كانوا يتلقون العلم عنه عبر حياته الطويلة التي أمضاها في التأليف والتعليم.. وقد قال عنه شيخ الإسلام شهاب الدين أحمد بن حجر في كتابه: «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» ما نصه.
«وجمع في اللغة كتابا أسماه «لسان العرب» جمع فيه بين كتب التهذيب والمحكم والصحاح، والجمهرة، والنهاية، وحاشية الصحاح. وجوده ما شاء، ورتبه ترتيب الصحاح، وهو كبير». ومن مجموعة هذه المراجع التي استقى منها ما ورد في كتابه، واثبتها العلامة ابن حجر، نعرف مدى اهتمام ابن منظور بعمله، ولا شك في أن هذا الاهتمام هو الذي كفل له الإجادة في العمل، حتى نال الإشادة به من علماء عصره وممن لحق بهم. ولا يزال كتاب لسان العرب مرجعا مهما ضمن مراجع علوم لغتنا العربية: اكثرها اتساعا، وأجودها عرضا، وأقربها إلى الأفهام.
وبهذا العمل وبغيره من أعماله نال اهتمام كل المشتغلين بالعلم والأدب وثناءهم على كل ما قام بتأليفه من كتب، وجرى ذكره في كل الكتب التي جرى تأليفها بعد وفاته وكلها تثني عليه، وعلى إنتاجه العلمي، ومن يطلع على كتاب ابن منظور: «لسان العرب»، فإنه يعجب له من عدة وجوه، منها الاتساع في عرض المواد المختلفة التي احتوى عليها. وضخامة حجم العمل، ومقدرة المؤلف، وإتقانه لكل جوانب موضوعات الكتاب، حتى لقد صار مرجعا في كثير من الأمور المتعلقة باللغة العربية وأدبها، مع فوائد عديدة يجدها القارئ في أثناء قراءته حتى ليشعر بأنه كان يخوض في بحر من العلم له جوانب متعددة، ومن أي اتجاه جاءه أغناه وأفاده.
وهو يعرض ما فيه على طريقة المعاجم (القواميس) المعروفة، وذلك بأن يرجع إلى أصل الكلمة التي يريد بيان معانيها، ثم يرصد كل ما يتصل بها من معلومات لغوية وتاريخية، بل ودينية.
وهو يرتبه بحسب ترتيب حروف الهجاء متخذا سبيله إلى بجعل الحرف الأخير من اللفظ هو الأساس الذي يعرض الألفاظ على منواله.
فالكتاب يبدأ بالكلمات التي تنتهي بحرف الألف، ويستمر بها إلى نهايته بما ينتهي بحرف الباء. وكل لفظ من هذه الألفاظ يطلق عليه مادة، لأن اللفظ الواحد مادة تحتوي على ألفاظ ذات معلومات كثيرة ومتنوعة، والقارئ إذا أراد معرفة معنى لفظ (حبارى) رجع إلى لفظ الراء فوجد في مادة (حبر) – مثلا – كل ما يحتاج إلى معرفته من معاني اللفظ، فهو يقول هنا:
«حبر، ومنه: الحبارى، وهو طائر معروف بهذا الاسم يصاد بواسطة الصقور»، وهذا هو ما نعرفه عن الحبارى عندنا غير أننا ننطقها بفتح الحاء لا ضمها كما في اللغة الفصحى.
وإذا أراد أحد القراء أن يعرف معنى لفظ (الحنجور) وجده في حرف الراء أيضا، حيث يرى ما كتبه ابن منظور في مادة (حنجر) وهو قوله: «الحنجور: الحلق».
والحنجور فهو معروف في لهجتنا، وهو – تماما – كما ذكره ابن منظور غير أن اللهجة تجعل الجيم ياء فيقال: حنيور، ومنه كنا نستمع إلى إحدى الشتائم المعروفة، وهي قولهم «رد الماي ابحنيورك» ورد هنا بمعنى رجع، وابحنيورك، تعني في حنجورك.
٭ ٭ ٭
بين يدي كتاب لسان العرب المطبوع لدى دار صادر، بيروت، وهذه الطبعة هي التي أعود إليها دائما، وهي التي أشرت إلى طريق وصولها إلي، تتكون من خمسة عشر مجلدا من القطع الكبير. وكل مجلد يحتوي على عدد كبير من الصفحات.
وقد اخترت – في هذا الموقع – أن أقرأ الجزء العاشر من الكتاب، وهو جزء يضم ذكر معاني الألفاظ التي تنتهي بحرف القاف وحرف الكاف على التوالي، وقد وقع اختياري على هذا المجلد لأنه يضم في نهايات الألفاظ التي وردت فيه ما فيه أحد هذين الحرفين بسبب توسطهما بين مجموع الحروف العربية، وهنا أريد أن استعرض بعض الألفاظ الواردة حسب ما ذكرت وسوف اختار منها ما له شبيه من ألفاظ اللهجة الكويتية، حتى ندرك الصلة المتمكنة بين لهجتنا وأمها العربية الفصحى، وهذا هو العرض الذي أردت تقديمه مقتصرا فيه على ما آخره حرف القاف:
1 – من ألفاظ اللهجة الكويتية ذات الأصل الفصح لفظ: البخنق، وهو ملبس يغطى رأس الصغيرات من الفتيات، وقسما من ظهرهن، وصفه مؤلف كتاب لسان العرب بأنه: «خرقة تلبسها المرأة، فتغطي رأسها، ما قبل منه وما دبر غير وسط رأسها» (يقصد غير وجهها، وهذا هو البخنق عندنا).
2 – لفظ: برق ومنه في الفصحى واللهجة الكويتية معا: البرق اللامع في السماء قبل الرعد عند تكاثف الغيوم وبدء الأمطار، ومنه لفظ برق بتشديد الراء المفتوحة ويقصد به من يركز النظر في اتجاه معين، ومن حروف هذا اللفظ الابريق وهو المستعمل عند غسل اليدين أو الوضوء. وتعقيبا على هذا، نذكر أن البرق يطلق عليه عندا – أحيانا – لفظ بارق، وتنطق القاف جيما مثل الذي نراه في قول الشاعر سمير بن صليهم:
منهو اللي يخيل البرق بقعد وأخيله
هو من الشرق ولا بارج من شمال
والأبرق: هو ما اجتمع فيه بياض مع سواد من كل شيء، فيقال: عباءة برقاء، وماعز برقاء وهكذا.. وقال ابن منظور: «وتيس ابرق، فيه سواد وبياض».
والعباءة البرقاء نوع من الأردية (جمع رداء) يشبه البشت تماما يلبسه الرجال عندنا قديما، وقد اختفى الآن.
ويتكرر هذا اللفظ على أماكن في الكويت لا تزال تحتفظ بأسمائها ومن ذلك: أبرق خيطان، وبرقان وغيرهما.
3 – لفظ بعق، ومعناها في الفصحى والعامية: رفع صوته، وتنطق في اللهجة الكويتية – أحيانا – بالجيم فيقال: ايبعج كما تنطق العين غينا فيقال: ايبغج.
4 – ولفظ (بقق) ومنه البق، وهو نوع من الحشرات معروف عندنا قديما وحدثيا، واللفظ فصيح كذلك، وفي هذا يقول ابن منظور في كتابه: «لسان العرب».
قال بعض الأعراب يهجو قوما قصروا في ضيافته:
يا حاضري الماء، لا معروف عندكم
لكن أذاكم علينا رائح غادي
بتنا عذوبا، وبات البق يلسعنا
نشوي القراح كأن لا حي في الوادي
إني لمثلكم في مثل فعلكم
إن جئتكم، أبدا، إلا معي زادي
ويقول: «ومعنى نشوي القراح أن يسخن الماء البارد بالنار لأن البارد يضر على الجوع».
ولفظ (بق) في الفصحى يعني: خرج الشيء من مكانه، وفي لهجتنا نقول: فلان بق الجربة، أي القربة، ويقصد بذلك أنه فتحها وأخرج ما فيها، وهذا مثل يدل على أن الرجل المشار إليه، أفشى السر وأذاعه على خلاف ما ينبغي منه أن يفعل فهو يشبه من يفرغ القربة من مائها.
5 – حذلق: ذكر ابن منظور أنه فعل مشتق من الحذلقة، وفسر هذه الكلمة بأنها: التصرف بظرف، وذلك بأن يبذل المتحدث جهده في أن يكون لبقا في حديثه، يرتاح السامعون إلى سماعه ومن ذلك في المعنى لفظ: تبلتع أي أعرب عن مراده بأسلوب يدل على ذكائه، ومما يقاربه في لهجتنا لفظ ايتحيلق، وهو الذي يحاول اكتساب رضا شخص منا بقول لطيف.
6 – حمق، وهذا لفظ له عدة معان في الفصحى، وله عدة تركيبات قد تختلف معانيها، ومنها لفظ: الحميميق، وهو طائر من الطيور الجارحة متوسط الحجم، معروف عندنا بهذا الاسم، ولكنه ينطق بابدال القاف جيما في آخره فيقال: إحميميج.
7 – وأورد «لسان العرب» لفظ (خزق) فذكر أن من معانيه: انخزق الشيء، أي: ارتز في الأرض، ونقل عن أحد علماء اللغة قوله: «كل شيء حاد رززته في الأرض وغيرها فارتز فقد خرقته».
ويقصد بالخزق أن يدق أحدهم مسمارا في خشبة بحيث لا ينفذ إلى جانبها الآخر، ويقصد بالخرق (بحرف الراء) أن ينفذ المسمار إلى الجهة الأخرى.
وما ذكره ابن منظور هنا من ألفاظ اللهجة الكويتية هو لفظ: ارتز، بمعنى انتصب فكل عمود منتصب يقال له: مرتز، وتذهب اللهجة الكويتية في ذلك مذهبا آخر، فإنه إذا وقف أمامك شخص وأطال الوقوف دون أن يتحرك أو يتكلم، فإنك تقول له: أشفيك مرتز جذَّامي؟، بمعنى ما بالك واقف أمامي.
8 – خلق: من معاني هذا اللفظ أنه وصف للقديم من الثياب في اللغة العربية الفصحى، وفي اللهجة الكويتية كذلك، ويقال عندنا – أيضا – عن الدشداشة القديمة: خلقونه واخلقه.
9 – دبق: وصفه ابن منظور بأنه ثمر شجر في جوفه شيء كالغراء الأزرق، وهو يلزق يجتاح الطائر فيصاد به، وكل ما يلزق به الشيء فهو دبق، ونحن نعرف الدبق الذي يصاد به الطير، كان يأتينا من لبنان في منتصف القرن الماضي، وكان الأهالي هناك يضعون الدبق (وهو أخضر اللون) على عود طوله خمسون سنتيمترا تقريبا فيربط في غصن شجرة حتى إذا وقع عليه طائر التصق به.
10 – الربق: وهذا اللفظ هو جمع ربقه، وهو اسم يشمل الحبل الذي تربط به الغنم مع الحلقة التي في وسطه، وجزء منه يحيط برقبة الماعز وما شابهها من الحيوانات الأهلية، وفي منتصف الحبل حلقة تسهل حركة الحيوان المربوط بهذا الحبل وتسمى عندنا ميول، وأصلها: مجول، لأنها تيسر للحيوان التجول أثناء ربطه بالربقه التي هي مجمل الحبل والحلقة وتنطق عندنا: ربجه، بقلب القاف إلى جيم.
11 – رتق: وهذا لفظ من معانيه: أصلح الثوب المشقوق بالجمع بين شقيه بالخياطة، ومن معانيه ما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون) (سورة الأنبياء، الآية رقم 30).
وقد فسر المفسرون معنى ما جاء في هذه الآية الكريمة بقولهم: «شقت السماء بالمطر، وشقت الأرض بالنبات».
ويأتي هذا اللفظ في لهجتنا كما هو في الفصحى، ولكننا ننطقه بالباء في آخره لا القاف، فيقال: رتب فلان الثوب.
هذا والفتق في اللهجة الكويتية وفي الفصحى معناه بخلاف الرتق، وذلك هو الشق، ولكننا نعنى بالفتق – تحديدا – إزالة الخياطة من بين جزأين من القماش.
12 – رقق: قال ابن منظور عن الرقيق إنه نقيض الغليظ التخين، وهذا اللفظ بمعناه المذكور هنا وارد في اللهجة الكويتية مع إبدال حرف القاف بحرف الجيم، فيقال في لفظ رقيق: رجيج، بكسر الجيم الأولى، وقد ذكر الشاعر الشعبي الكويتي هذا اللفظ في شعره فقال:
خاطري طاب من ذاك الفريج
صد قلبي وأنا تابع هواه
كل يوم وأنا أدق الطريج
محد قال لي واعزتاه
خبروا راعي الثوب الرجيج
لا يجيني ولا عيني تراه
ومن مثل هذا اللفظ في إبدال القاف بالجيم في اللهجة: الرفيق بمعنى الصاحب، فهي تنطق عندنا: الرفيج.
13 – زحلق: ومن هذا اللفظ: الزحلوقة، وهي ما ينزلق عليه الصغار من أعلى إلى أسفل، باعتلاء مرتفع مائل، ويسمى عندنا الزلاقية، وصار لها الآن جهاز خاص يصنع من الحديد، وكنا – في الماضي – نلجأ إلى الرمال المكدسة فنمارس لعبنا – ونحن صغار – بالتزحلق عليها، ومما يذكر أنه كان في خلف سور الكويت مما يلي بوابة الجهراء مرتفع رملي كبير كان الأهالي يذهبون إليه بأطفالهم في رحلة نزهة ولعب، وقد ذكر الشاعر الكميت بن زيد الأسدي المتوفى سنة 121هـ كبر السن وشبهه بأنه يقوم مقام الزحلوقة، إذا يسقط المرء بعده في حضيض الشيخوخة، فقال:
ووصفهن الصبا إن كنت بالغه
وفي مقام الصبا زحلوقة زُلل
ووصف الشاعر الجاهلي امرؤ القيس القبر فقال:
لمن زحلـوقة زُل
بها العينان تنهل
ينادي الآخــر الأُلُّ
ألا زلـــوا ألا زلــــوا
14 – شرق: وهذا لفظ له عدة معان منها قول ابن منظور: «شرق فلان بريقه، وغص بريقه»، وهو يريد بهذا أن معنى الجملتين واحد.
وفي لهجتنا نقول: شرق العدو ابريجه، أي غص العدو بربقه، والقاف تنطق كما ينطق حرف (G) الانجليزي في لفظ (Good).
15 – شقق: والشق هو ما يحدث للعود أو للثوب حين يصدع أي منهما، والشق – أيضا – من أسماء بعض الأماكن الكويتية منها ما هو بهذا اللفظ، ومنها به إضافة وتغيير في بنية اللفظ مثل: شقه الجليب، وشقة حومة، وغيرهما.
16 – صعق: ورد من معاني هذا اللفظ ما يطلق عليه اسم: الصاعقة، وهي كما ذكر ابن منظور في كتابه: «لسان العرب»:
«نار تسقط من السماء في رعد شديد»، وتنطق عندنا: الصاجعة، تقول النساء لعدوهن أو عدوتهن: «يا مال الصاجعة، حينما يرغبن بالدعاء على أي منهما».
17 – صفق: لفظ له عدة معان منها صفق الباب إذا أغلقه بشدة ومنه – وهو فصيح – رده بمعنى أغلقه. وفي اللهجة يقال: خرج الرجل وصفق الباب وراءه، أي أغلقه بشدة.
وأم صفق: موقع من المواقع الكويتية مذكور في خريطة الكويت نراه في شمال مركز الوفرة، كان يحتوي على عدد من آبار المياه، وبه تزرع بعض الخضراوات. يبعد عن العاصمة مسافة 80 كيلومترا وبه ثميلة أم صفق، والثميلة مجموعة آبار أو حفر قليلة العمق نغطيها الأمطار.
18 – فرق: يقول ابن منظور: «الفرق، خلاف الجمع، وقيل فرق بفتح الراء، ويقال للإصلاح فرقا، وتشدد الراء المفتوحة (فرّق) للافاء تفريقا».
واللفظ بمعنييه دارج في لهجتنا، ومنه وهو في الفصحي والعامية – فرق الشعر عند قمة الرأس إلى قسمين.
والمجموعة من الناس تدعى فريق، ومنه جاء اسم فريق كرة القدم، وفي اللهجة يطلق على تجمع السكان في حي من الأحياء ثم أطلق على الحي اسم: الفريق ولكننا نقلب القاف إلى جيم فنقول: فريج، بكسر الفاء.
والفلق – أيضا – لفظ يأتي بمعنى الشق، ويطلق عندنا على شق المحار (أيام الغوص على اللؤلؤ) وبالفلق يحصل الغواصون على ناتج جهد هم في هذا العمل.
يتولى الفلق كافة البحارة بصفة يومية وهم على سطح السفينة وتسمى السكين التي يفلقون بها المحار: مفلقة.
19 – لفق: ومن المعاني التي وردت لهذا اللفظ في كتاب لسان «لفق الشفتين يلفقهما لفقا. ولفقهما هو ضم إحداهما على الأخرى»: وفي اللهجة الكويتية نقول للذي يطيل حديثة بالسوء: إلفقها، أي اطبق شفتيك واسكت.
20 – محق – المحق هو النقصان وذهاب بركة الشيء وفي اللهجة الكويتية يقال: امحق، عن الشيء الذي لا خير فيه.
21 – مرق – لفظ من معاينة ما ورد في قول سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إن من البيض ما يكون مارقا» وقد فسر ابن منظور لفظ (مارق) بأنه بمعنى: فاسد، وهذا لفظ دارج في لهجتنا وتنطق الجيم منه: ياء فنقول: هذا بيض ماري.
22 – مطق: التمطق هو التلمظ، والتذوق مع إبداء صوت التصاق اللسان بسقف الحلق، وقد يقال تلمظ. واللفظ مما يرد في لهجتنا.
23 – نتق: جاء في «لسان العرب»: «ينتق الشيء، ينتقه نتقا: جذبه واقتلعه».
وهذا اللفظ مما يجري به الحديث في لهجة بلادنا، ولكن المعنى إن لم يكن مطابقا تماما لما جاء في الكتاب المذكور، فإنه قريب منه، يقول المرء: سرت في الطريق فنتق لي كلب من السكة التي كانت على يميني. هذا وكل شيء يخرج من مكمنه فجأة فإنه يقال عنه: نتق.
24 – نزق: يحدث ابن منظور عن لفظ (نزق) فقال: إنه خفة في كل أمر، وعجلة في جهل وحمق. وفي اللهجة الكويتية يجري تسمية الشخص المتصف بهذه الصفات فيقال عنه إنه: نزغه. فتقلب عندنا القاف إلى غين.
25 – وهق: ذكر ابن منظور هذا اللفظ، وقال: وهق، الوهق: الحبل المغار (أي الشديد الفتل)، يرمى وفيه أنشوطة فتؤخذ به الدابة والإنسان «وقد أخذت اللهجة من هذا اللفظ معناه، فاعتبروا أن من سار في طريق، ثم جهل باقي مسارة فقد توهق أي وقع فيما يشبه الوهق المعروف في الفصيح. ومما ورد في الشعر الشعبي من ذكر لهذا اللفظ تحول الشاعر فهو بورسلي:
وهقوني ابعرفه ناقلين الخطية
مثل ما وهق العطشان ضوح السراب
وتنطق (وهق) بعدة تصريفات، فيقال: توهق فلان إذا وقع في ورطة وهي هنا بمعنى الأزمة المربكة نتيجة مشكلة تعرض للإنسان.
٭ ٭ ٭
هذه نماذج قليلة اخترتها من بين عدد هائل من الألفاظ العربية التي استطاع العالم الجليل محمد من مكرم بن منظور أن يجمعها، ويذكر كل ما أحاط بها من معان وما ذكرت فيه من نصوص منها ما هو من القرآن الكريم والحديث الشريف، ومنها ما هو من كلام العرب شعرا ونثرا.
ولقد تبين فيما تم اختياره من إيقاظه مع بيان معانيه، أن هذا المختار ذو صلة لا شك باللهجة الكويتية التي يتحدث أبناء الكويت بها حتى هذا اليوم، ولن أدعي أن هذه الألفاظ هي كل ما جاء في كتاب لسان العرب مما هو مطابق لألفاظ لهجتنا، بل إن هذا الكتاب بمختلف مجلداته يضم عددا كبيرا من الألفاظ الدارجة عندنا، وهي من أصل فصيح.
وهذا يدعونا إلى الاعتزاز بلهجتنا والتمسك بها فهي ذات أصول عربية عريقة وثقها كتاب مهم من بين معاجم اللغة العربية المعروفة لكي يدل على ذلك. ومما يؤسف له أن نجد كثيرا من الكويتيين والكويتيات يتركون هذه اللهجة الجميلة فيقلدون لهجات أخرى تصبغ المتحدثين بها بصبغة البلاد التي تنتمي إليها تلك اللهجات. أو نرى البعض وقد أنتج ألفاظا جديدة من غير لهجة وطنه معتمدا على مزج ألفاظ بألفاظ، أو بوصف الحالة التي يراها فيخرج لنا بلفظ هجين يعبر به عنها.
ومن أمثلة ذلك قولهم فيما يتعلق باستعمال الألفاظ:
٭ نِسَى عني. عندما يقصد المستحدث أنه يقول إنساني.. وبمثلها يقول: نسيت عنه، وهو يقصد: نسيته.
٭ إذا أراد أحدهم أن يقول: إلى الحين وأنا أذكر تلك الحادثة، بمعنى إلى الآن، فإنه يقول – حسب مزاحه إلى الحيني. وإذا كان يتحدث عن امرأة قال: الحينها. واللهجة الكويتية لا تعجز عن التعبير بالمقصود بصور أوضح وأجمل فنحن نقول: إلى الحين في كافة الأحوال.
٭ ويطلقون على لابس الدشداشة لفظ: امدشدش، ولابس الغترة: امغتر وهذا ما لم يرد في لهجتنا إطلاقا، ولو كان الأمر كذلك لأطلقنا على لابس البشت: امبشت لابس الدلاغ: امدلغ، ولابس الجوتي: امجوت، فتكون اللهجة الكويتية بهذا من اقبح اللهجات في الوقت التي نربى بها عن هذا الوصف الذي سوف يلحقه المتحذلقون، وفق ما نسمعه منهم.
٭ ومن الألفاظ القبيحة قولهم: ﭼتفني أي أصاب كتفي عند مروره بجانبي، وقالوا منها ﭼتفها. وهذا قبيح.
٭ ومن الغرائب قوله ﭼكني، وهو لفظ يطلقونه على المتعلمين في المدارس الأجنبية، وقد حاولت معرفة أصل هذا الاسم فإذا هو مأخوذ من اسم انجليزي لنوع من أنواع شواء الدجاج إذا أعد على هيئة ما نسميه الكباب.
٭ وإذا أراد أحدهم أن يطلب من آخر إغلاق الباب قال بموجب الاختراع اللفظي الجديد: صكر الباب. في حين أن لهجتنا الجميلة تقول: صك الباب. وما تقوله اللهجة هو ما كان يقوله آباؤنا العرب القدماء فقد ذكر ابن منظور هذا اللفظ فقال: «وصك الباب صكا، بمعنى أغلقه».
كما ذكر من تصريفات لفظ صك قولهم: رجل مصك: بمعنى: ضخم الجثة، وهذا اللفظ من ألفاظ اللهجة الكويتية التي يحاولون طمسها.
وعندما نذكر (صك) فإننا نجده في أجمل مكان من الشعر الشعبي الكويتي حين نستمع إلى الأغنية السامرية التي أبدعها الشاعر صقر الصلال وهي:
صكوا الباب دونك يا غريب
ما تهيّا تشوف اللي وراه
حرت في ما قفي كني صويب
نور خده تبين لي سناه
اتفـكــر على زول عجـيــب
نشعة الطول والمشيه حياه
خف من الله يا بوعيون الربيب
ارحم الحال يا عنق المهاه
لا معرفه ولا مني جريب
أه واحسرتي قبلي خذاه
يا هلي انعتوا لجرحي طبيب
دختر الحب يذكر لي دواه
٭ من التعبيرات القبيحة التي أدخلها بعضهم على لهجتنا قولهم: راح اكتب مكتوب، أو راح أزور صاحبي، ولم أر أقبح من هذا اللفظ لأنه دخيل على لهجتنا، ونحن نستعمل حرفا واحدا هو الباء بدلا منه فنقول: بكتب مكتوب وبزور صاحبي.
وبعد، فقد ورثنا هذه اللهجة عن آبائنا وعلمنا أنها تعتمد كل الاعتماد على أمها اللغة العربية الفصيحة، فمن العار علينا أن نحيد عنها إلا إلى أمها، أما أن يخترع البعض ألفاظا سخيفة، أو ينقل من غير بلادنا ألفاظا أخرى فهذا مالا نرضاه ولا نريده، وما لا يليق بنا.













