تفاجئنا التقنية بمتوالية رقمية لا متناهية، منها الذكاء الاصطناعي؛ ما يُغري باستنابة الآلة لتحل محل الإنسان كونها تمتلك قدرات خارقة على مستويات عدة، منها؛ مستوى الكتابة والإنتاج الإبداعي والفني، ما يجعل النقاد والمشرفين على الرسائل العلمية في حيرة من أمرهم، حيال المُنتج (الذكالي) الذي هو غالباً أقرب إلى هجين مريب، وبطرح السؤال على نخبة من النقاد، لم تكن جميع الردود ضديّة، بل أظهرت المشاركات إمكانية ضبط المواد التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، وتقييمها بحكم أن قدرات البشرية أكبر وأدق. وذهب البعض إلى ضرورة التفريق بين الانتحال الذكالي وبين السطو؛ وهنا جملة الآراء الواردة على سؤال الكتابة بالذكاء الاصطناعي سرقة أم انتحال؟ إذ يرى الناقد الدكتور أيمن بكر أننا نعيش فترة انتقالية سوف تسمح للمتسلقين والانتهازيين وأنصاف الموهوبين بالانطلاق المتسرع لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الانتحال، ومحاولة إكمال ما ينقص مواهبهم وضمائرهم من كفاءة، لافتاً إلى أنه في ذات الفترة يتم تطوير أدوات نقد وكشف وتمييز من داخل حالة التفاعل النشطة بين الذكاء الإنساني والذكاء الاصطناعي، وإن كانت مغلفة بالذكاء العاطفي الإنساني، موضحاً أنه عقب -الفترة الانتقالية- ستكون أدوات النقد كافية لتمييز الإنساني والاصطناعي في الأعمال الأدبية والنقدية والفكرية، عبر تمييز آليات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المادة المعرفية المعدنية. وأضاف ساعتها سنشهد حالات فضح طريفة لكل من تخيل أن العقل الإنساني سوف يقف عاجزاً أمام الذكاء الذي صنعته يداه. تماماً مثلما ظن بعض الملحنين وصنّاع السينما في النصف الأول من القرن العشرين أن ما يسرقونه من أفكار وألحان من ثقافات أخرى لن يتم كشفها، وقال بكر «نحن في منحنى تاريخي مغوٍ وخادع، وأحسب أن الأصيل من الإبداع الإنساني سيعلن انتصاره قريباً».
فيما عدّت الناقدة الدكتورة رائدة العامري عصر الذكاء الاصطناعي من أخطر العصور على مستوى السرقات الأدبية والفنية، لبساطة الأخذ من أعطيات هذا الذكاء؛ ولكونه يوفّر من المعلومات، والنصوص والأدوات، والإجابة على مختلف أنواع الأسئلة، والاستجابة لمختلف طلبات أنواع المقالات والدراسات والأفكار والآراء؛ باعتباره معدّاً أساساً لهذا الغرض، وتراه فعلاً يغري بالسرقة ويوسّع من حجم انتشارها، وعوّلت على القارئ اللبيب الخبير بشؤون الكتابة وشجونها، لاستطاعته تمييز خطاب الذكاء التقني، مقارنةً بالذكاء البشري، بحكم ثيمات وعلامات إنسانية طريفة واستثنائية ذات حساسية عالية لا يصلها الذكاء الاصطناعي. وأضافت لا يمكن إقناع البعض بعدم جدوى السرقات، إلا أنه وبتأمل عميق ومنير يمكن كشف السرقات من مصادرها وتعريتها.
ويرى الناقد الدكتور فهد الهندال أنه رغم قدرة الذكاء الاصطناعي على المطابقة النصية السريعة، إلا أنها مطابقة محفوفة بكثير من المغالطة والاشتباه، موضحاً أن الآلة لا تستطيع أن تحل محل درر النقد البشري، مشيراً إلى أن كشف السرقة الحقيقي لا يتوقف عند التطابق اللفظي، بل يمتد إلى الحكم على القيمة الفنية، وعد قضية «السرقات الأدبية» قديمة وليست جديدة على الثقافة العربية، بل هي باب قائم بذاته أساساً في النقد القديم، واكتشفها العرب منذ القرن الثالث الهجري، ودعا لإبراز الفرق الجوهري، بين السرقة الأدبية، التي هي سطو على نص كامل ونسبته زوراً لنفسه، أو نسبة كتاب لمؤلف غير مؤلفه الحقيقي أو انتحاله، أو اختلاق مصادر ووثائق، وبين التناص، الذي تتداخل فيه النصوص وتتعالق الأفكار، ويؤكد الهندال أن الناقد الفذ قادر على تمييز «السرقة الأدبية»، بحكم معرفة ذوقية لا تملكها الخوارزمية، التي ترصد التشابه دون أن تقيّم الإضافة الفنية أو التحوير الجمالي.
الدحيّة:انتحالة رقميّة
ويذهب الناقد الدكتور سعيد الدحيّة إلى أن الإشكالية المبنيّة على كتابة الذكاء الاصطناعي؛ تذهب نحو مسار مغاير لمفهوم (السرقة الأدبية) المتعارف عليها، والمتمثلة في سطو شخص على منتج شخص آخر، موضحاً أننا أمام مفهوم أحدث يتمثّل في (الانتحالة الرقمية) التي تعني أن ينسب شخص منتجاً رقمياً لنفسه دون الإشارة لمصدره (الذكالي)، وتحفّظ الدحية على وصفها، بالسرقة؛ كونها لا تطال منتجاً منسوباً لشخص بعينه، بل تولّد إنتاجاً جديداً بالكلية لا يُنسب لأحد، وشبّهها بظاهرة (الأرحام المستأجرة) التي تتحوّل فيها تطبيقات الـ( AI) إلى حاضنة تستقبل لقاح الفكرة ثم يتكون فيها الجنين ويتشكل إلى أن يولد بهياً جذاباً ومنسوباً لمن ادعاه، موضحاً أنه لا يجادل في مشروعية الاستفادة من معطيات (الذكالي) باعتباره منتجاً شأن أي منتج آخر صنعه الإنسان لتحقيق اليسر والسهولة، وتوفير الجهد والوقت، ومتسائلاً عن المنطق الذي يحرم فيه البعض استخدام معطيات الذكاء الاصطناعي بذريعة أن الله خلق للإنسان العقل ومكنه بالذكاء، ودعا إلى أن يتمحور الجدل في مسألة الإفادة من تطبيقات الـ(AI) حول (الإفصاح) عن حدود الاستعانة، ونسبتها، ومواضع تركزها، وتحديد الغرض منها، والاستعداد التام لتبني مخرجاتها، والقدرة على الدفاع عنها، ويرى أن الخطأ في الغفلة عما سبق، خصوصاً ممن يتبنى مخرجات (الذكالي) دون تمحيص ولا تدقيق، على مستوى المعلومات أو الصياغات والبُنى اللغوية والنحوية والأسلوبية.
الغذامي: سرقة ميسورة سريعة ومتقنة
يرى الناقد الدكتور عبدالله الغذامي أنه ومنذ أزمنة سحيقة شاعت السرقات، ومنها سرقات الشعراء التي أصبحت من أهم وأوسع مباحث المدونات القديمة، لافتاً إلى أن عصرنا شهد ويشهد السرقات والتزوير في الرسائل العلمية، من خلال الاستعانة بآخرين لكتابة الأطروحات بمبالغ مالية تزيد أو تنقص، وعدّ من الطريف أن المستأجرين لكتابة البحث هم بأنفسهم يسرقون بحوثاً أخرى تكون عادة غير منشورة، ومحفوظة في مكتبات الجامعات للاطلاع والإفادة منها، ولكونها غير منشورة؛ تغدو مظنة السرقة عقب التلفيق فيها ثم بيعها لمن طلب منهم الكتابة بالإنابة. وأوضح الغذامي أنه مرت به قصص كثيرة، وتم سترها عقب رفض الرسالة، ليتم حفظ شرف العلم مع الستر على المتورط، ومنحه فرصةً لتعلم الدرس وضبط نفسه، وعدّها طريقة تربوية حسنة تنجح كثيراً في تحسين أداء المتهاونين.
ولفت إلى أنه في عصر الذكاء الاصطناعي تسهل عمليات السرقة، كونها ميسورة وسريعة ومتقنة لدرجة أنها يمكن أن تخدع أي مشرف وأي مناقش، واقترح للحفاظ على الشرف العلمي أن نغيّر إستراتيجياتنا البحثية من (الاحتفال بالنتائج) التي كانت جوهر المعرفة في أذهاننا إلى (التركيز على المهارات الفردية) تحديداّ وحصرا، مشيراً إلى أن التدريب على مهارة التفكير، وعلى المنطق التحليلي، ومهارة المعالجة الذاتية للأفكار هي الشيء الوحيد الذي يمكننا التعويل عليه لنتأكد أن الذي نراه باحثاً مُدرّباً، وأن المنتج صادرٌ عن تفكير بشري.
وعدّ صاحب (العقل المؤمن والعقل المُلحد) خلق الإشكالات العلمية، أبلغ من إتقان النتائج، مذ أن أبطل الذكاء الاصطناعي سحر النتائج، لكونه أسرعُ وأتقنُ في تحقيق مستهدفات بالغة الدقة، ينهلها من مخازن المحتويات المتاحة له.
ويرى أن العقبة الكبرى، تتمثل في أن الإنسان نفسه يريد عن صدق وتعمدٍ قطعي أن يمنح الآلة قدرات تفوق قدراته كإنسان، ويطرب لسهولة الأمر، ما يستدعي الإلزام بصناعة السؤال الكاشف، الذي دونه نكون أمام كائن بشري مزور قادرٍ بغيره وليس بعقله.
وخلُص الغذامي إلى أن فكرة الإشراف العلمي، وآليات مناقشات الأطروحات يجب أن تتغير، لتنتهج النهج السقراطي الذي كشف حكماء عصره عبر فحص نجاعة أنظمتهم الفكرية، ودعا لتبني الآلية نفسها لتفحص (بحثية الباحث) وليس بحث الباحث، ويراه السبيل الوحيد لحماية الشرف العلمي، وممكن جداً شرط أن تصدق الهمم ونعطي الفحص المُدَقق حقه في الجدية والجهد والأمانة.
وأضاف؛ السرقات الأدبية طول عمرها «على قفا من يشيل»، إلا أن عورتها تتكشف بسبب نشرها العلني، وتتولى وسائل الاتصال العامة كشف اللصوص وبسهولة. ولفت الغذامي إلى أنه لاحظ في منصة (x) وعلى (فيسبوك) أنه يتهيأ للحق من يغار عليه ويكشف اللصوصية، وذهب إلى أنها حربٌ ثقافية كونية تظل قائمةّ ما قام البشر شأن سرقات العلامات التجارية وتقليد الصنائع وتزوير الوثائق، إذ إن هذا هو حال البشر إذا احتاجوا وعجزوا احتالوا.













