حين هبطت الطائف، في مقتبل العمر، وبعت المحصول الذي كلّفني أبي رحمه الله بنقله من قريتنا إلى الطائف، دلفتُ إلى مكتبة في وسط السوق، واشتريت كتباً، ووجدت نوتة تسجّل فيها اليوميات، وتقبض على الأفكار التي تقفز في ذاكرتك مباشرة قبل أنْ تتبخر. كبيتٍ من الشعر، أو خاطرة ما، فاشتريت واحدة منها، ثم تطوّر الأمر فصرتُ أسجّل فيها كل شاردة وواردة عن يومياتي والأسرة والقبيلة، وحين اشتغلت بالصحافة صرت ألخص فيها ما يحدث لي من يوميات ومفارقات مختلفة، بل صارت النوتة رفيقي في الحل والارتحال، ففيها مواعيد الاختبارات وملاحظات على الأساتذة، وفيما بعد أساتذة الجامعة، وكنت أوقف سيارتي بجانب الدرب؛ لأكتب شيئاً قبل أن يتبخر، وخرجت بأفكار رائعة.
وذات مرة فقدت إحدى نوتاتي وهي عادة تكون سنوية، فاشتريت بديلة لها، لكنني قررت الاحتياط لأمر الفقد، فقررت تشفيرها بطريقتي، حيث اخترعت للأرقام عناصر كيميائية بحكم أنني كيميائي، فالهيدروجين يمثّل الرقم واحد والهليوم اثنان وهكذا، وهناك ما يقابل الحروف من العناصر أيضاً، المهم كانت كشفرة مورس أو لغة مخابرات عتيدة، لا أحد قادر على فك شفرتها، فقد كان لديّ حساسية من وقوع نوتتي في يدٍ عابثة. خاصة وأنا أضمنها آرائي عن الأشخاص.
ثم تطوّر الأمر بمجيء الجوال الذي كنت أسجل فيه الملاحظات بالطريقة نفسها وأنقلها إلى جهاز الحاسوب اللوحي، وإنْ كنت لا أثق فيه رغم كل احتياطات كلمات المرور والبصمة!
أقف اليوم على مذكراتي (بعضها مرّ عليه عقود طويلة)، فأجدها مادة ثرية في كل شيء تقريباً ابتداء من تاريخ العائلة والقبيلة، وتحولاتها وليس انتهاءً بالحركة الثقافية وما اعتراها من تحولات. وأرقام من حاورتهم، وملخص لكلمات ومقالات مختلفة، لكن، ما يزعجني حقاً، هو عبارة: مات! لقد كنتُ أكتبها حين يرحل أحدهم أمام أرقامه.
والفوائد الإيجابية من هذه النوتات تكمن في تتبع حركة التاريخ وصيرورة الحياة، ومراقبة تطورك على المستوى الشخصي، ففي العودة وقراءة ما كتبته قبل عشرين عاماً مثلاً شيء من مقاربات الظروف والأحكام وكيف تتغيّر، وفيها تشويق ومتعة لا يقاربها أية متعة، خاصة وأنت تنظر لما كتبت بعين الناقد الذي ينظر لنص وكأنه ليس هو كاتبه.
أما الأشياء المحزنة، فتكمن في مواعيد جلسات القضاء، والاختبارات، وغيرها من المواعيد التي كانت تستهلك مني وقتي، وتبعدني عن أجواء الثقافة إلى عوالم أخرى كنت مضطراً لخوض غمارها، لأدافع عن حق مثلاً.
كنّا ننتظر النسخ الورقية من الجرائد والمجلات بفارغ الصبر حتى نرى ما كتبنا، وكيف تم إخراجها، ونفرح بها فرحاً طفولياً صادقاً قد يمتد لأسابيع، بل لأشهر ولسنوات، والآن لم تعد هذه الأشياء موجودة، وكل شيء تقريباً ستراه في جهازك الصغير (الموبايل)، الذي بات سكرتيرك وشيخ قبيلتك وصديقك، وحتى أنيسك! ولم تعد بهجة الكتابة والورق موجودة، فكل متعك أصبحت متعلقة بحاسة الإبصار فقط، فلا ورق تلمسه، ولا رائحة حبر تشمها، ولا بهجة توزيع نسخ من المنشور على أصدقائك تفرح بها، وهكذا الحياة وتبدلاتها. وهذا الأمر قد اعترى فن النوتات التي أجدها على أرفف المكتبات، ولكن لا أحد يشتريها، لأن النوتات الإلكترونية الموجودة في جوال أحدنا بها كل إمكانات النوتات الورقية، بل تفوقها في خاصية البحث والاستحضار الفوري والمشاركة والنسخ واللزق.
ستكون هذه النوتات خير معين لي في كتابة سيرتي الذاتية الموغلة في الشقاء والألم، وهي سيرة مليئة بالأحداث على المستوى الشخصي، أورثتني هموماً كبيرة، وندوباً لم تزل موشومة في الذاكرة، وذكريات خلت كنت شاهداً عليها، بعضها، لو نسج على شكلٍ روائي لأخرجت رواية بامتياز، هي سيرة تتناول تغيرات جذرية لفتى ترك قريته حين تركها الجميع، لكنها بقيت حاضرة في خاطره، يحملها معه أينما رحل، وتتلاطم في رأسه أفكار الكيمياء، والشعر، والصحافة، وأعمال التجارة، والبورصة، والسفر، والرحلات، والأصدقاء ومفارقات الحياة، التي بدأت أنسجها كسيرة ذاتية مستعيناً بنوتاتي الصديقات الجميلات، وما بها من معلومات، التي لا تقدّر بثمن.













