تتصاعد مؤشرات تفاعل النخب في مواقع التواصل الاجتماعي، وتنفتح أبواب ونوافذ حوارات، وتحتد وتهدأ لغة النقاش بين حين وآخر، فيما عين المراقب تتابع وترصد ما يمكن أن تثمره وتنتجه هذه الحوارات الساخنة أحياناً من مكتسبات للوعي العربي، وبين ما طرح «هيجل» من نظرية الديالكتيكية التي تتدافع من خلالها الطبقات لتخرج طبقة ثالثة تستفيد مما سبق وتتجاوز دون تماهٍ، فيما ينظر البعض بشيء من الضبابية والتشاؤم في هذه الوسائط التي تستهلك وقتاً وجهداً إلّا أن ثمرتها أقرب لعبثيّة «كامو».
نستطلع هنا رأي عدد من المثقفين والكُتّاب ممن عاشوا التجربة، وعبّروا عنها، إذ يرى الناقد أحمد بوقري، أن الطرح جدير بإعادة النظر، وإن كان ما هو متداول لا يتم من باب الحوار والجدل، بل من زاوية الرؤية الضيقة والإقليمية، وعدّها إشكالية ثقافية لا يمكنها أن تدّعي بلوغها فكرة الحوار الديالكتيكي. ويرى أن الحوار بيننا مقطوع، والتواصل الأدبي أحادي والرؤية الأدبية تقزّمت في محدودية الهم المحلي، بل في النظر القصير والقصير جداً الذي يؤول إلى الشخصنة والشللية، كوننا ما زلنا غير متسعي الأفق كما قال.
وترى الكاتبة نهى الخطيب أن التداخل بين طبيعة التكنولوجيا والنفس البشرية معقّد، ولم يقع مصادفة، بل نتاج تداخل عميق، لافتةً إلى أنّ السوشال ميديا لم تخلق الخلاف، إلا أنها وفّرت له بيئة خصبة ليتضخم ويتحول إلى ظاهرة مركبّة، وأضافت، في المُحَصِّلة العامة نادراً ما ينتج الجدل الرقمي معرفة حقيقية أو فكراً رصيناً، بل إنه في الكثير من الأحيان ينتج نقيضهما: (التجهيل أو التسطيح). وعدّت من الأسباب، الخوارزميات المُغرية بالإشهار والانتشار، وترسيخ وهم المعرفة، ما يرفع من شأن الصوت العالي وإن كان نشازاً على حساب الصوت الهادئ الرزين. وذهبت إلى أن وصف جدليات التواصل بـ«ديالكتيك» مغالطة معرفية كبرى، وإساءة للمصطلح الفلسفي و المنهج الحركي الصارم لتطور الفكر والتاريخ، كونها بدائية وعشوائية، لافتقارها إلى الآلة العقلانية والمنهجية التي تغربل الأفكار للوصول إلى معرفة حقيقية أو وعي ناضج، لا إلى سفسطائية بهدف الانتصار وإفحام الآخر.
ويؤكد الناقد محمد الحرز، أن من أهداف وغايات مواقع التواصل الاجتماعي، التفاعل بين البشر باعتبارها آلية مركزية في صنع العالم الافتراضي، ويرى أنها لا تقتصر على الحوار والتعارف فقط، بل تكون وسيلة ومدخلاً لغايات كبرى على رأسها استثمار الإنسان واستثمار كل ما يتصل به من إدراك ومشاعر ورغبات وميول وتفكير، وتوظيفها في سوق الاستثمار الاقتصادي العالمي. مشيراً إلى أن أي حوار تطغى عليه المجادلات والمشاحنات والمواقف الإيديولوجية المسبقة لا يُنتج إلا إعادة تدوير المشكلات والقضايا المستهلكة، لافتاً إلى أن مثل هذا الحوار على شبكات التواصل الاجتماعي لا يؤدي دوراً «تنويريّاً»، بل سيكون ترساً قويّاً يدور في ماكينة الاستثمار الاقتصادي للمعرفة المتصلة بإنسان شبكات التواصل الاجتماعي.
ويرى الشاعر عبدالوهاب الملوّح، أن منصّات التواصل الاجتماعي، تُتيحُ للناشطين تفاعلات تجيء فـي شكْل تدوينات أو تغريدات أو منشورات، تُحْدِثُ تعليقات أو ردوداً أو تعقيبات، أو تساؤلات، ما يرتقي أحياناً لمرتبة الجدل حول موضوع ما (فكْرة، حادِثـة، رؤيا). ويرى أن الجدل مهما كانت منطلقاته أو آلياته ينتج معرفة، وليس بالضرورة أن تكون معرفة جيدة أو سيئة سلبية أو إيجابية إلا أنه في جميع الأحوال يمنح الأطراف المتشاركة تصورات عن أشياء مجهولة، سواء حول الآخر أو أو أي موضوع ما، وإن ظلت هذه المعرفة هشة وسطحية إلى حدٍّ ما، ما لم يتحول هذا الجدل إلى تفاعل بنّاء وتنفّذ عميق بين وجهات النظر. وأضاف: من الصعب جدّاً أن يُنتج هذا الجدل فكراً، فالفكر الذي هو الآلية الذهنية الأولى لإنتاج المعنى يحتاج إلى الكثير من التدقيق والتدبير المتبصر والتحليل، وهو ما لا تتيحه منصات التواصل الاجتماعي بحكم الفلسفة الأولى التي من أجلها تم إنشاؤها، ولفت إلى أنه لا يرتقي إلى مرتبة الجدلية (الديالكتيك) القائم في منهجه أساساً على التحليل النقدي بما يقتضيه من تقديم الأطروحة بكامل عناصرها وزواجها بنقيضها للخلاص إلى فكرة مغايرة تماماً.
أما الكاتبة أليس سلوم فتذهب إلى أننا نعيش عصر اللا منطق، عصراً مختلفاً (في علم قوانينه وتعريفه)، لا يعصم الذهن عن الخطأ في التفكير! وعدّت مواقع التواصل مرآة لصراع مجتمع يتهالك على صعيد الفكر السليم وثقافة السلام.
وأضافت: غالباً ما يطغى ضجيج الحقد الدفين على موضوعية الجدل البنّاء، ويتراجع الوعي لصالح الأنانية، ويتقهقر الحوار أمام التناقضات المريضة. وترانا أمام جدل بيزنطي معاصر يعيد «الأنا» إلى صراعها الوجودي، في ظل بحث عن مفهومه الديكارتي الضال.
وأوضح الكاتب حميد عبدالقادر، أنه في ظل «المجتمع السائل» الذي تحدّث عنه الفيلسوف البولندي زيغمونت باومان في كتابه الشهير «الحداثة السائلة»، وأورد في بعض فصول الكتاب رؤية تعكسُ وضعية الإنسان المعاصر، إذ تحدّث عن الانتقال من زمنِ الأبطال (الأفكار والمبادئ) إلى زمنِ المشاهير (الاستهلاك والنجومية). لافتاً إلى أنه إن كانت الحياةُ المعاصرة أصبحتْ حياةً استهلاكيّة في عصر المجتمع السائل، فإنّ الأمر ينسحبُ مرّةً أخرى على حياتنا الثقافية، وأكد وقوع كثيرٍ من الكتّاب فريسةً لهذه الفردانية، التي تتغذّى على «فيتامينٍ ثقافيّ» افتراضيّ، متمثّلاً في «اللايكات» على الفضاء الافتراضي، ما يشعرهم بتعويض ما عن الإفلاس الفكري الذي أصابهم. فيما كان المثقّف فيما مضى يبحث عن الاعتراف بفضل أفكاره، إلا أننا في عصر المجتمع السائل والحداثة السائلة صار بعضُ المثقفين يبحث عمّا يعزّز ويُنمّي فردانيّتَه، فدخلوا في خصومات وصراعات ليست من باب مناقشة الأفكار، بل من باب تجييش العواطف والظهور في صورة «الكتّاب المنقذين» من غزوٍ أخلاقيّ مُتخيّل.
ويرى أنّ الكتابة وفق ما يريده عامّةُ النّاس، على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، غدت السمةَ الغالبة لدى البعض، بحثاً عن «الفيتامين الثقافي» الذي يُغطّي العجزَ الفكري والإفلاسَ الأيديولوجي المستشري في أوساط فئة واسعة من «المثقفين». مبدياً تعجبه من بحث البعض عن أكبر عدد من المُعجبين، لا القُرّاء، الذين يتحولون إلى سلطةٍ رمزية يحسب لها بعضُ المثقفين- الذين بلغوا خريف الكتابة- ألف حساب، ولم يتردد في وصف، الحال بإفلاسٍ فكريٍّ عميق، امتداداً لحقبة نهاية الأيديولوجيات ولبروز ملامح مجتمعٍ سائل يعيش على استهلاك النجومية والتغذّي منها.
وسائل التواصل من الافتراضي إلى المركزي
ترى الكاتبة أسماء كوار، أن التقنيات الإعلامية الرقمية تُحكم قبضتها على مجمل النشاطات الإنسانية، بيد أن ما يزيد من خطورتها هو وهم البداهة الذي يُضاعف تأثيراتها ويُعمّقها، فهي متغلغلة في وجودنا إلى الحد الذي يُخيَل معه أنها كانت هنا منذ الأزل. ويكفي انتشارها الواسع لـ«تطبيعها» في أذهاننا، فنوظّفها دون أن نتوقف لحظةً للتساؤل عنها أو مساءلتها.
موضحةً أن وسائل التواصل الاجتماعي تحتل موقعاً مركزياً في حياتنا اليومية. وتحوّلت إلى قلقٍ من الوقوع في تبعية لتكنولوجيا تتجاوز قدرتنا على السيطرة. ولم يعد أمامنا سوى فهم التحولات التي أحدثتها في نظرتنا إلى أنفسنا أولاً، ثم تفكيرنا لما نطرحه للنقاش العام الذي أصبح مفتوحاً ويخوض فيه العامة دون التركيز على فئة معينة، ودون أن يحقق النقاش ذروة الوعي الذي يمكن اعتباره جزءاً أساسياً لتفكيك التيمات الجدلية المطروحة.
لافتةً إلى أنها أسهمت في إضعاف الوسائل التي كانت مصدر إثراء للنقاش والحوار، وقدمت وسائل التواصل بديلاً في محاولة لجعلها وسيلة تعلُّم للتعبير عن النفس، والإنصات، والإقناع أو بمفهوم «تواصلي» لقاح ضد السذاجة، ودواء ضد الدوغمائية.
وترى أنها نادراً ما ترقى إلى مستوى نبل الحوار الفكري الحقيقي والواقعي الذي يخلق أفكاراً جديدة وموضوعية. وثمة أسبابٌ عدة لهذه «التشظي» التواصلي، أهمها إن الفكر يتسم بزمنيّة لا تتوافق مع متطلبات نسب المشاهدة. فبناء الحجة يستلزم وقتاً، وعرضها بوضوح يستلزم وقتاً آخر. غير أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تتح ذلك بل أتاحت للآنية كي ترسخ هيمنتها. وهكذا دخلنا في عصر «ردّ الفعل» السريع الذي تقتضيه الخوارزميات التقنية التي لا يمكن أن توفر مجالاً للتفكير والتحليل.
وذهبت إلى أنّ وسائل التواصل الاجتماعي، نشأت على أنها فضاء يُتيح لأصوات منسية فرصة التعبير والنقاش. وكان يُفترض أن هذا اللقاء بين وجهات النظر يثري عقولنا ويُصقل فكرنا النقدي. غير أن هذا التصور، على إغرائه، لم يتحقق. إذ أفضت فقاعات التصفية إلى تشخيص المحتوى وتفصيله على مقاس كل مستخدم، مُطابقاً لأذواقه وتفضيلاته. والنتيجة أن بعضهم يتوهم أن العالم لا يتجاوز الصورة التي يكوّنها عنه، وهو قمة الخطورة والاستخفاف، وعبّرت عن خشيتها من تشكيل مجتمعات قائمة على قناعات وأفكار مشتركة، ما يُفضي إلى تطرف الخطاب، إذ يعد كل رأي مخالف بدعةً تستوجب الإدانة.













