هناك ثمة مشتركات في تاريخ الحركة المسرحية في دول الخليج العربية؛ من هذه المشتركات أن المسرح، الذي يعد (أبو الفنون) وأولها منذ زمن الإغريق والرومان، والجنس الأدبي الأحدث نسبياً مقارنة بالشعر في المجتمعات العربية، بدأ من حفلات التمثيل، التي كان يقوم بها طلبة المدارس على خشبة المسرح المدرسي أو من خلال فرق الكشافة المدرسية في رحلاتها، أو من خلال سهرات الأندية الرياضية. ومن المشتركات الأخرى أن الحركة المسرحية في الخليج نمت وثبتت أقدامها بعد ظهور محطات التلفزيون الرسمية، التي راحت تصور وتنقل المسرحيات للناس في بيوتها من جهة، وتستقطب رموز المسرح في أعمالها الدرامية من جهة أخرى فتحقق ما يشبه التوأمة بين المسرح الخليجي والدراما الخليجية.
أما المشترك الثالث فهو انتشار التعليم، وابتعاث الطلبة لإكمال دراستهم الجامعية في الدول العربية الأسبق في مجال المسرح، فعادوا عاشقين للمسرح ومشبعين بقيمها وتقاليدها، ومنهم من انخرط في كتابة النصوص المسرحية أو تخصص في التمثيل والإخراج والتصوير والديكور المسرحي.
ولئن كانت البحرين هي الأسبق تاريخياً في مجال المسرح بين دول الخليج العربية، وذلك منذ عام 1929 حينما تمّ تقديم أول مسرحية على خشبة مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق، وكانت تاريخية فصحى بعنوان (الحاكم بأمر الله)، فإن الكويت بزت لاحقاً شقيقاتها في هذا الفن لأسباب منها: الاهتمام والإنفاق غير المحدود على الفن المسرحي من منطلق أنه خير وسيلة لرفع اسم البلاد عالياً في المحافل الفنية الخارجية، ومنها استقدام خبراء كبار في العلوم المسرحية من مصر (مثل المسرحي الكبير زكي طليمات) وتكليفهم برعاية الأنشطة المسرحية والارتقاء بها وتأسيس معهد عالٍ للعلوم المسرحية لتخريج فنانين وكوادر مسرحية على أسس علمية، ومنها أيضاً المناخ الديمقراطي في البلاد الذي سمح بظهور المسرح السياسي الساخر الذي عادة ما يسعى إلى إبراز العيوب ومكامن الضعف في المجتمع والدولة على الصعيدين الأخلاقي والسياسي؛ بغرض تعريتها وإصلاحها، من خلال التهكم بالكلمة والتلميح والحركة التعبيرية.
وإذا ما تحدثنا عن تاريخ المسرح في قطر تحديداً، نجد أن البدايات الأولى، التي كانت ارتجالية، تمثلت، كما قلنا، في المسارح المدرسية وتمثيليات الفرق الكشفية ومسارح الأندية الرياضية منذ خمسينيات القرن العشرين؛ أي قبل سنوات من تأسيس الفرق المسرحية تحت أسماء مختلفة بجهود أهلية وحكومية. وتشير الأدبيات القطرية ذات الصلة إلى أن الانطلاقة الحقيقية للحركة المسرحية في قطر كانت بعد الاستقلال في عام 1970، ففي عام 1972 تأسست أول فرقة مسرحية رسمية تحت اسم (الفرقة المسرحية القطرية)، ثم تلتها (فرقة مسرح السد) في عام 1973، ثم فرقتا (الأضواء) و(الشعبية). وفي عام 1974، تمّ تأسيس قسم المسرح بوزارة التربية والتعليم، في عهد الوزير الشيخ محمد بن حمد آل ثاني. وفي عام 1994 تمّ دمج الفرق المسرحية الأربع آنفة الذكر في فرقتين رئيسيتين هما: (الفرقة المسرحية القطرية) و(فريق الدوحة المسرحي). وشهد عام 1982 افتتاح (مسرح قطر الوطني) ليصبح أحد الصروح المسرحية المهمة في الخليج العربي، وهو ما وفر بنية تحتية متطورة للفن المسرحي في دولة قطر، بما في ذلك أنظمة إضاءة محوسبة وفرقة أوركسترا متمكنة، وهذا، بدوره، سهل عملية استضافة فرق محلية ودولية من أجل الارتقاء بذائقة الجمهور وغرس التقاليد المسرحية العريقة. ومذاك تواصلت الجهود لتأسيس نشاط مسرحي يواكب حركة المسرح العالمي.
والحقيقة أنه ما كان لكل هذا أن يحدث ويتعزز لولا جهود ثلة من الشباب القطري العاشق للفنون المسرحية والدرامية، ممن تشبع بحب التمثيل وتلقى جرعاته الأولى من خلال الوقوف على خشبة المسرح المدرسي أومن خلال التمثيل في الرحلات الكشفية والأنشطة الصيفية.
أحد هؤلاء، ممن يُنظر إليه كرائد وأب روحي للمسرح القطري، هو الأستاذ عبدالرحمن المناعي، الذي لا يمكن للمرء وهو يتحدث عن المسرح القطري أن يتجاهله أو يقلل من دوره، أو ينسى أعماله وجهوده على مدى 40 عاماً. ذلك أن المناعي لم يكن مجرد عاشق للمسرح فقط، وإنما كان أيضاً كاتباً مسرحياً مُتميزاً، ومُخرجاً مُبدعاً، وموسيقياً ماهراً، وصاحب قلم صحفي رشيق، وحارساً للتراث والفنون الشعبية القطرية.
وفي هذا السياق، دعونا نقرأ كلمة مدير مركز شؤون المسرح بوزارة الثقافة القطرية، خلال احتفال أقيم في مايو 2023 بمناسبة إطلاق كتاب عن سيرة وأعمال المناعي بعنوان (المسرح والبحر.. قراءة في أعمال عبدالرحمن المناعي) من تأليف الناقد المسرحي المصري سباعي السيد، التي جاء فيها: «لقد وعى المناعي أهمية التراث القطري وضرورة جمع عناصره وتصنيفها وتقديمها، فجعل منه مادةً للبرامج الإذاعية، وموضوعاً للمجلات المُتخصصة، ومجالاً لمراكز الأبحاث، لكن التوظيف الأهم للتراث كان في مسرحياته، فنجد مسرحه مليئاً بحكايات الصيادين القطريين وأغانيهم، وبتفاصيل رحلات صيد اللؤلؤ وما يرافقها من تحديات، ما جعل مسرحياته ترتفع أحياناً إلى مصاف التراجيديا. إن المناعي أخذ المُتفرّج في مسرحه بسفن الغوص والصيد، كما دعاه لأن يجول في القرى والمدن، ورسم بقلمه التحولات الجذرية التي طرأت على المُجتمعات الخليجية في انتقالها من الصيد إلى عصر النفط والغاز». إلى ذاك، وبحكم كونه قارئاً جيداً، تجول في الروايات المسرحية العالمية، واستلهم واقتبس منها من الأفكار ما يصلح للعروض المحلية.
ولد عبدالرحمن إبراهيم المناعي في الدوحة سنة 1948 ابناً لأسرة تنتمي إلى قبيلة المناعي أو (المنانعة)، التي تعود جذورهم إلى فخذ بني كعب، أحد فخوذ بني تميم بمنطقة الحوطة في نجد، ومن الأخيرة هاجروا وانتشروا في البحرين وقطر ودولة الإمارات ومناطق سعودية عدة، ممارسين الغوص للبحث عن اللؤلؤ وقيادة السفن وتجارة الذهب والأرزاق، حيث برز منهم الكثير من الأعلام، لا سيما في عوالم التجارة والمال وفي ميادين الشعر والأدب والفنون والصحافة والقضاء والأمور الشرعية والتدريس. وقد عرفوا منذ القدم بالوجاهة والشجاعة والعلم والكرم والولاء المطلق لأوطانهم الخليجية وولاة أمورها.
درس صاحبنا ابتداءً في الكتاتيب التقليدية، ثم انتقل إلى المدارس النظامية الحكومية بمجرد افتتاحها، فواصل دراسته حتى المرحلة الثانوية التي أمضاها في الثانوية الصناعية، وتخصص خلالها في الكهرباء، وبمجرد أن تخرج من تلك المدرسة سنة 1969 دخل سوق العمل فتنقل في وظائف مختلفة، حيث عمل في بداية مسيرته المهنية، وتحديداً في الفترة ما بين عامي 1970 و1975 كفني راديو لدى شركة «شل» النفطية، علماً أن هذه الوظيفة لم ترو العشق الذي تولد بداخله للمسرح منذ أن كان طفلاً يستمع بفضول لحكايات شعبية كانت والدته ترويها له قبل النوم. نلك الحكايات التي شجعته في فترة صباه لتقديم بعض الاسكتشات الارتجالية مع فرقة الأضواء التي بدأت نشاطها أصلاً في المجال الموسيقي قبل أن تصبح فرقة مسرحية.
وأثناء عمله في شركة شل حصل على دورات تخصصية هندسية ودورات أخرى في اللغة الإنجليزية، وواصل تثقيف نفسه من خلال القراءة والمطالعات الأدبية والنقدية، لكنه في الوقت نفسه ظل شغفه بالمسرح مقيماً ومتوطناً في حشاياه، وإيمانه بما يمثله المسرح من قيم ورسالة ودور في حياة المجتمعات راسخاً ومتجدداً، بدليل أنه قام في تلك الفترة بكتابة أول نص مسرحي له، وهو مسرحية (أم الزين) التي أخرجها المخرج الأردني الراحل وأبو المسرح الأردني هاني صنوبر (1934 ــ 2000) في عام 1975. وتعد هذه المسرحية علامة فارقة في تاريخ الحركة المسرحية والفنية في قطر، وبسببها ذاع صيت المناعي مبدعاً مسرحيّاً، ورأت الدولة أن تستقطبه ليكون كادراً وطنيّاً من كوادر أجهزتها الثقافية والإعلامية، فعينته عام 1975 في منصب مراقب للمركز الثقافي بوزارة الإعلام، الذي كان وقتها أول جهاز يعنى بالثقافة في البلاد.
ومن هذا المنصب الرسمي، توالت عليه المناصب الحكومية، فمن منصب مساعد مدير إدارة الثقافة والفنون بوزارة الإعلام في الفترة ما بين عامي 1979 و1983، إلى منصب رئيس قسم دراسات الخليج والجزيرة العربية بمجلة الدوحة في الفترة من 1983 إلى 1987، فإلى منصب مدير مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية بالدوحة من عام 1987 إلى عام 2005. علاوةً على شغل منصب رئيس تحرير مجلة المأثورات الشعبية.
إبان كل هذه التنقلات الوظيفية ظل صاحبنا ينظر إلى نفسه أولاً وأخيراً فناناً مهموماً بالمسرح ودور المسرح في حياة مواطنيه، فلم تسرقه انشغالاته وأعباؤه الوظيفية من كتابة النصوص المسرحية المتتالية وإخراج بعضها وعمل الديكورات اللازمة لبعضها الآخر، ووضع الموسيقى لبعضها الثالث.
خمسون عاماً في التأليف
قد قام في الفترة من عام 1975 إلى عام 2025 بتأليف المسرحيات التالية: أم الزين، الحذاء الذهبي، صارت نشب، من يضحك أخيراً، يا ليل يا ليل، زنزانة البحر، المهرج، قرية الزهور، رسائل أبو أحمد الحويلي، غناوي الشمالي، مغرم هل الشوق، يا هل الشرق، أهل الشرق، هلوسات، شدوا الضعاين، هالشكل يا زعفران، أسفار الزباري، كرك، قطار المرح، أم السالفة، هناك، المرزام، الخيمة، انكسارات سعيد المجبر، وادي المجادير، ريحة الهيل، هوبيل بالمال، المغني والأميرة، الفيل يا ملك الزمان، حكاية حداد، أنين الصواري، الحادث والكائن، زكريا حبيبي، الخيول، خيمة العز، مي وغيلان، اللؤلؤة بين الدشة والقفال، باقي الوصية. ومن بين هذه المسرحيات أخرج 30 منها، وعمل ديكورات لمسرحتي (هالشكل يا زعفران) و(المهرج)، وصمم بنفسه ملابس مسرحية المهرج، وقام بوضع الموسيقى المصاحبة لمسرحية الحذاء الذهبي. ومن هنا قيل عنه إنه فنان شامل وصاحب رؤية فنية خاصة، وإنسان يتمتع بذائقة فنية رفيعة من حيث الألوان والأشكال.
إن المتمعن في أعمال المناعي، يكتشف أن هدف الفرجة والتسلية والنقد الاجتماعي لئن كان حاضراً في بعض مسرحياته، إلا أن الأهداف الأخرى التي سعى إليها شملت التعبير عن مشاكل المجتمع المحلي وهمومه، وتوثيق التغيرات التي طرأت على المجتمعين القطري والخليجي، وتصوير الصراع بين الأفكار التقليدية والحداثية التي اجتاحت هذه المجتمعات. ومن ناحية أخرى، يلاحظ على أعماله أنها اتسمت بنوع من المواءمة بين اللغة الفصحى واللهجة القطرية الدارجة، وتوظيف الشعر فيها، خصوصاً أنه شاعر وصاحب دواوين عدة. ومن ناحية ثالثة يلاحظ أنه كتب للكبار مسرحيات تنور أفكارهم، وكتب للصغار مسرحيات تدغدغ عواطفهم الطرية، وأنه برهن على قدرته على تقديم مسرحيات مكونة من ممثلين اثنين فقط، وتقديم أوبريتات تضم مئات الممثلين.
تكريمات وأوسمة
وشخصية كهذه بارعة في عملها، ومخلصة لفنها، وناشطة في خدمة وطنها وناسها، لم يكن بالإمكان أن تنسى لجهة التكريم والاحتفاء على المستويات المحلية والخليجية والعربية. فقد حصل على جائزة أفضل تقنية مسرحية في مهرجان قرطاج بتونس عام 1985 عن مسرحية (المتراشقون) الكوميدية الساخرة من تأليف الفنان غانم السليطي. ونال وسام مجلس التعاون في قمة مسقط سنة 1989، وتمّ تكريمه رائداً مسرحياً في مهرجان الخليج الثاني بالدوحة عام 1990، واختطف جائزة أفضل عمل مسرحي متكامل عن مسرحية (غناوي الشمالي) خلال مهرجان الخليج السادس بمسقط سنة 2000، وحصل على جائزة لجنة التحكيم التقديرية عن مسرحية (مقامات بن بحر) خلال الدورة الثالثة لمهرجان قرطاج في عام 1978. وفي عام 2002 مُنح جائزة أفضل إخراج عن مسرحية (مغرم هل الشوق) في مهرجان الخليج السابع بالدوحة، وفي عام 2006 كرمته بلاده بمنحه جائزة الدولة التقديرية في مجال الفنون المسرحية. أما في عام 2020 فقد كان على موعد مع تكريمه من قبل وزارة الثقافة والرياضة في احتفالية اعلان الفائزين بجائزة الدوحة للكتابة الدرامية في نسختها الأولى.
ونختتم بالإشارة إلى أن المناعي أعلن في أكتوبر 2018 قراراً، تراجع عنه لاحقاً تحت ضغط جمهوره وعشاق فنه وكبار المسؤولين، فقد كتب آنذاك تغريدة صادمة قال فيها: «عندما يصبح طريقك مليئاً بالحفر والمطبات، تحكمه إشارات غريبة الألوان، تسيّره قوانين ملتبسة وأحكام بائسة، ويكتنفه ضباب كثيف لا ينجلي، فما عليك إلا التوقّف لسلامتك وسلامة الآخرين، وأنا قررت التوقف». ولما سُئل عن خلفيات قراره اتضح أنه مستاء من حالة التردي التي آلت إليها الحركة المسرحية القطرية، والتي شبهها بالسيرك، كنتيجة لاقتحامها من قبل أشخاص لا شأن لهم بالمسرح ولم يمارسوا قط الفن المسرحي أو يدرسوه، وقيام هؤلاء بفرض معايير معينة ومحددة للعمل، وكل من لم يستجب لها تُرفض أعماله. ولكل هذه الأسباب قال: «في خضم هذا الجنون صار الجلوس في البيت أفضل حتى لا ننصاع لما حدث».













