عاشت الثقافة التحوّلات، وتفاعلت اختياراً أو اضطراراً مع معطيات العصر، ومع مرور الوقت وانتشار الثورة الرقمية خرجت من الصحف والكتب وقاعات الندوات، وانفتحت على المنصات الرقمية، لتبني جسور التواصل، وتفتح مسارات للوصول إلى الجمهور عبر الفيديو، والبودكاست والمحتوى التفاعلي عبر منصات التواصل الاجتماعي، وبرز صنّاع محتوى يقدمون المعرفة والثقافة بأساليب أكثر قرباً من الجمهور، لتتحول الممارسة تدريجياً من نشاط فردي أو هواية إلى مجال مهني له أدواته وتحدياته، ولا يعني هذا التحول انتهاء دور الصحافة والكتب، سواء كانت ورقية أو رقمية أو الوسائط التقليدية، بقدر ما يعكس توسعاً في قنوات تقديم الثقافة، وما بين تفاعل حقيقي مع المضمون، وافتعال شكلي، نطرح أسئلتنا حول طبيعة صانع المحتوى الثقافي، والمهارات التي يحتاجها، وحدود العلاقة بين الجاذبية والعمق، ومدى قدرة المحتوى الرقمي على صناعة أثر يتجاوز أرقام المشاهدات؟
ويرى عضو جمعية الفلسفة الدكتور عماد عباس الزهراني أن الثقافة لم تغادر الكتاب بوصفه قالباً تقليدياً، رغم اتساع حضور الوسائط الرقمية، لافتاً إلى استمرار حضور الكتاب الورقي بقوة، مستشهداً بالإقبال على معارض الكتب وانتشار القراءة بين الأجيال، إلى جانب تنامي حضور الكتاب الرقمي، مؤكداً أن الوسائط الجديدة، ومنها البودكاست والمنصات الرقمية، لم تلغ الكتاب وإنما أضافت إلى المشهد الثقافي ووسعت فرص الوصول إلى المعرفة، موضحاً أن أحد المشاركين الشباب في مسابقة «أقرأ» في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء»، جاء من أقصى جبال الداير في بني مالك جنوب المملكة، ليؤكد أن الكتب الرقمية عبر الإنترنت أسهمت في تكوين تجربته القرائية.
وعدّ المحتوى الثقافي مهنة في الأصل، قبل أن تظهر مسميات وظيفية جديدة مرتبطة به، مشيراً إلى أن صانع المحتوى يحتاج إلى سعة الاطلاع، وفهم طبيعة الجمهور المستهدف وتحليل توجهاته، إلى جانب مهارات الكتابة والتحرير.
وحول تجربته الشخصية، أوضح الزهراني أن بدايته كانت عبر حسابات التواصل الاجتماعي، ولم تكن في بدايتها ترقى إلى مستوى العمل المهني المحترف، قبل أن تتطور التجربة مع اهتمام المؤسسات والمحيطين به بمجالات عمله واهتماماته.
وذهب إلى أن غياب الاستدامة والعقود قصيرة الأجل، إلى جانب محدودية وصول بعض الموضوعات المتخصصة، ومنها الفلسفة، إلى الجمهور الأوسع، من أبرز التحديات التي تواجه صانع المحتوى الثقافي.
ولفت إلى أن تجربة تحويل بعض المعضلات الفلسفية الشهيرة إلى تجارب تفاعلية حية على هامش مؤتمرات الفلسفة، جمعت بين الترفيه والاكتشاف المعرفي وحققت إقبالاً من الجمهور. وأضاف أن هذه النماذج تؤكد إمكانية تقديم الثقافة بصورة جذابة دون فقدان مضمونها، وأن جمعية الفلسفة تنحو منحى توسيع مثل هذه التجارب.
وعن دور المؤسسات الثقافية، أكد أن صناع المحتوى أصبحوا شركاء في إيصال الثقافة إلى مختلف شرائح المجتمع، مشيراً إلى ما تحظى به هذه الفئة من اهتمام واستقطاب ودعم، مع الحاجة إلى مزيد من الاهتمام بالمواهب التي تمتلك محتوى متميزاً لكنها لم تحظَ بعد بمتابعة جماهيرية واسعة.
من جهته، يرى الإعلامي تركي الحربي أن التحدي في عصر تدفق المعلومات لا يتمثل في نقصها، وإنما في القدرة على اختيار ما يستحق أن يتوقف عنده الجمهور، مشيراً إلى أن صانع المحتوى الثقافي ليس مطالباً بأن يكون خبيراً في كل شيء، لكنه يحتاج إلى الفضول والدقة والقدرة على طرح السؤال الصحيح.
وأوضح أن نجاح المحتوى لا يعني بالضرورة تقديم جميع الإجابات، إذ ربما تكون قيمته في دفع المتلقي إلى البحث عن المعلومة ومعرفة ما وراءها، مؤكداً أن المحتوى الثقافي الجيد يمكن أن يكون بداية لرحلة معرفية جديدة.
واستعرض الحربي تجربة شخصية، إذ وثّق رحلة بدأت من داخل سيارته وانتهت به إلى أحد أشهر الأندية، وبجواله التقط الصور للطريق ومسار الرحلة وأجرى لقاءات قصيرة مع المشاركين، قبل أن يحول المادة في مرحلة المونتاج إلى قصة متكاملة.
ولفت الحربي إلى أن التقرير حقق انتشاراً واسعاً لم يكن يتوقعه، لافتاً إلى أن التجربة أثبتت له أن صناعة المحتوى تبدأ من الفكرة، وأن التفاصيل الصغيرة يمكن أن تصنع قصة كبيرة.
فيما ترى الكاتبة هويدا المرشود أن المحتوى الثقافي خرج من إطار الكتاب وقاعات الندوات إلى مساحة أوسع وأكثر قرباً من الجمهور، وأصبح صانع المحتوى شريكاً في إيصال المعرفة بطرق مختلفة. وأشارت، من واقع تجربتها، إلى أن التحدي لم يعد في الوصول إلى الجمهور، وإنما في المحافظة على قيمة المحتوى وعمقه في ظل سرعة المنصات الرقمية. ولفتت إلى أن الجاذبية مهمة في تقديم المادة الثقافية، لكنها لا تنفصل عن المعرفة والوعي والمسؤولية تجاه ما ينشر. وعدّت من النتائج تحوّل الهواية إلى مهنة، باستثمار المحتوى مشروعاً له هدف وأدوات ومسؤولية وصوت خاص بصاحبه، ما يجعل الاحتراف مرتبطاً بوضوح الفكرة واستمراريتها، وليس بمجرد الحضور على المنصات.
وذهبت الكاتبة فاطمة القحطاني إلى أن الثقافة توسعت وتجاوزت نطاق الكتب، وأصبحت أكثر قدرة على الوصول إلى الناس بفضل المنصات الرقمية التي منحت المشتغلين بالثقافة مساحات جديدة لتقديم الأفكار بصورة أقرب إلى المتلقي وأكثر انسجاماً مع العصر.
وأكدت أن صناعة المحتوى الثقافي تتحول إلى مهنة إذا ما أدرك صانعه أن ما يقدمه مسؤولية، وليس مجرد حضور أو بحث عن الانتشار، مشيرة إلى أن صانع المحتوى يحتاج إلى الثقافة والاطلاع والقدرة على البحث والتحقق، إلى جانب امتلاك هوية خاصة وبصمة تميزه وسط زحام المنصات.
ولفتت القحطاني إلى أن الثقافة لا تحتاج إلى أن تقدم بصورة ثقيلة حتى تحافظ على قيمتها، إذ يمكن أن تكون عميقة وبسيطة وجذابة في الوقت نفسه.
وفرّقت بين من يصنع المحتوى لملاحقة ما هو رائج، ومن يمتلك رسالة وفكرة يريد إيصالها إلى الجمهور، مؤكدة أن التحدي اليوم لم يعد في امتلاك منصة، كون المنصات متاحة للجميع، وإنما في تحديد ما سيقدمه صاحبها من مادة قادرة على التأثير. وعدت حضور الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى إضافة؛ كونه أتاح إمكانات كبيرة، إلا أنه لا يستطيع أن يصنع لصاحب المحتوى تجربته الخاصة أو صوته أو إحساسه. وأضافت أن القيمة الحقيقية للمحتوى الثقافي لا تقاس بعدد المشاهدات فقط، وإنما بما يتركه في المتلقي؛ كأن يخرج بفكرة جديدة، أو يعود إلى كتاب، أو يبدأ في البحث والسؤال والقراءة، وربما يكتشف من خلال ذلك موهبة أو اهتماماً لم يكن قد انتبه إليه.













