استخلف الله تعالى الإنسان لعمارة الأرض التي خلقه منها، وهو ما نصّت عليه الآية الكريمة في سورة هود: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا.. الآية﴾، وقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾، والمراد هنا الكفر والمعاصي، إلا أنه يدخل في ذلك فساد البيئة، وقد جاءت في القاموس المحيط لابن حيان آراء وتفسيرات حول ذلك. وعناصر البيئة لا يمكن حصرها في الصحراء فحسب، بل تشمل كل العناصر التي خلقها الله وتتقاطع مع البيئة، بحاراً وأنهاراً، وجبالاً وأودية، إلا أن هذا المقال حصرٌ على البيئة الصحراوية، والحمى البيئي الذي لم يكن حدثاً طارئاً على أرض المملكة العربية السعودية.
في عهد نبوته صلى الله عليه وسلم، وبعد هجرته إلى المدينة المنورة، خصص مناطق محددة كحمى لإبل وخيل المسلمين، ولم تكن مخصصة لغير ما خصصت إليه، وكان لها نظام حماية من الاعتداء، وكان هذا النظام فك الحصار البيئي قبل الإسلام الذي كان لعلية القوم، وجاء ذلك محدداً في حديث ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حمى إلا لله ولرسوله)، وقد أجاب الشيخ صالح بن عثيمين رحمه الله بأن معنى الحديث أن الله جل جلاله غني عن كل شيء ولا يحتاج إلى أحدٍ يحمي له، إلا أن المراد به المصالح العامة مثل إبل الصدقة وخيل الجهاد..، وقد حمى النبي صلى الله عليه وسلم حرم المدينة المنورة، وقصة سعد بن أبي وقاص مع رجلٍ وجده يصطاد في حرم المدينة فسلبه ثيابه، وعندما سُئل لإعادتها إلى صاحبها قال: لا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال عليه السلام: من رأيتموهُ يصيدُ فيهِ شيئًا فلهُ سَلْبُهُ، أي حمى المدينة، ولكن إن شئتم أعطيتكم ثمنه.
ولم تخلُ أرض المملكة من الحمى على مر السنين الماضية، إلا أنها لم تكن كما هي عليه اليوم في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ورؤية 2030 التي قادها سمو ولي العهد، والتي استهدفت المحفظة البيئية، لإعادة التوازن البيئي، وتستهدف أيضاً تغير المناخ.
إدارة الصحراء لم تكن في رؤية 2030 منع الوصول إلى المناطق المستهدفة فقط، ولكن أسست الجهات الرسمية التي ارتبطت بمركز قيادة الوطن مباشرة، لدعم هذا القرار لبعد النظر في أهمية إحياء الأرض، وحمايتها من الاستنزاف والجور الذي مرّت به، سواء ما يتعلق بالصيد، أو الرعي، أو الاحتطاب، أو تمدد المدن، فما إن بدأت أعمال المحميّات الملكية، حفاظاً على أصول بيئية، وإعادة المهجّر من الحيوانات، وتشجير المناطق التي تحوّلت مع الوقت إلى أرضٍ قفرٍ بور، حتى بدأ الأثر جليّاً في انخفاض الكتل الترابية التي كانت سائدة، ونمت الأرض، وتحوّلت إلى مناطق تساهم في النمو الاقتصادي، حيث أصبحت وجهات تعكس الثراء البيئي المتنوع على أرض المملكة، مع تمكين المجتمعات المحليّة من الاستفادة منها للرعي المنظم.
فلسفة الإدارة الحديثة في رؤية سمو ولي العهد لم تغفل مكوّنات الوطن، على جميع القطاعات المختلفة، سواءً كانت ذات ارتباط مباشر بالتنمية الشاملة، أو غير مباشر، إلا أن العنصر المشترك الذي عززه سمو ولي العهد هو الاستدامة، حتى أصبحت أرض المملكة جوهرة في قيادة التنمية وتسويقها كوجهة تمثّل المعنى الحقيقي للتنمية الشاملة والاستدامة.













