تعتبر مسألة الحوار حول الفلسفة والتفكير النقدي من القضايا الأزلية التي تتجدد مع كل تحول حضاري؛ وفي هذا السياق، تطرح الدكتورة عقيلة دبيشي، الباحثة المتخصصة في الفلسفة السياسية ودراسات التطرف، رؤى عميقة حول كيفية تشكل سلطة المعرفة في الفكر العربي والغربي. وتؤكد دبيشي أن الفلسفة ليست مجرد رفاهية فكرية، بل هي درع يقي العقل من التبعية والانقياد الأعمى خلف الخرافات والتعصب المذهبي.
الصراع بين الفقهاء والفلاسفة على سلطة المعرفة
توضح الدكتورة عقيلة دبيشي أن الخلاف التاريخي بين الفقهاء والفلاسفة لم يكن مجرد نزاع ديني عقدي، بل كان صراعاً محتدماً على سلطة المعرفة والشرعية الاجتماعية. فبينما يرى الفقيه نفسه حارساً أميناً للنص والأخلاق العامة، ينزع الفيلسوف بطبعه نحو المساءلة والتفكيك. وتستشهد الشارحة الفلسفية بما شهدته أوروبا في القرون الوسطى حين حاربت الكنيسة رموز الفكر الحر أمثال جوردانو برونو وغاليليو غاليلي، نظراً لأن الطرح الفلسفي يزعزع الركود ويفتح آفاق النقد المؤسسي.
خطورة النص الأحادي وضمور الفكر البشري
وفي تحليلها لطبيعة النصوص، تشير دبيشي إلى أن النص المغلق الذي لا يقبل إلا تفسيراً أحادياً يصيب الفكر بالضمور والجمود. فالنصوص العظيمة عبر التاريخ هي تلك التي تتميز بالإنتاجية التأويلية وتفتح المجال أمام تعدد القراءات وتوليد المفاهيم والتأويلات المتجددة عبر العصور. كما تتطرق إلى محاولات التوفيق بين العقل والنقل، مثل أطروحات ابن رشد وابن سينا ومحمد عبده، واصفة إياها بالمحاولات الشجاعة التي نجحت في دفع التهمة عن العقل رغم وقوعها أحياناً في التكلف التطبيقي.
حضور المرأة الفيلسوفة وتفكيك المركزية الذكورية
ورداً على المقولات السائدة حول غياب المرأة عن المشهد الفلسفي، تؤكد دبيشي أن هذه المفاهيم هي نتاج مركزية ذكورية كتبت التاريخ بأقلام الرجال. فالتاريخ الفلسفي حافل بأسماء بارزة بدءاً من هيباتيا السكندرية، مروراً بـ هانا أرندت وسيمون دي بوفوار، وصولاً إلى الفيلسوفات المعاصرات. وترى أن المرأة لم تكن غائبة عن إنتاج الفكر، بل حُجبت نتاجاتها بفعل البنى الاجتماعية والثقافية السائدة.
التطرف في عصر الذكاء الاصطناعي والمخرج الحضاري
وحول التحديات الحديثة، تحذر دبيشي من التحول البنيوي للحركات المتطرفة في عصر الرقمية والذكاء الاصطناعي. فقد انتقلت الجماعات الراديكالية من الكهوف والخطب التقليدية إلى الفضاء السيبراني الفائق، مستغلة تقنيات التزييف العميق (Deepfakes) والتشفير التام والتجنيد غير المركزي عبر الشبكات المظلمة. وتشدد على أن مواجهة هذا الخطر المتصاعد لن تكون بالعنف فقط، بل بإحياء الفكر النقدي والفلسفي لدى الأجيال الجديدة، والانتقال بالمسلم من عقدة الضحية إلى فاعلية الإنجاز والمشاركة الحضارية الإيجابية.
The post عقيلة دبيشي: الصراع الفكري يدور حول سلطة المعرفة appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













