لا يملك الموت إلا أن يحجب الوجوه عن العيون، أما الوجوه التي سكنت القلوب فلا سلطان له عليها، تظل حاضرة بما غرس أصحابها من وفاء، وما خلّفوه من جميل الأثر، حتى ليُخيّل إلى من يستعيد ذكراهم أنهم لم يغيبوا، وإنما احتجبوا عن الأبصار، ومن هذه المعاني بدأت صلتي بالأديب محمد صالح البليهشي رحمه الله.
لم تبدأ هذه الصلة بلقاء، وإنما بدأت بمقال قرأته له عن الوالد الأستاذ علي الرابغي رحمه الله، فكان مقالاً صادق العاطفة، رفيع الوفاء، شعرت وأنا أقرأه أن صاحبه لا يكتب عن رجل غاب، وإنما يستعيد أيامًا جميلة عاشها مع صديق عزيز، فرفعت سماعة الهاتف لأشكره، فاستقبلني بخلق جم، وحديث هادئ، ثم قال في عفوية صادقة: يسرني أن تزورني في المدينة.
مضت الأيام حتى يسّر الله تلك الزيارة، فوقفت أمام منزله العامر في المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ودخلت وأنا أتهيأ للقاء أديب طالما سمعت باسمه، فما إن جلست إليه حتى انقضت وحشة اللقاء الأول، وشعرت أن بيننا معرفة تمتد إلى سنوات، وأن الذي جمعنا لم يكن التعارف، وإنما الوفاء الذي بقي حيًا بعد رحيل الوالد علي الرابغي رحمه الله.
كان مجلسه هادئًا كهدوء نفسه، وحديثه عذبًا لا تكلّف فيه، فإذا تحدث أنصتَّ إليه في متعة، وإذا أنصت إليك شعرت أنك تحدث صديقًا يعرف قدر الكلمة، ويزنها بميزان الأدب، ورأيت فيه تواضعًا يرفع صاحبه، وبساطة تزيده مهابة، وخلقًا يجذب القلوب قبل العقول.
وبينما نحن نتجاذب أطراف الحديث، أطال النظر إليّ، ثم ارتسمت على محياه ابتسامة امتزج فيها الحنين بالمودة، وقال: كأن علي الرابغي رحمه الله أمامي.
كانت كلمات قليلة، لكنها حملت من المعاني ما تعجز عنه صفحات طوال، فقد شعرت أن الوالد عاد حاضرًا في ذاكرة صاحبه، وأن الوفاء الصادق لا يحفظ الأسماء فحسب، بل يحفظ الوجوه، والنبرات، والملامح، وأن السنين مهما امتدت لا تستطيع أن تمحو من القلب صورة من أحب.
في ذلك اللقاء أدركت أن ما يكتبه الإنسان ليس إلا صورة لما يسكن نفسه، فمن صدقت سريرته صدقت كلمته، ومن عمر قلبه بالمودة ظهرت في حديثه، وقد رأيت ذلك كله في محمد صالح البليهشي رحمه الله، فازددت له تقديرًا، ودعوت الله أن يجزيه خير الجزاء على وفائه، وحسن خلقه.
ثم زادني من كرمه هدية سأظل أعتز بها ما حييت، إذ أهداني ثلاثة من مؤلفاته، فتسلمتها بامتنان بالغ، ولم أر فيها ثلاثة كتب فحسب، بل رأيت خلاصة عمر قضاه بين القراءة والبحث والكتابة، وأثرًا كريمًا من رجل عاش للأدب، فغدت تلك المؤلفات من أعز ما تحتفظ به مكتبتي، لأنها تذكرني بصاحبها كلما وقعت عليها عيني، وتعيد إلى ذاكرتي ذلك المجلس العامر بالمودة.
حين هممت بالانصراف، قال لي في صدق لا يزال صداه يرافقني: لا تجعلها آخر زيارة، كرر زيارتك.
خرجت من منزله، ولم أشعر أنني ودعت رجلًا التقيته لأول مرة، بل شعرت أنني فارقت قريبًا عرفته منذ زمن، وعدت وأنا أحمد الله على ذلك اللقاء الذي جمعني برجل حفظ العهد، وصان الود، وأكرم ابن صديقه كما لو أنه يكرم صديقه نفسه.
رحم الله الأديب محمد صالح البليهشي، فقد كان وفيًّا في مودته، متواضعًا في مجلسه، كريمًا في عطائه، وترك في نفسي ذكرى ستبقى ما بقيت الأيام، كما أيقنت بعد لقائه أن أجمل ما يخلّفه الإنسان بعد رحيله علمٌ ينتفع به، وخُلقٌ يقتدى به، ووفاءٌ يبقى حيًّا في قلوب من عرفوه.











