صوّتت لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ الأميركي، الخميس، لصالح إدانة الطبيب أنتوني فاوتشي، المسؤول السابق عن ملف الأمراض المعدية في الولايات المتحدة، بتهمة عرقلة صلاحيات الكونغرس، في خطوة قد تمهد لإحالته إلى وزارة العدل للنظر في توجيه تهمة ازدراء الكونغرس بحقه.
اعلان
اعلان
وجاء التصويت، الذي أُقرّ بأغلبية 8 أصوات مقابل 7 وعلى أساس حزبي، بعد جلسة استماع رفض خلالها فاوتشي الإجابة عن أسئلة أعضاء جمهوريين في اللجنة، مستنداً أكثر من 100 مرة إلى حقه بموجب التعديل الخامس للدستور الأميركي، الذي يحمي الأفراد من الإدلاء بأقوال قد تستخدم ضدهم جنائياً.
وعلى أثر هذا الرفض المتكرر، قال السيناتور الجمهوري راند بول، رئيس اللجنة، إنه يعتزم إحالة قرار اللجنة مباشرة إلى وزارة العدل، رغم أن المسار التقليدي يتطلب عادة موافقة مجلس الشيوخ بكامل أعضائه قبل إرسال مثل هذه الإحالات.
خلاف حول صلاحيات الكونغرس والإجراءات
ولتفسير هذا المسار، قال بول إن اللجنة تملك صلاحية إرسال القرار مباشرة إلى وزارة العدل، مؤكداً أن الأغلبية وافقت على الإحالة ولا حاجة، بحسب رأيه، إلى إجراءات إضافية قبل تسليم الملف.
لكن هذا التوجه يرتبط بخطوة إجرائية أخرى، إذ يتطلب تجاوز اللوائح المعتادة موافقة نائب الرئيس جاي دي فانس، بصفته رئيساً لمجلس الشيوخ، قبل أن تتمكن وزارة العدل من التعامل مع الإحالة.
وقال بول إنه لا يزال يترك احتمال إجراء تصويت لاحق في مجلس الشيوخ بكامل أعضائه، مشيراً إلى وجود سوابق يرى أنها تسمح بإتمام الإجراء بالطريقة التي اختارها.
وفي ظل هذا الخلاف الإجرائي، حذّر خبراء قانونيون من أن القضية قد تواجه عقبات أمام المحاكم، خصوصاً بسبب الجدل حول مدى أحقية فاوتشي في استخدام التعديل الخامس رغم حصوله على عفو رئاسي استباقي.
ولم تعلن وزارة العدل حتى الآن ما إذا كانت ستفتح تحقيقاً مع فاوتشي بشأن ازدراء الكونغرس، مكتفية بالقول إنها تراجع الإحالات الواردة من الكونغرس.
العفو الرئاسي في قلب النزاع القانوني
ويرتبط جانب أساسي من الخلاف بالعفو الذي منحه الرئيس السابق جو بايدن لفاوتشي قبل مغادرته البيت الأبيض، والذي يرى الجمهوريون في اللجنة أنه كان ينبغي أن يمنعه من الاحتجاج بالتعديل الخامس، لأنه يحميه من الملاحقة بشأن أفعال مرتبطة بعمله الرسمي بين عام 2014 و19 يناير/كانون الثاني 2025.
في المقابل، يجادل محامو فاوتشي بأن العفو لا يلغي حقه الدستوري في رفض الإجابة عن أسئلة قد تحمل تبعات قانونية.
ولا يوجد حسم قانوني واضح حتى الآن بشأن العلاقة بين الحماية التي يوفرها العفو الرئاسي والحق في عدم تجريم الذات، وهو ما يجعل هذه النقطة إحدى القضايا الأساسية المحتملة في أي مواجهة قضائية لاحقة.
ويستشهد مؤيدو ملاحقة فاوتشي بسابقة مستشارين سابقين للرئيس دونالد ترامب، هما ستيف بانون وبيتر نافارو، اللذان أُدينا بعرقلة صلاحيات الكونغرس في التحقيق وحُكم عليهما بالسجن.
اتهامات بشأن إدارة جائحة كوفيد-19
وخلف الخلاف القانوني حول شهادة فاوتشي، يركز التحقيق الجمهوري على دوره خلال جائحة كوفيد-19، وعلى الخلاف المستمر بشأن منشأ الفيروس.
ويتهم بول فاوتشي بإخفاء معلومات بشأن أبحاث فيروسية في الصين، ويقول إن الولايات المتحدة موّلت بشكل غير مباشر أبحاثاً مرتبطة بما يعرف بـ”اكتساب الوظيفة”.
وينفي فاوتشي هذه الاتهامات، مؤكداً أن المعاهد الوطنية الأميركية للصحة لم تمول أبحاثاً أدت إلى ظهور الفيروس المسبب للجائحة.
ولا تزال مسألة منشأ الفيروس موضع نقاش، بين فرضية انتقاله الطبيعي من الحيوان إلى الإنسان وفرضية تسربه من مختبر، من دون وجود دليل حاسم متفق عليه علناً.
دور روبرت كينيدي الابن والوثائق الشخصية لفاوتشي
وفي إطار التحقيق الذي يقوده، استعان بول خلال العام الماضي بوزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت كينيدي الابن للمساعدة في جمع معلومات حول تعامل الحكومة مع الجائحة.
وكان كينيدي، المعروف سابقاً بنشاطه المناهض للقاحات، قد خاض خلافات طويلة مع فاوتشي بشأن إدارة الأزمة الصحية.
وقبل جلسة الاستماع، سلّمت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية نسخة من هاتف فاوتشي الحكومي، وهو جهاز آيفون استخدمه خلال فترة إدارته للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، إلى السيناتور الجمهوري رون جونسون، عضو اللجنة.
وجاء ذلك بعد أن كشف كينيدي عن مذكرات شخصية لفاوتشي من فترة الجائحة، وقال إنه عثر عليها على خوادم تابعة للوزارة وسلمها إلى بول.
ونشر بول مقتطفات من هذه المذكرات قبل جلسة الاستماع، وتضمنت تعليقات شخصية لفاوتشي بشأن زملائه والنقاشات الداخلية وشعوره تجاه الشهرة التي اكتسبها خلال الجائحة. لكن المذكرات لم تقدم أدلة جديدة تثبت اتهامات الجمهوريين المتعلقة بمنشأ الفيروس أو وجود تعمد لإخفاء معلومات.
انتقادات ديمقراطية ودفاع من محامي فاوتشي
وفي مقابل هذا الزخم الجمهوري، اعترض الديمقراطيون في اللجنة على التصويت، معتبرين أن التحقيق اتخذ مساراً سياسياً.
وقال السيناتور غاري بيترز إن على اللجنة تأجيل القرار إلى حين الحصول على ضمانات بشأن عدم استخدام القضية بطريقة تضعف قدرة مجلس الشيوخ على ممارسة الرقابة مستقبلاً.
وقال محامي فاوتشي ديفيد شيرتلر إن القرار يمثل محاولة لمعاقبة موكله بسبب استخدامه حقاً دستورياً، مؤكداً أن فاوتشي لم يرتكب أي جريمة.
وجاءت تصريحات بعض الجمهوريين قبل جلسة الاستماع لتضيف بعداً آخر إلى النقاش حول أهداف التحقيق، إذ أقر بعض أعضاء اللجنة بأنهم كانوا يأملون في دفع فاوتشي إلى الإدلاء بتصريحات قد تعرضه لاحقاً لاتهامات بالحنث باليمين، وهي تهمة مختلفة عن ازدراء الكونغرس ولا يشملها العفو الرئاسي وفق تفسيرهم.
ويرى منتقدو هذه التصريحات أنها قد تؤثر على حجة الجمهوريين بأن الهدف الأساسي من التحقيق هو الحصول على معلومات من فاوتشي، إذ تشير إلى وجود اهتمام أيضاً بإمكانية فتح مسارات اتهام أخرى.
موقف ترامب من فاوتشي
وفي الوقت الذي يواصل فيه الجمهوريون في الكونغرس تحركاتهم ضد فاوتشي، انتقد الرئيس دونالد ترامب الطبيب في منشورات عبر منصته “تروث سوشال”، واتهمه بأنه “سعى إلى حماية الصين” واتخذ “الكثير من القرارات الخاطئة” خلال الجائحة.
لكن ترامب لم ينضم علناً إلى الدعوات الجمهورية المطالبة بملاحقة فاوتشي قضائياً. ورداً على سؤال حول إمكانية إلغاء العفو الذي منحه بايدن، قال ترامب: “لقد حصل على عفو من بايدن، وأنا أحترم ذلك. أعرف مدى قوة هذا الإجراء… يقولون إنه فعلياً أقوى سلطة يملكها الرئيس”.
وكان ترامب قد اعتمد على مشورة فاوتشي خلال المرحلة الأولى من الجائحة، قبل أن يصبح لاحقاً أحد أبرز منتقديه، كما منحه قبل مغادرته البيت الأبيض أحد أوسمة التكريم الرئاسية تقديراً لخدمته العامة.













