1 – المائدَة
لَم يَكونوا في عُيونِهم عندما وصَلْنا، رُبّما غادروها إلى جِهاتٍ يُسمّونها القُمصان، فَقدْ وجدْنا اِبتساماً ما زال ساخناً على الطاولةِ يَحْكي أنّ ثمّةَ مَن أغْراهُم بِالعُثورِ على ظِلالهم كاملةً لَم يَمسّها كَدرٌ وصدّقوه، مَنْ سَوّلَ لهم أنّ الأطباقَ سُرعانَ ما تَتبعُ الذين يُرَبُّونها، أنّ ثمّة مَن غَرّرَ بِهم، زيّن لهم ضَجيجَ الخُطى المُبتعدةِ، ثمة مَن عَرَضَ عليهم الرّيشَ واتّبَعوه، لَم يَعْنِهم أنْ يَتَبيّنوا أولئكَ الذين خرجوا مِن عُيونِهم وأذْرُعِهم ومِن بَشَراتِهم وتَركُوها عُرْضةً لِلّيلِ ولِأغْطيَةِ الطاولاتِ عُرضةً لِلجْدْرانِ والرّفُوفِ والكتبِ، تركوها لِلضوءِ كأنها لَيستْ لَهُم، لِلَفْحِ تَهوُّرِهم وشُحِّ تَبصُّرِهم، ولِما ليسَ أبداً مِنهُم، تركوها وراءَهم وحْدَها ووَحْدها مَفتوحةً في صُورةٍ.
2 – وُقوفاً بِالطاولةِ
غابَ عنهم أنّ رِيشَ الطاولةِ كثيفٌ، ظَنّوا الفناجينَ حرّاساً وأنّ عيونَها لن تَغفلَ، كانوا يُعوِّلُونَ كثيراً على فِطنةِ عُلبِ التّبغِ، هُم الذين يَحفظون عن ظهْرِ قلبٍ ثيابَهم، كانوا يَثِقون بِحوافِّ الخشبِ فيترُكون أَيدٍيهم أمانةً عندها، يَتركون نظراتِهم أبعدَ قليلاً، كأنهم كانوا يُدرِكون بِفِعلهم ذاكَ، أنّ وُجوهَهم التي سَقوها ثِقةً زائدةً أنّ وجوههم رَبّوها على البلاغةِ وسَيَّجوها بِالإيقاعِ سَتُسرقُ وأنهم عندما يَعودون مِن زجاجِ المنافضِ ويتركونها وَراءَهم لن يَجدوا لها أثراً؛
إِلى اليومِ هُم لا يُصدِّقونَ أنّ أذرعاً وأكتافاً وتوجُّساتٍ تُركت قائمةً هكذا في وحْشةٍ وأُلقيَ بِها في حَنينٍ وألوانٍ وضَوءٍ خافتٍ وظِلالٍ كامدةٍ يَجْرحُها بِشِدَّةٍ إِطارٌ.













