كشف رئيس سوريا للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع عن تفاصيل المفاوضات الجارية مع إسرائيل بشأن التوصل إلى اتفاق أمني، مؤكداً أن دمشق اختارت مسار الدبلوماسية لتجنب انزلاق المنطقة نحو صراع أوسع، وذلك رغم استمرار التواجد العسكري الإسرائيلي على الأراضي السورية.
اعلان
اعلان
وجاءت تصريحات الشرع في مقابلة مع وكالة “الأناضول” التركية على هامش مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي بنسخته الخامسة الذي انطلقت أعماله الجمعة، خلال زيارة رسمية يجريها إلى تركيا.
قال الرئيس السوري المؤقت إن سياسة بلاده في مرحلة ما بعد الحرب التي استنزفت السوريين طوال أربعة عشر عاماً تتركز على التنمية وإعادة الإعمار، وهما مساران يتطلبان قدراً كبيراً من الاستقرار.
اتهامات لإسرائيل وخيار الدبلوماسية
واتهم الشرع إسرائيل بممارسة “وحشية كبيرة” ضد سوريا، مشيراً إلى “استهدافها مواقع سورية متعددة وقيامها باحتلال أراضٍ محاذية لهضبة الجولان المحتلة أصلاً منذ عام 1967”.
وأضاف أن “إسرائيل استغلت تطورات مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد لاحتلال المنطقة العازلة وإعلان انهيار اتفاقية فض الاشتباك الموقعة بين الجانبين عام 1974”.
ومع ذلك، شدد الشرع على أن دمشق اختارت طريق الحوار الدولي بديلاً عن المواجهة. وقال: “اخترنا طريق الدبلوماسية وإقناع المجتمع الدولي بالمساعدة حتى لا تتأزم الأمور وتذهب إلى حالة من الصراع، خاصة بعد أن استُنزف الشعب السوري خلال الـ 14 سنة الماضية”.
“لم نصل إلى طريق مسدود”
وفيما يتعلق بسير المحادثات مع الجانب الإسرائيلي، أوضح الشرع أن المفاوضات “تجري بصعوبة شديدة بسبب إصرار إسرائيل على التواجد على الأراضي السورية”، لكنه استدرك قائلاً: “لا أعتقد أنها وصلت إلى طريق مسدود”.
وأكد أن دمشق “جادة” في مسعاها للحصول على اتفاق أمني يحافظ على استقرار المنطقة، مشيراً إلى أن صورة سوريا بدأت تتحول إقليمياً ودولياً من بؤرة أزمة إلى عامل استقرار محتمل.
وقال: “نحن جادون بأن نحصل على نوع من الاتفاق الأمني يحافظ على استقرار المنطقة. وسوريا اليوم انتقلت من حالة أزمة وبدأت تتشكل الفكرة عند جميع الدول والنظر إليها على أنها حالة استقرار إقليمي ودولي”.
الجولان “حق أصيل”
وجدّد الشرع التأكيد على بطلان أي اعتراف دولي بضم إسرائيل للجولان المحتل، معتبراً أن السيادة على هذه الأرض “حق أصيل للشعب السوري”.
وكشف أن المستوى الأول من المفاوضات الحالية يتركز على البحث في “اتفاق أمني” يضمن انسحاب القوات الإسرائيلي إلى الخطوط المتفق عليها في اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
وفي سياق زيارته لتركيا التي وصفها بأنها كانت “مناصرة للثورة السورية طوال 14 عاماً ووقفت إلى جانب الشعب السوري المظلوم”، تحدث الشرع عن فرص إقليمية جديدة أتيحت أمام بلاده.
وقال إن “الأزمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران فتحت فرصاً لسوريا لتكون طريقاً آمناً لإمدادات الطاقة وسلاسل التوريد بين الخليج العربي وتركيا، عبر موانئها على البحر المتوسط”.
وكشف الشرع أن تصدير النفط العراقي بدأ فعلياً عبر الموانئ السورية، مشيراً إلى أن ما يعرف بـ”مشروع البحار الأربعة” هو جزء من خطة التكامل الإقليمي التي تهدف إلى تأمين سلاسل التوريد العالمية عبر تكامل سوريا وتركيا وأذربيجان ودول الخليج العربي.
وفي الشأن الداخلي، تحدث الشرع عن تحقيق “تقدم ملموس” في عملية “دمج قوى الثورة مع قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). واعتبر أن خروج آخر قاعدة عسكرية أجنبية من شمال شرق سوريا يمثل خطوة جوهرية نحو استقرار البلاد.
تعثر مسار التطبيع
يُذكر أن الرئيس الشرع كان قد صرح خلال زيارته إلى لندن الشهر الماضي بأن حكومته وصلت إلى “مراحل متقدمة” في مساعي تطبيع العلاقات مع إسرائيل، غير أن الجانب الإسرائيلي غيّر موقفه في “اللحظة الأخيرة”.
وقال آنذاك خلال مشاركته في فعالية نظمها تشاتام هاوس: “حاولنا الحوار المباشر وغير المباشر والمفاوضات، وتوصلنا إلى نتائج جيدة، لكن إسرائيل غيّرت موقفها في اللحظة الأخيرة”، دون أن يكشف عن مزيد من التفاصيل حول أسباب هذا التعثر.
وسيطرت إسرائيل على أجزاء من هضبة الجولان عام 1967 وضمتها عام 1981 في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي باستثناء الولايات المتحدة.
وعقب إطاحة نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، شنّت مئات الغارات على مواقع عسكرية سورية ونشرت قواتها في المنطقة العازلة الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة، في خطوة اعتبرتها المنظمة الدولية انتهاكاً لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
ونفّذت إسرائيل منذ ذلك الحين توغلات متكررة داخل الأراضي السورية، معلنة سعيها لإقامة منطقة منزوعة السلاح جنوب البلاد.
وتطالب دمشق باحترام اتفاق فض الاشتباك الذي يحدد الخط الفاصل بين الجولان المحتل والأراضي السورية.
ومنذ العام الماضي، عقد الطرفان جولات محادثات واتفقا تحت ضغط أميركي في كانون الثاني/يناير على إنشاء آلية تنسيق مشتركة تمهيداً لاتفاق أمني بين البلدين اللذين لا يزالان رسمياً في حالة حرب منذ عقود.
المبعوث الأمريكي: الشرع لا يريد حرباً مع إسرائيل
في موقف موازٍ خلال المنتدى ذاته، أكد المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم براك أن رئيس سوريا للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع أكد له أنه “لا يريد الدخول في حرب مع إسرائيل”.
وشدد براك على أن سوريا لم تطلق أي صاروخ باتجاه إسرائيل خلال التصعيد الجاري، مضيفاً أن دمشق تبدي تفضيلاً واضحاً لخيار التهدئة وإعادة ترتيب الأمن الإقليمي بدلاً من إشعال الجبهات.
وتوقع المسؤول الأمريكي التوصل إلى “اتفاق عدم اعتداء وتطبيع” مع سوريا بوتيرة أسرع مما هو متوقع مع لبنان. وقال إن “الحكومة السورية انتهجت سياسة بالغة الذكاء والصبر في تجنب الصدام مع إسرائيل والجانب السوري أعرب مراراً وتكراراً عن استعداده للحوار مع إسرائيل”.
واعتبر براك أن “القوة وحدها تحظى بالاحترام في المنطقة وأن الحل يكمن في التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل كنهج قائم على الازدهار لحل حالة عدم الاستقرار في المنطقة”.
الانسحاب الأمريكي الكامل
تتزامن هذه المواقف والتصريحات الصادرة عن منتدى أنطاليا الدبلوماسي مع إعلان الانسحاب الأمريكي الكامل من سوريا.
فقد أعلنت وزارة الدفاع السورية أن الجيش تسلم قاعدة “قسرك” الجوية بريف محافظة الحسكة شمال شرقي البلاد، بعد انسحاب القوات الأمريكية منها.
ومن جهته، أكد متحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية “إكمال تسليم تلك القواعد إلى القوات السورية”، مشيراً إلى أن “القوات الأمريكية ستواصل دعم جهود شركائنا لمكافحة الإرهاب”.













