نشرت في
أفرز التصعيد العسكري في الشرق الأوسط واقعاً طاقياً جديداً، حيث سارعت الدول الأوروبية المتضررة من تعطل إمدادات الغاز إلى تنويع مصادرها بشكل عاجل. وفي هذا المشهد، تعززت مكانة الجزائر كملاذ آمن لضمان الأمن الطاقي الأوروبي بفضل قدراتها الإنتاجية وموقعها الاستراتيجي.
اعلان
اعلان
وجاء هذا التوجه الأوروبي بعد ارتفاع أسعار الطاقة بشكل ملحوظ خلال الشهر الجاري، إثر استهداف منشأة رأس لفان في قطر، وهي أكبر مركز للغاز الطبيعي المسال في العالم، ما أدى إلى أضرار كبيرة وتعطّل في سلاسل الإمداد.
وانعكست هذه التطورات مباشرة على الأسواق، حيث ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 35%، بالتزامن مع تراجع حركة ناقلات الغاز والنفط عبر مضيق هرمز نتيجة التوترات الأمنية المتصاعدة، الأمر الذي أثار مخاوف من أزمة إمدادات ممتدة.
وفي هذا السياق، أدان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما وصفه بـ”التصعيد المتهور”، محذرًا من أن تدمير قدرات إنتاج الطاقة قد يجعل تداعيات الحرب طويلة الأمد وأكثر تعقيدًا، خاصة على مستوى الاستقرار الاقتصادي العالمي وأسواق الطاقة.
أمام هذا الواقع، سارعت الدول الأوروبية إلى إعادة تقييم مصادرها الطاقية، لا سيما تلك التي كانت تعتمد بشكل كبير على إمدادات الخليج. وقد استفادت الجزائر، التي تمتلك شبكة من خطوط الأنابيب المرتبطة مباشرة بأوروبا، من هذا التحول لتكثيف صادراتها سواء عبر الأنابيب أو من خلال الشحن البحري، في محاولة لتلبية الطلب المتزايد.
وتُعد الجزائر بالفعل من أبرز موردي الغاز إلى أوروبا، وهو موقع تعزز بشكل ملحوظ بعد الأزمة الروسية الأوكرانية في عام 2022، عندما خفّضت الدول الأوروبية اعتمادها على الغاز الروسي.
ووفق بيانات حديثة، ارتفعت إمدادات الغاز الجزائرية عبر خطوط الأنابيب نحو الاتحاد الأوروبي بنسبة 22% في يناير مقارنة بالشهر السابق، ما يعكس تنامي أهميتها في معادلة الطاقة الأوروبية.
وتبرز إسبانيا كأحد أبرز المستفيدين من هذه الإمدادات، إذ شكّل الغاز الجزائري أكثر من 29% من وارداتها خلال الشهرين الأولين من العام، بحسب بيانات مشغل الشبكة “Enagás “.
وفي هذا الإطار، ناقش وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس مع نظيره الجزائري سبل تعزيز التعاون الطاقي، مشيرًا إلى إمكانية زيادة حجم الإمدادات في ظل التطورات الراهنة. كما أفادت مصادر مطلعة بأن إسبانيا والجزائر تدرسان رفع الصادرات بنسبة تصل إلى 10%.
من جانبها، تسعى إيطاليا أيضًا إلى توسيع شراكتها مع الجزائر في مجال الطاقة، حيث أكدت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أن العلاقات بين البلدين تشهد مستوى غير مسبوق من التعاون، في وقت تعتمد فيه روما على الجزائر لتغطية نحو 30% من احتياجاتها من الغاز، مع توجه لزيادة هذه النسبة لتعويض النقص الناجم عن اضطرابات الإمدادات القادمة من قطر.
ورغم هذا الزخم في الطلب الأوروبي، يشير خبراء إلى أن الجزائر لا تستطيع، في المدى القريب، تعويض كامل النقص في الإمدادات القادمة من الخليج، نظرًا لفارق القدرات الإنتاجية، حيث لا يتجاوز إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال نحو نصف إنتاج قطر. كما أن توسيع القدرات الإنتاجية يتطلب استثمارات ووقتًا إضافيًا.
وفي هذا السياق، ترى تيريزا فالون، مديرة مركز دراسات روسيا وأوروبا وآسيا في بروكسل، في تصريحاتها لوسائل إعلام، أن التداعيات الاقتصادية لهذه الأزمة قد تمتد لسنوات، خاصة مع استهداف منشآت الإنتاج الحيوية بدلًا من الاكتفاء بطرق النقل أو التخزين، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن استقرار منظومة الطاقة العالمية.













