نشرت في •آخر تحديث
كشفت مجلة “Air & Space Forces Magazine” الأميركية، المتخصصة في الشؤون الجوية والعسكرية، في تقرير استند إلى مقابلات مباشرة مع طيارين ومسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، تفاصيل مواجهة جوية خطرة وقعت في 27 آذار/مارس 2025 خلال “عملية الفارس الخشن” (Operation Rough Rider) ضد الحوثيين.
اعلان
اعلان
ووفق التقرير، كانت المهمة جزءا من حملة جوية أميركية استمرت 52 يوما، وهدفت إلى تحييد منظومات الدفاع الجوي “المعادية” بالتزامن مع ضربة استراتيجية نفذتها قاذفات B-2 سبيريت ضد منشآت لإنتاج الصواريخ الباليستية في اليمن. إلا أن ما بدا عملية منسقة ومحسوبة تحول خلال 15 ثانية فقط إلى كمين صاروخي بصواريخ أرض-جو، وضع طيارين أميركيين على حافة الموت فوق صنعاء والبحر الأحمر.
فماذا حدث خلال تلك الدقائق الحرجة أثناء الانسحاب، وهل كشفت المواجهة عن قدرات دفاع جوي حوثية أكثر تنظيما وتعقيدا مما كان يُقدَّر؟
إطار الحملة وبنية القيادة غير التقليدية
انطلقت “عملية الفارس الخشن” في 15 آذار/مارس 2025، وشكلت حملة جوية واسعة النطاق ضد الحوثيين. تمركزت حاملة الطائرات هاري إس ترومان قبالة الساحل اليمني، وعلى متنها مقاتلات F/A-18 سوبر هورنت وطائرات EA-18 غراولر للحرب الإلكترونية، إلى جانب طائرات MQ-9 ريبر المسيرة، ما وفر غطاء جويا متكاملا للعمليات.
ومع توسع نطاق الضربات، وصلت ست قاذفات B-2 إلى جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي بحلول 25 آذار/مارس، وفقا لبيانات مفتوحة المصدر، في مؤشر إلى تصعيد نوعي في مستوى العمليات.
وفي سياق إداري لافت، قرر قائد القيادة المركزية الأميركية آنذاك الجنرال مايكل إريك كوريلا نقل إدارة العمليات الجوية ضد الحوثيين من القوات الجوية المركزية وقائد المكون الجوي للقوات المشتركة CFACC إلى قيادة العمليات الخاصة المشتركة JSOC في فورت براغ، التي كان يقودها نائب الأميرال فرانك “ميتشل” برادلي. وقد اعتبر هذا التحول غير تقليدي، نظرا لندرة إدارة حملة جوية بهذا الحجم من قبل قيادة عمليات خاصة، ما أثار نقاشا داخل الأوساط العسكرية حول جدوى القرار وتوازن أولوياته.
مهمة تحييد منظومات الدفاع الجوي
ينتمي المقدم ويليام “سكايت” باركس والرائد مايكل “دينجر” بليا إلى السرب المقاتل 480 المتمركز في قاعدة سبانغداهلم الجوية في ألمانيا. وقد انتشرت الوحدة في الشرق الأوسط منذ تشرين الأول/أكتوبر 2024 وحتى تموز/يوليو 2025، ضمن مهام تستهدف شل قدرات الدفاع الجوي المعادي وتأمين حرية العمل الجوي لبقية التشكيلات.
وتعرف هذه الوحدات باسم “وايلد ويزل”، وهي متخصصة في استهداف الرادارات ومنظومات صواريخ أرض-جو، وهي مهمة تعود جذورها إلى حرب فيتنام. وتحمل طائرات السرب رادارات صفيف مسح إلكتروني نشط AESA، إضافة إلى حواضن HARM Targeting System لرصد الانبعاثات الرادارية المعادية، إلى جانب نظام APKWS لاعتراض الطائرات المسيرة.
في 27 آذار/مارس 2025، شاركت أربع مقاتلات F-16 من السرب في مهمة هدفت إلى تحييد مظلة الدفاع الجوي الحوثية قبيل وأثناء تنفيذ الضربة الاستراتيجية.
تنفيذ الضربة وإطلاق الصواريخ
بالتزامن مع دخول قاذفات B-2 إلى منطقة الهدف قرب صنعاء، أطلق باركس وبليا صاروخي AGM-88 HARM مضادين للإشعاع باتجاه مواقع دفاع جوي حوثية.
وكان هذان الصاروخان جزءا من نحو 50 صاروخا أُطلقت خلال الحملة في ما يقرب من عشرين اشتباكا ضد مواقع صواريخ أرض-جو ومدفعية مضادة للطائرات. كما شكلت هذه الحملة أول استخدام أميركي لصواريخ HARM منذ عملية أوديسي داون ضد ليبيا عام 2011.
أصابت الصواريخ أهدافها، واختفت الانبعاثات الرادارية، ما أعطى انطباعا بأن المنظومات المعادية قد تم تحييدها. وبناء على ذلك، بدأت حزمة الضربة الانسحاب عبر مسار يمر فوق البحر الأحمر نتيجة قيود المجال الجوي.
غير أن هذه المرحلة، التي يفترض أن تكون الأكثر أمانا، تحولت إلى الأخطر.
الكمين.. دفاع جوي بوسائل غير تقليدية
أظهرت التحليلات اللاحقة أن الحوثيين لم يعتمدوا على تشغيل دائم للرادارات، بل استخدموا مراقبين بصريين وأجهزة استشعار كهروبصرية ومستشعرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء، إلى جانب تشغيل راداري متقطع قبيل الإطلاق.
وبعد انتهاء الضربة الرئيسية، انتظر الحوثيون حتى أصبحت صواريخ أرض-جو جاهزة، ثم شغلوا الرادارات لفترة قصيرة قبل الإطلاق، فيما وصف بكمين صاروخي “SAMbush”.
لم يحصل الطياران إلا على 15 إلى 20 ثانية من الإنذار.
اتجه باركس مباشرة نحو الصاروخ في مناورة تفادي حادة عالية الجاذبية لإرباكه، فمر أسفل جناح الطائرة الأيسر بمسافة قريبة جدا. وبعد دقائق، واجه بليا صاروخا آخر مر على بعد نحو 30 قدما من مقدمة طائرته.
وخلال نحو 15 دقيقة، أُطلقت ستة صواريخ على الطائرتين، ما أجبرهما على تنفيذ مناورات دفاعية متواصلة واستخدام وسائل مضادة، الأمر الذي أدى إلى استنزاف الوقود بسرعة كبيرة.
استنزاف الوقود وتدخل طائرة التزويد
مع استمرار المناورات عالية الجاذبية واستخدام الحارق اللاحق، ارتفع معدل استهلاك الوقود إلى مستويات حرجة. وكان نفاده يعني احتمال القفز بالمظلة فوق أراض معادية أو في البحر الأحمر.
وفي حال توقف المحرك بسبب نقص الوقود، يمكن تشغيل وحدة الطاقة الطارئة العاملة بالهيدرازين لبضع دقائق، غير أن فقدان نظام التحكم الإلكتروني fly-by-wire يجعل الطائرة غير قابلة للتحكم.
أمام هذا الخطر، تدخل مركز العمليات الجوية المشتركة التابع للقوات الجوية المركزية، ووجه طائرة تزويد بالوقود إلى موقع أقرب إلى منطقة التهديد. حصل بليا أولا على الوقود، في خطوة اعتُبرت حاسمة في ضمان عودة الطائرتين بسلام، فيما نال طاقم طائرة التزويد لاحقا أوسمة الصليب للطيران المتميز.
حصيلة الانتشار والجوائز
خلال فترة الانتشار، قاد باركس 56 عسكريا و12 طائرة F-16. واستخدم السرب نظام APKWS كسلاح جو-جو لاعتراض الطائرات المسيرة، كما استخدم صواريخ AIM-9M سايدويندر، محققا أول إسقاط جوي بهذا الطراز منذ أكثر من 30 عاما.
وسجل السرب 108 عمليات إسقاط لطائرات مسيرة وصواريخ كروز، ونفذ أكثر من 1400 طلعة جوية، حلق خلالها 9000 ساعة، واستخدم 134 قنبلة و47 صاروخ AGM-88، وتعرض إلى 22 اشتباكا مع صواريخ أرض-جو ومدفعية دفاع جوي.
حصل باركس وبليا على وسام النجمة الفضية عن تلك الليلة، فيما نال باركس أيضا وسام النجمة البرونزية عن مجمل أدائه خلال الانتشار.
وبذلك، أظهرت حادثة 27 آذار/مارس 2025 أن أخطر مراحل العمليات الجوية قد لا تكون أثناء تنفيذ الضربة، بل أثناء الانسحاب، حين يمكن لثوان معدودة أن تفصل بين العودة الآمنة والسقوط.













