بقلم: يورونيوز
نشرت في
نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية تقريرًا شبّهت فيه المداهمة الليلية المفاجئة للعاصمة الفنزويلية كاراكاس، التي انتهت باعتقال زعيم البلاد، بالسيناريو الذي تصوّره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لغزو أوكرانيا في فبراير 2022، مضيفةً: “لكن من نفّذ هذا السيناريو فعليًا كان دونالد ترامب في فنزويلا”.
وأشارت الصحيفة إلى أنه، ورغم الغضب العلني الذي عبّر عنه مسؤولون روس، فإن “ما خلف الخطاب الرسمي كان شعورًا باحترام متحفّظ، بل وحتى غيرة، من فعالية الانقلاب الذي كانت موسكو نفسها تتخيّله، لكنها فشلت في تنفيذه بسبب إخفاقات استخباراتية ومقاومة أوكرانية قوية”.
ونقلت عن قناة “دڤا مايورا” المقرّبة من الكرملين على تطبيق “تلغرام” قولها: “على الأرجح، هكذا كان من المفترض أن تسير عمليتنا العسكرية الخاصة: سريعة، درامية وحاسمة. من الصعب تصديق أن فاليري غيراسيموف كان يخطط لخوض حرب تمتد أربع سنوات”، في إشارة إلى رئيس هيئة الأركان العامة الروسية.
وأضافت الصحيفة أن هذا النوع من التعليقات أسهم في خلق”حالة من المراجعة الذاتية” بين الأصوات المؤيدة للحرب داخل روسيا، وطرح تساؤلات حول “كيف تحوّل الهجوم الخاطف الموعود في أوكرانيا إلى حرب طويلة ودامية”.
كما أورد التقرير تعليقًا لأولغا أوسكوفا، رائدة الأعمال التكنولوجية المقرّبة من الكرملين، التي قالت إنها شعرت بـ”العار” نيابة عن روسيا إزاء ما وصفته بجرأة التدخل الأميركي، وكتبت: “في غضون يوم واحد، اعتقل ترامب مادورو، وأنهى على ما يبدو عمليته العسكرية الخاصة”.
من جهتها، علّقت مارغريتا سيمونيان، رئيسة قناة “روسيا اليوم” وأبرز الوجوه الإعلامية المقرّبة من الكرملين، عبر “تلغرام”، قائلة إن لدى موسكو سببًا “للغيرة”.
وبحسب “الغارديان”، فإن فنزويلا، التي سعت على مدى أكثر من عقدين إلى بناء شبكة من الحلفاء المناهضين للولايات المتحدة، من روسيا والصين إلى كوبا وإيران، لم تتلقَ دعمًا فعليًا من أي طرف، رغم تعهّد وزير الخارجية الروسي بدعم نظام نيكولاس مادورو حتى أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي.
وأوضحت أن روسيا، “الغارقة في مستنقع الحرب في أوكرانيا، راقبت خلال العام الماضي تراجع أو سقوط حلفاء أساسيين آخرين، من بشار الأسد في سوريا إلى إيران التي تواجه ضغوطًا متزايدة، ما كشف حدود النفوذ الروسي على الساحة الدولية”.
وفي هذا السياق، قال فيودور لوكيانوف، خبير السياسة الخارجية والمستشار المقرب من الكرملين: “الوضع بالنسبة لروسيا بالغ الإحراج. فنزويلا شريك مقرّب وحليف أيديولوجي، وتربط مادورو وبوتين علاقات طويلة، ما يترك لموسكو خيارًا واحدًا هو التعبير عن الغضب. لكن تقديم أي مساعدة حقيقية لدولة بعيدة إلى هذا الحد، وفي سياق جيوسياسي مختلف جذريًا، غير ممكن ببساطة لأسباب تقنية ولوجستية”.
لماذا لم يتدخل بوتين؟
ويرى محللون أن الأولوية القصوى لبوتين تبقى أوكرانيا، والحفاظ على علاقة جيدة مع ترامب في هذا الملف يفوق بكثير مصير كاراكاس.
ويضيف لوكيانوف: “بوتين وترامب يركّزان حاليًا على قضية أكثر أهمية بكثير بالنسبة لموسكو: أوكرانيا. ومن غير المرجح أن يضحّي الكرملين بلعبة استراتيجية أكبر مع شريك محوري بسبب ما يعتبره مسألة ثانوية”.
كيف سيؤثر سقوط نظام مادورو؟
ومع ذلك، تشير “الغارديان” إلى أن خسارة فنزويلا تحمل تكلفة كبيرة على روسيا، إذ إن وصول حكومة موالية للولايات المتحدة إلى السلطة في كاراكاس قد يتيح لخبراء عسكريين ودفاعيين أميركيين الاطلاع على جزء كبير من ترسانة الجيش الفنزويلي، بما في ذلك أنظمة روسية متطورة زُوّدت بها البلاد خلال العقد الماضي.
وتشمل هذه الأنظمة منظومات الدفاع الجوي “S-300VM” التي سُلّمت عام 2013، إضافة إلى عدد غير معلن من أنظمة “بانتسير” و”بوك-إم2″ التي نُقلت أواخر عام 2025، فضلًا عن مليارات الدولارات من القروض التي قدّمتها موسكو لفنزويلا، والتي يُرجّح أن جزءًا كبيرًا منها لن يُستعاد.
وترى الصحيفة أن القلق الأكبر بالنسبة لروسيا لا زال يتمثل في ملف النفط، إذ إن تمكّن الولايات المتحدة من الوصول إلى الاحتياطيات الفنزويلية الضخمة قد يؤدي إلى خفض الأسعار العالمية، ما يهدد أحد أهم مصادر الدخل الروسي.
وفي هذا السياق، كتب رجل الأعمال الروسي أوليغ ديريباسكا على “تلغرام”: “إذا حصل شركاؤنا الأميركيون على حق الوصول إلى حقول النفط الفنزويلية، فإن أكثر من نصف احتياطيات النفط العالمية ستصبح تحت سيطرتهم، ويبدو أن خطتهم ستكون ضمان ألا يتجاوز سعر نفطنا 50 دولارًا للبرميل”.
ورغم ذلك، تختم “الغارديان” بالإشارة إلى أن بعض الأوساط في موسكو ترى في ما جرى مدخلًا لنوع قاتم من التفاؤل، معتبرة أن عملية اعتقال مادورو قد تشكّل ضربة للنظام الدولي القائم على القواعد، وتفتح الباب أمام عالم أقرب إلى القرن التاسع عشر، “تحكمه القوة لا القانون، وتنقسم فيه الدول إلى مناطق نفوذ متنافسة وهو النموذج الذي لطالما دافعت عنه روسيا” وفق تعبيرها.













