بقلم: يورونيوز
نشرت في
يواجه عشرات الفلسطينيين في شمال القدس المحتلة خطر التهجير، بعد تحركات إسرائيلية لتنفيذ أوامر هدم تستهدف سبع بنايات سكنية في قرية قلنديا، في خطوة تعكس تصاعد الضغوط على التجمعات الفلسطينية الواقعة ضمن الحدود البلدية التي فرضتها إسرائيل.
اعلان
اعلان
وبحسب محافظة القدس، علّقت السلطات الإسرائيلية، صباح الثلاثاء، إخطارات هدم على المباني الواقعة في الجهة الشرقية من القرية، بدعوى البناء دون ترخيص، ومنحت السكان مهلة 21 يومًا لإخلاء منازلهم، تمهيدًا لتنفيذ القرار القضائي الصادر منذ ديسمبر/كانون الأول 2021. كما حمّلت البلدية السكان مسؤولية أي أضرار قد تلحق بممتلكاتهم في حال عدم الالتزام بالإخلاء ضمن المهلة المحددة.
هذه الإجراءات تضع نحو 40 فلسطينيًا، نصفهم من الأطفال، أمام مصير مجهول، في منطقة تُعد من أكثر النقاط تعقيدًا جغرافيًا وإداريًا، إذ تقع المنازل المستهدفة على مساحة تقارب 15 دونمًا قرب مدخل مطار القدس الدولي القديم، ضمن نطاق ضمّته إسرائيل قسرًا إلى بلدية القدس، رغم ارتباطه تاريخيًا وإداريًا ببلدة قلنديا.
وأكد رئيس مجلس قروي قلنديا، وليد الكيشي، أن الأهالي يدركون محدودية الرهان على القضاء الإسرائيلي، لكنهم مستمرون في استنفاد المسارات القانونية المتاحة، في محاولة لتأجيل تنفيذ القرارات أو الحد من تداعياتها.
وأشار إلى أن بعض المباني المهددة قائمة منذ نحو عشرين عامًا، ما يعكس أن الاستهداف الحالي لا يرتبط بحداثة البناء بقدر ما يرتبط بطبيعة المخططات المرسومة للمنطقة.
وتبرز في هذا السياق مخاوف من ارتباط أوامر الهدم بمشاريع مستقبلية، من بينها إقامة منشأة لمعالجة النفايات، إلى جانب مخططات لتوسيع مستوطنة “عطروت” وبناء آلاف الوحدات الاستيطانية على أراضي المطار والمناطق المحيطة به. وتشير هذه المعطيات إلى توجه لإعادة تشكيل الحيز الجغرافي للمنطقة، بما يقلص الوجود الفلسطيني إلى مساحات محدودة ومعزولة.
مناطق أخرى
ولا تنفصل معاناة سكان قلنديا عن الواقع الذي فرضه الجدار الفاصل منذ عام 2002، والذي أدى إلى فصل الجزء الشرقي من القرية عن مركزها، ما أجبر نحو 500 من السكان على المرور يوميًا عبر حاجز قلنديا العسكري وقطع مسافات طويلة للوصول إلى الخدمات الأساسية. هذا الواقع جعل من الحياة اليومية تحديًا مستمرًا، يتفاقم مع كل إجراء جديد يستهدف البنية السكنية أو الأرض.
وفي الأشهر الماضية، صعّدت سلطات الاحتلال من إجراءاتها في المنطقة، حيث أخطرت بمصادرة مساحات إضافية من الأراضي وهدم مبانٍ سكنية أخرى، في إطار سياسة متواصلة تستند إلى تصنيفات إدارية وقانونية تُستخدم لإعادة رسم حدود السيطرة على الأرض.
ويرى مختصون أن ذريعة “البناء دون ترخيص” تُستخدم بشكل واسع، في ظل قيود صارمة تحول دون حصول الفلسطينيين على تصاريح بناء، ما يضعهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: البناء دون ترخيص أو مواجهة أزمة سكن متفاقمة.
من جانبها، حذرت منظمات حقوقية من أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكًا لحقوق السكان، خاصة في ظل ما تخلّفه من آثار اجتماعية واقتصادية ونفسية، لا سيما على الأطفال. ودعت إلى تدخل دولي عاجل لوقف سياسات الهدم والتهجير القسري، التي تهدد بتغيير الطابع الديمغرافي للمناطق الفلسطينية في القدس.
في ظل هذه التطورات، يقف سكان قلنديا أمام مرحلة دقيقة، تتقاطع فيها الاعتبارات القانونية مع الحسابات السياسية والمشاريع الميدانية، بينما يبقى مستقبلهم معلقًا بين قرارات الهدم ومحاولات الصمود، في مشهد يعكس تعقيدات الواقع الفلسطيني في القدس المحتلة.
تزايد أوامر الهدم
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت مناطق القدس والضفة الغربية تصاعدًا ملحوظًا في أوامر الهدم والإخلاء، في سياق أوسع من الإجراءات التي طالت التجمعات الفلسطينية.
واستغلت السلطات الإسرائيلية حالة التصعيد الأمني لتكثيف سياساتها على الأرض، عبر تسريع تنفيذ قرارات قديمة وإصدار أوامر جديدة، ما أدى إلى ارتفاع عدد العائلات المهددة بفقدان منازلها.
وخلال هذه الفترة، لم تقتصر عمليات الهدم على المباني الحديثة، بل شملت أيضًا منازل قائمة منذ سنوات طويلة، وهو ما يعكس تحولًا في نمط الاستهداف، من ضبط “مخالفات بناء” إلى إعادة تشكيل المشهد السكاني في مناطق حساسة، خاصة تلك القريبة من المستوطنات أو الواقعة ضمن مخططات توسعية. وترافقت هذه الإجراءات مع تضييق أكبر على منح تراخيص البناء، ما زاد من تعقيد أوضاع السكان.
كما تزامن ذلك مع ارتفاع وتيرة الاقتحامات والاعتقالات، الأمر الذي خلق بيئة ضاغطة تدفع بعض العائلات إلى الإخلاء القسري أو “الذاتي” تجنبًا للهدم المفاجئ وتكاليفه الباهظة. وتشير تقارير حقوقية إلى أن هذا النمط بات أكثر شيوعًا، حيث يُجبر السكان على هدم منازلهم بأيديهم لتفادي الغرامات.
وفي القدس على وجه الخصوص، برزت أحياء وبلدات مثل سلوان والشيخ جراح وجبل المكبر كمناطق تشهد تكرارًا ملحوظًا لهذه السياسات، في ظل ارتباطها بمشاريع استيطانية أو مخططات بنى تحتية إسرائيلية. ويؤكد مراقبون أن ما يجري لا يمكن فصله عن سياق أوسع يهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني داخل المدينة، عبر أدوات قانونية وإدارية تُستخدم بشكل مكثف منذ اندلاع الحرب.
هذا التصاعد في إجراءات الهدم والإخلاء يعكس مرحلة جديدة من الضغوط الميدانية، حيث تتقاطع الاعتبارات الأمنية مع الأهداف الديمغرافية، ما يجعل من هذه السياسات جزءًا من واقع يومي متكرر يعيشه الفلسطينيون في القدس ومحيطها منذ ذلك التاريخ.













