تحت شعار “صمتنا لا يعني موافقتنا”، شهدت العاصمة البولندية وارسو تظاهرة حاشدة للصم ومؤيديهم، شارك فيها نحو خمسة آلاف شخص قدموا من مختلف أنحاء البلاد. وأكّد رئيس المجلس الأعلى لاتحاد الصم البولندي، كرزيستوف كوتينيفيتش، في حديث ليورونيوز، أن المشاركين يرفعون هذا العام ثلاث مطالب رئيسية، مشدداً على أن “النضال من أجل الحقوق لا يزال مستمراً، ولا شيء يتغير”.
انطلقت المظاهرة في الساعة الحادية عشرة صباحاً من ساحة العرض وسط المدينة، وتوجّهت نحو مقر وزارة الأسرة والعمل والسياسات الاجتماعية، قبل أن تختتم مسيرتها أمام مبنى مجلس النواب.
أول احتجاج بهذا الحجم منذ عقد
تميّزت التظاهرة بأجواء رمزية قوية، حيث رفع المشاركون أعلام الرابطة البولندية للصم باللونين الأزرق والأصفر، إلى جانب لافتات تحمل شعارات من قبيل: “أوقفوا التمييز ضد الصم”، “الموهبة أهم من السمع”، “وظفوا الصم… فالتنوع يثري المؤسسات”، و”215 زلوتي مهزلة” في إشارة إلى دعم مالي يُعتبر غير كافٍ.
ولفتت التظاهرة الأنظار باستخدام أدوات رمزية قوية؛ من جماجم وتوابيت كُتب عليها “كنت أنتظر مترجماً…” أو “طبيب + غياب التواصل = الموت”، في محاولة لتسليط الضوء على غياب الترجمة بلغة الإشارة (PJM) في الحالات الطبية الطارئة، وهو ما حذّر ممثلو الرابطة من أنه قد يؤدي إلى عواقب مأساوية، بل ومميتة.
وأشار كوتينيفيتش إلى أن هذه التظاهرة تُعدّ الأولى من نوعها منذ أكثر من عشر سنوات، حيث تعود آخر مظاهرة كبرى للصم إلى عام 2014، حين نظّمتها الحركة الاجتماعية للصم وأصدقائهم للمطالبة بالمساواة، والعدالة الاجتماعية، وتحسين أوضاع الصم في سوق العمل، فضلاً عن الاعتراف بلغة الإشارة البولندية وتعميم استخدامها.
شاهد صورًا من مظاهرة الصم الكبرى في وارسو:
ثلاثة مطالب للصم
أوضح كوتينيفيتش أن التظاهرة الكبرى في وارسو جاءت لترفع ثلاث مطالب رئيسية قابلة للتنفيذ، تمسّ جوهر الحقوق المدنية والإنسانية لأفراد مجتمع الصم في بولندا.
أولاً: الاعتراف القانوني بلغة الإشارة البولندية
وطالب كوتينيفيتش بتكريس لغة الإشارة البولندية ضمن قانون لغات الأقليات القومية، معتبراً إياها اللغة الطبيعية التي يتواصل بها مجتمع الصم، ولا بد من الاعتراف بها رسمياً. وأضاف: “نحن نطالب باحترام حقنا في التعليم بلغة الإشارة، وحقنا في استخدامها داخل كل مؤسسة عامة، من المستشفيات إلى الشرطة، مروراً بمكاتب البريد والبنوك”. وأكد أن غياب هذا الاعتراف يشكّل عائقاً أساسياً أمام اندماج الصم الكامل في الحياة العامة.
ثانياً: تعزيز الدعم المالي والعدالة في التقييمات الطبية
أثار المحتجون أيضاً مسألة تدهور الأوضاع المعيشية للصم، نتيجة شحّ المساعدات الاجتماعية والإقصاء من برامج الدعم. وأشار كوتينيفيتش إلى أن الكثير من الصم يُحرمون من المعاشات الاجتماعية ومن بدل الدعم، بسبب منحهم “نقاطاً قليلة جداً” في التقييمات الطبية الرسمية. وبيّن أن “كل ما يتبقى لهم فعلياً هو بدل الحضور البالغ 215.89 زلوتي بولندي، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية تكاليف المعيشة، ولا حتى أجرة ثلاث ساعات من خدمات الترجمة بلغة الإشارة”. ووصف هذا الوضع بالمجحف، مؤكداً أن المطالبة بزيادة المزايا المالية تُعد مطلباً حيوياً يضمن الحد الأدنى من الكرامة.
ثالثاً: الحق في الترجمة الكاملة والوصول إلى الخدمات الطارئة
الملف الثالث الذي ركّز عليه المحتجون يتعلّق بالحصول الكامل على خدمات الترجمة الفورية بلغة الإشارة البولندية، لا سيما في وسائل الإعلام والخدمات العامة. وقال كوتينيفيتش: “نريد ترجمة كاملة لكل البرامج التلفزيونية ووسائل الإعلام – نحن اليوم لا نتجاوز 50% من التغطية، وهذا يتركنا في عزلة إعلامية خطيرة”.
كما طالب بضمان الوصول إلى نظام الإخطار في حالات الطوارئ، مشيراً إلى أن الصم حالياً غير قادرين حتى على استدعاء سيارة إسعاف. وأوضح أن “غياب مترجم في الحالات الطبية الطارئة يؤدي إلى كوارث، إذ لا يمكن للطبيب أو المسعف أخذ التاريخ المرضي بدقة، مما قد ينتج عنه إعطاء دواء يسبب حساسية قاتلة للمريض”.
وختم كوتينيفيتش بتأكيد أن هذه المطالب الثلاثة لا تتطلب موارد خارقة أو إصلاحات مستحيلة، بل مجرد إرادة سياسية لضمان العدالة والمساواة.
مواطنون من الدرجة الثانية والثالثة
ومن بين المشاركين في المسيرة، كان الزوجان الصمّان ماغدالينا وأندريه فويودزي، اللذان قدما من مدينة تشيتشانوفيتش الواقعة على بعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة. في حديثها إلى يورونيوز، اختصرت ماغدالينا دوافع مشاركتهما بالقول: “لماذا قررنا المجيء إلى وارسو؟ ببساطة، لأن الصم في بولندا لا يزالون يُعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة. دعم الدولة لنا زائف”.
وبعد تصريحات كرزيستوف كوتينيفيتش، استعرضت ماغدالينا التحديات اليومية التي تواجه مجتمع الصم، مشيرة إلى أن الدولة البولندية توفّر مترجمين فوريين للأجانب، لكنها لا تضمن الخدمة نفسها لمواطنيها الصم. وأوضحت أن مجرد الاتصال بسيارة إسعاف يتطلب اللجوء إلى شخص سامع، وأن الكثير من أفراد المجتمع الصمّ لا يحصلون على معاش اجتماعي. وأشارت إلى ضعف فرص التوظيف، وتجاهل أرباب العمل لذوي الإعاقة السمعية، مضيفة أن بدل التمريض البالغ 215 زلوتي بولندي غير كافٍ حتى لتأمين الحد الأدنى من المعيشة. وختمت بالقول: “كل ما نطلبه هو المساواة في المعاملة، والوصول إلى المعلومات والتعليم والثقافة وفرص العمل”.
وفي السياق نفسه، تطرّقت ماغدالينا إلى جانب شخصي وحساس من معاناتها كامرأة صمّاء وأم. فقد شُخّصت ابنتها “آنا”، وهي طفلة سمعية لأبوين أصمين (تُعرف هذه الحالة اختصاراً بـ CODA)، بأنها مصابة بداء السكري من النوع الأول. وقد شكّل علاج الطفلة تحدياً كبيراً، خصوصاً في ظل غياب دعم الترجمة الفورية.
قالت ماغدالينا: “عندما احتجت إلى مترجم لغة إشارة أثناء تدريباتي الطبية على رعاية ابنتي، رفضت مؤسستان توفير المساعدة. لحسن الحظ أنني أتقن اللغة البولندية جيداً، وقد منحتني الطبيبة وقتاً خاصاً للتأكد من أنني فهمت كل التعليمات”. وأكّدت أن داء السكري من النوع الأول مرض معقّد، غير مرئي، ويصعب التنبؤ بمضاعفاته، مشيرة إلى أن أي خطأ قد يكون قاتلاً. وأضافت: “الدعم الاجتماعي لا يكفي، بل مجرد محاولة لسد فجوة خطيرة. الأشخاص الأصحاء لا يواجهون عبء كلفة الترجمة الفورية أو المعينات السمعية، التي تبلغ تكلفتها حوالي 3500 زلوتي بولندي، بينما لا تغطي تعويضات الدولة إلا ما لا يتجاوز 1050 زلوتي”.
لغة الإشارة البولندية كلغة رسمية
يمثّل الاعتراف الرسمي بلغة الإشارة البولندية مطلباً محورياً لمجتمع الصم في بولندا، لما له من انعكاسات مباشرة على حياتهم اليومية وحقوقهم كمواطنين. ويرى رئيس الجمعية البولندية للصم، كرزيستوف كوتينيفيتش، أن إدراج لغة الإشارة ضمن التشريعات الوطنية، ولا سيما في قانون لغات الأقليات أو حتى في الدستور، من شأنه أن يفتح الباب أمام إصلاحات جوهرية.
فهذا الاعتراف لا يقتصر فقط على بعد رمزي أو لغوي، بل يشكّل مدخلاً لضمان حقوق أساسية، مثل الحق في التعليم بلغتهم الأم، وتوفير وسائل اتصال ملائمة في الحالات الطارئة، كتفعيل خدمة النداء 112 أو إصدار الإشعارات الموجهة إلى الصم أثناء الكوارث. واستشهد كوتينيفيتش بما حدث خلال فيضانات سيليزيا السفلى في سبتمبر الماضي، حيث غابت أي معلومات بلغة الإشارة حول عمليات الإخلاء، مما تسبب في تعريض حياة العديد من الأشخاص للخطر. كما أشار إلى الإهمال الذي طال الصم خلال جائحة كوفيد-19، حيث فشلت الدولة في توفير معلومات صحية بلغة الإشارة، وتجاهلت احتياجاتهم عند تطبيق خدمات الاستشارة الطبية عن بُعد.
وفي سياق المشاركة السياسية، انتقد كوتينيفيتش تجاهل المرشحين للانتخابات الرئاسية المقبلة لمبدأ “إمكانية الوصول”، موضحاً أن أياً منهم لم يبادر إلى ترجمة برامجه الانتخابية إلى لغة الإشارة البولندية، باستثناء المرشح سيمون هوفونيا الذي حرص على حضور مترجم فوري خلال لقاءاته مع الناخبين. هذا التجاهل يعمّق الفجوة الديمقراطية ويحدّ من قدرة الصم على المشاركة الفعّالة في الحياة السياسية.
على المستوى الدولي، لفت كوتينيفيتش إلى التوصيات الصادرة عن لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي استعرضت في مارس 2025 أوضاع الصم في الاتحاد الأوروبي. وقد دعت اللجنة إلى الاعتراف بـ29 لغة إشارة وطنية كلغات رسمية في الاتحاد، كما أوصت بتعديل النظام الداخلي لمؤسسات الاتحاد بما يضمن استخدام لغات الإشارة الوطنية خلال المشاورات والاجتماعات والعمليات الديمقراطية.
ورحّب الاتحاد الأوروبي للصم بهذه التوصيات، معتبراً أنها خطوة في الاتجاه الصحيح نحو إدماج الصم في الحياة السياسية والمؤسسية الأوروبية.