بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، أعلنت السلطات السورية الجديدة أنها ملتزمة بحماية جميع المكوّنات الدينية والعرقية.
ومن أبرز مظاهر هذا التحوّل، كان السماح لليهود السوريين في دمشق بالحديث علناً دون خوف — وهو حقّ كان ممنوعاً طوال عقود حكم عائلة الأسد.
يقول بخور شمنطوب، رئيس “الطائفة الموسوية” في سوريا لـيورونيوز: “لقد حصلنا الآن على حرية التحدث مع أي وكالة إعلامية أو صحفية. أي شخص يرغب في التعرّف على الطائفة، نحن مستعدون للحوار. أما في عهد النظام السابق، فلم يكن ذلك ممكناً على الإطلاق؛ كان الحديث ممنوعاً”، مضيفاً: “أحوالنا بخير، والحمد لله”.
لكن هذه الحرية الجديدة، رغم أهميتها الرمزية، لا تُخفي واقعاً ميدانياً قاسياً يعيشه اليهود القلائل المتواجدون دمشق.
“الطائفـة الموسوية”: اسمٌ من التراث لا من السياسة
عند سؤاله عن سبب تسمية الطائفة في سوريا بـ”الموسوية”، أوضح بخور ليورونيوز، أن “هذا هو الاسم نفسه لليهودية. نحن من اخترناه، وليس له أي علاقة بنظام الأسد، السابق أو الحالي. لم يُجبرنا النظام قط على تغيير اسم طائفتنا، ولا فرض علينا تسمية معينة”.
وأضاف: “من الطبيعي أن نُسمّى بالطائفة الموسوية أو اليهودية. نحن من سمّينا أنفسنا، وهذا أمر بديهي في تراثنا”.
لا صلاة جماعية بسبب قلّة العدد
ويُشير بخور إلى أن عدد اليهود المقيمين حالياً في دمشق “لا يتجاوز أربعة رجال وامرأتين، ومعظمهم من كبار السن، في السبعينات أو الثمانينات من العمر”.
ويوضح أن “الصلاة الجماعية في التقاليد اليهودية تتطلب حضور عشرة رجال على الأقل. واليوم، لا يتوفر هذا العدد، ولذلك يصلي كلٌّ منا في بيته”.
ويضيف المتحدّث أن عدد الكنس اليهودية في دمشق يبلغ اثنين وعشرين، “وجميعها تحت إدارة الدولة. لم تعد الطائفة تمتلك مفاتيحها. في الماضي، كانت هذه الأمور من اختصاص الجماعة اليهودية، أما اليوم، فلا يُسمح بفتح الكنيس إلا لوفود رسمية أو دبلوماسية. أما المواطن العادي، فلا سبيل له إليها”.
لا للتمثيل “غير الشرعي” الآتي من الخارج
وفي سياق الردّ على الحاخام السوري الأصل والمقيم في نيورورك هنري حمرا، الذي أعلن في بداية ديسمبر الجاري عن تأسيس “جمعية التراث اليهودي السوري”، يقول بخور لـيورونيوز: “هذه الجمعية شكلية ولا وجود لها على أرض الواقع. ما يُقال عنها مجرد كلام لا يعكس الحقيقة”.
ويؤكد أن “الجميع يعرف أن هنري حمرا لا يمثل الطائفة اليهودية في سوريا. هو يمثل نفسه فقط” رغم إعلان الأخير أنه زعيم هذه الطائفة في هذا البلد.
هذا الرفض اكتسب مزيدا من الزخم من خلال وثيقة رسمية صادرة عن “مكتب الحاخام الرئيسي للمجتمعات السورية والشرق أوسطية في أمريكا”، الحاخام شاؤول ج. كاسين، وجّهها إلى “لجنة هلسنكي الأمريكية” في 19 نوفمبر 2025.
وقد جاء في هذه الرسالة: “إن الحاخام يوسف حمرا — والد هنري حمرا — ليس ممثلاً للمجتمع اليهودي السوري الأمريكي. لم يمتلك أبداً أي سلطة أو ولاية أو إذنا للتحدث أو التصرف نيابة عنا في أي شأن ديني أو سياسي أو مجتمعي. حضورُه أمام لجنتكم هو بصفة شخصية فقط، وأحياناً نيابة عن ابنه هنري. آراؤه لا تعكس آراء مجتمعنا”.
وأضاف كاسين: “مجتمعنا لا يشارك في الدعوة السياسية بشأن الشؤون السورية. لم يُخوَّل أي فرد لتمثيلنا أمام لجنتكم”، وطلب “الاعتراف صراحةً بأن حضور الحاخام حمرا شخصي وغير مصرح به”.
وجاء هذا التوضيح الرسمي عقب انتشار مقطع مصوّر يظهر فيه الحاخام يوسف حمرا خلال لقاء مع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في واشنطن، برفقة عدد من أفراد الجالية السورية.
ويُسمع في التسجيل وهو يتلو “بركة الملوك”، وهي صيغة دينية يهودية تُتلى تقليدياً عند لقاء حاكم غير يهودي، وتُستخدم في العصر الحديث عند مقابلة رؤساء الدول أو كبار المسؤولين.
سبعون بالمئة من أملاك اليهود ضاعت
ويكشف بخور أن “إدارة أملاك اليهود الغائبين، التي يديرها يوسف حمدان، تقوم بتسليم منازل اليهود لأشخاص لا علاقة لهم بالطائفة”.
ويروي أن هنري حمرا نفسه “عندما زار دمشق قبل أشهر، توجّه إلى بيته فوجده مغلقاً ومهدوماً”. ويضيف: “ما يقرب من الـ 70 بالمئة من أملاك اليهود قد فُقدت. والطائفة تعلم بذلك، لكنها عاجزة عن التصرّف”.
ويشرح آلية التسليم: “أي شخص يرغب في سكن، يذهب إلى إدارة أملاك اليهود الغائبين ويطلب منزلاً كبيراً، بحسب قدرته المالية. فيُمنح العقار لفترة محددة، سنتين أو ثلاث أو أربع. فإذا عاد صاحب الملكية الحقيقي، يُقال له: العقار مستأجر، ولا يمكن تسليمه الآن”.
الجميع يعلم بما يجري لأملاك اليهود الغائبين.. وما من حلّ
يشير بخور إلى أن “إسرائيل تعلم، والعالم كله يعلم، والحكومة السورية تعلم أيضا. ومع ذلك، لا توجد خطوة جادة لوقف هذا التسريب”.
ويؤكد أن يوسف حمدان “لا يدير الأملاك لمصلحة أصحابها، بل يستفيد منها مادياً وشخصياً، وقد يكون ذلك جزءاً من حسابات سياسية أوسع” وفق تعبيره.
ورغم الحديث عن “عودة يهودية”، يرى بخور أن “الأمر مستحيل من الناحية العملية. قد يزور يهود من الخارج، وقد يأتون للسياحة أو لأغراض مهنية، لكن العودة للإقامة الدائمة غير ممكنة في الظروف الحالية”.
ويطالب بخور الحكومة بـ”إيقاف تسليم البيوت فوراً”، قائلاً: “لقد تحدثت مراراً، لكن لا أحد يتحرك”.
“نعيش في وئام مع جميع مكوّنات المجتمع السوري”
على الصعيد المجتمعي، يؤكد بخور أن “علاقتنا مع سائر السوريين طيبة جداً. نعيش في وئام مع أتباع جميع الديانات والمذاهب”.
ويروي أنه أجرى مقابلة مع صحفية إسرائيلية سألتْه فيها: “أنت اليهودي الوحيد في سوريا، ألا تخشى على نفسك؟”، فأجاب: “لو شعرتُ أن هناك شخصاً واحداً من مليون يشعر بالضيق من وجودي، لما بقيتُ يوماً واحداً في هذا البلد. لكن الحقيقة أنني أعيش بأمان واحترام. حتى من يحبّني من الناس، يحييني بتحية اليهود التقليدية: شالوم”.
ويضيف بابتسامة: “أنا معروف في دمشق. إذا مشيتُ في الشارع، لا يمرّ بي أحد دون أن يحيّيني أو يقف ليتبادل الحديث معي”.
السوريون سئموا من الحرب وهم ينشدون السلام
ويربط بخور مصير الطائفة بالوضع العام في البلاد فيقول: “الشعب السوري قد ملّ الحرب، سواء كانت مع إسرائيل أو مع غيرها. المهم الآن هو السلام، لأنه السبيل الوحيد لتحسين معيشة الناس” وفق تعبيره.
وينتقد المتحدث القرارات الاقتصادية الأخيرة التي اتخذتها الحكومة: “رفع أسعار الكهرباء والمازوت جعل الحياة أصعب. لو كنتُ عضواً في مجلس الشعب، لقلتُ بصراحة: هذه القرارات خاطئة”.
طائفة متجذّرة في النسيج السوري.. ماذا بقي منها؟
قبل عام 1948، كان عدد اليهود في سوريا يقارب ثلاثين ألف نسمة، متركزين أساساً في دمشق وحلب. وبعد قيام دولة إسرائيل، فُرضت على هذه الطائفة قيود صارمة على التنقّل والممارسة المدنية، وسُحبت جنسية العديد منهم. وفي سبعينيات القرن الماضي، سمح النظام بهجرة سرّية لمن أراد المغادرة، شرط دفع مبالغ مالية كبيرة.
أما في التسعينيات، فقد أنهى حافظ الأسد الوجود الجماعي لليهود في البلاد عبر سياسات تضييق منهجية، أنهت حضوراً عمره قرون.
وقد اشتُهِر أبناء الطائفة بنشاطهم في التجارة، وصياغة الذهب، وحفر النحاس، كما برز بينهم عدد من أبرز الأطباء، مثل إسحاق طحطح وجميل ربيع، اللذين كانت عيادتهما في شارع الأمين بالعاصمة السورية دمشق.
وتألّقت حلب تاريخيًّا كمحطّة رئيسية على طريق التجارة بين الشرق والغرب، وجذبت إليها جاليات يهودية من العراق وإيران والأناضول التركية. ومع مرور الزمن، تحوّلت الطائفة اليهودية إلى واحدة من أكثر الطوائف تنظيماً وثراءً في المنطقة. وكان أبرز مظاهر هذا الازدهار “الكنيس الكبير”، الذي احتفظ لقرونٍ طويلة بأقدم نسخة معروفة من التوراة العبرية، والمعروفة بـ”مخطوط حلب”.
أما في دمشق، فشكّلت الجالية اليهودية واحدةً من أقدم الجماعات الدينية في المدينة، مع تركيز سكاني في أحياء مثل جوبر، حيث وُجد كنيس يعود تاريخه إلى القرن الثامن قبل الميلاد، ويُعدّ من أقدم المعابد اليهودية في العالم.
وظلت هذه المنشأة الدينية حاضرة في الذاكرة حتى خلال سنوات الحرب، حين سُرقت محتوياته عام 2014 في ظروف غامضة، وتبادلت الأطراف المتنازعة الاتهامات بمسؤوليتها عن الحادثة.
ومؤخراً، عاد الكنيس إلى الواجهة مجدداً، مع تكرار زيارات وفود من الجاليات اليهودية الغربية التي تتحدث عن إمكانية ترميمه واستعادته رمزاً للتراث المهدّد.













