نشرت في
تتصاعد في واشنطن نبرة الحديث عن إمكانية مواجهة مباشرة مع طهران، وتتزايد المقارنات بين ما جرى في فنزويلا وإمكانية تكرار سيناريو مماثل في إيران، في وقت عرض فيه تحليل نشرته مجلة “نيوزويك” قراءة مفصلة تحذر من أن استنساخ ما يسمى “لحظة مادورو” في الحالة الإيرانية سيكون أكثر تعقيدا بكثير مما يوحي به الخطاب السياسي. وفي المقابل، خرج تحذير إيراني واضح يؤكد أن طهران “ليست ليبيا ولا سوريا ولا فنزويلا”، وأن أي مغامرة عسكرية قد تفضي إلى حرب إقليمية تتجاوز حدود المنطقة.
اعلان
اعلان
واعتبر عدد من الجمهوريين أن إزاحة الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو قد تشكل نموذجا للتعامل مع “أنظمة معادية” أخرى. وذهب السناتور تيد كروز إلى القول إنه “من الممكن تماما” أن تسقط أنظمة في إيران وكوبا، معتبرا أننا نعيش “لحظة استثنائية في التاريخ”.
وفي حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، أبلغه بأن أي نزاع ضد إيران سيكون “شيئا يمكن الفوز به بسهولة”، أشارت تقارير إلى أن كاين حذر في الكواليس من نقص في الذخائر وغياب دعم حلفاء رئيسيين، ما يجعل أي عملية ضد إيران أكثر خطورة بكثير من حالة فنزويلا، مع احتمال سقوط قتلى أميركيين.
وبين الحديث عن “نصر سهل” وتحذيرات عسكرية من كلفة مرتفعة، يبرز سؤال أساسي: هل إيران فعلا نسخة أخرى من فنزويلا، أم أن الفوارق البنيوية والعسكرية تجعل أي محاولة لاستنساخ “لحظة مادورو” مقامرة محفوفة بمخاطر كبرى؟ هنا يضع تحليل “نيوزويك” خمسة أسباب يعتبرها حاسمة في الإجابة.
أولا: هل يمكن اعتقال خامنئي؟
يرى التحليل أن المرشد الإيراني علي خامنئي ليس زعيما يمكن محاصرته والقبض عليه بسهولة. فهو محمي من وحدة أمنية نخبوية تابعة للحرس الثوري، ومحاط بهيكل أمني صلب صمم خصيصا لمنع الإطاحة به أو اعتقاله.
وخلال فترات توتر سابقة، لجأ إلى مواقع آمنة مع تقييد الاتصالات لتقتصر على دائرة ضيقة من مساعديه الموثوقين. وفي سن السادسة والثمانين، ومع ما يوصف بضعفه الجسدي، فإن أي محاولة جادة لاعتقاله ستؤدي على الأرجح إلى مقاومة قاتلة من الموالين له أو تنتهي بقتله بدلا من القبض عليه.
ثانيا: بنية الحكم لن تنهار بقطع الرأس
على عكس فنزويلا، حيث كان “جيش مادورو” ودائرته المقربة منقسمين ومتضررين من العقوبات ويفتقرون إلى دعم قوي من قوى عالمية كبرى، فإن النظام في إيران أكثر تجذرا وصلابة.
المؤسسات السياسية والعسكرية والدينية راسخة بعمق، ما يجعل إضعافها أو إسقاطها بضربة واحدة أو مهمة سرية أمرا شديد الصعوبة. وبحسب التحليل، وضع خامنئي خططا متعددة الطبقات للخلافة، تشمل أربع طبقات بديلة لكل منصب عسكري وحكومي رئيسي، وطلب من كبار المسؤولين تعيين أربعة بدلاء لمناصبهم في حال مقتلهم.
كما جرى تقليص صلاحيات اتخاذ القرار إلى دائرة داخلية ضيقة لضمان الاستمرارية إذا ما انقطعت الاتصالات أو تم استهداف القيادة العليا. وأعاد الحرس الثوري إحياء استراتيجية “الدفاع الفسيفسائي” القائمة على لامركزية القيادة، بما يسمح باستمرار القتال والحكم حتى في حال ضرب القمة.
ثالثا: إيران مستعدة للحرب
يشير التحليل إلى أن طهران وضعت قواتها المسلحة في أعلى مستويات التأهب، وأعادت تموضع منصات صواريخ باليستية على طول حدودها الغربية وعلى ساحل الخليج الفارسي.
وتمتلك إيران ما يقدر بنحو ألفي صاروخ باليستي متوسط المدى قادر على الوصول إلى إسرائيل، إلى جانب مخزون كبير من الصواريخ قصيرة المدى يمكنها استهداف قواعد أميركية في الخليج وسفن في مضيق هرمز.
كما أظهرت صور أقمار صناعية حديثة قيام إيران بإصلاح وتعزيز منشآت رئيسية، بينها مواقع نووية مثل نطنز وأصفهان، مع تعزيز مداخل أنفاق وقواعد صاروخية تعرضت لضربات سابقة. وإغلاق مضيق هرمز لفترة قصيرة لإجراء تدريبات بالذخيرة الحية حمل إشارة واضحة حول قدرتها على تعطيل نحو 20 في المئة من تدفقات النفط العالمية.
رابعا: الحرب لن تبقى داخل إيران
يوضح التحليل أن الرهانات الإقليمية مع إيران أعلى بكثير مما كانت عليه مع فنزويلا. فقد بنت طهران على مدى عقود شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة في الشرق الأوسط، من بينها حزب الله في لبنان، وميليشيات شيعية عراقية، والحوثيون في اليمن، وفصائل فلسطينية.
وهذا يعني أن أي مواجهة قد تفتح جبهات متعددة ضد المصالح الأميركية والإسرائيلية، مع خطر حدوث فراغات في السلطة وزعزعة استقرار إقليمي واسع إذا انهارت الحكومة المركزية.
خامسا: الجغرافيا واللوجستيات
مقارنة بفنزويلا القريبة من الأراضي الأميركية، تقع إيران في عمق الشرق الأوسط، ما يفرض على القوات الأميركية العمل عبر مسرح عمليات واسع انطلاقا من قواعد في أوروبا أو الخليج تحت مظلة القيادة المركزية.
كما أن رفض بريطانيا منح واشنطن إذنا باستخدام قواعد مثل فيرفورد ودييغو غارسيا لشن ضربات محتملة على إيران دون مبرر قانوني واضح يزيد التعقيد. أضف إلى ذلك الدفاعات الجوية الإيرانية والتضاريس المعقدة في وحول مضيق هرمز، ما يجعل أي عملية عسكرية أكثر صعوبة بكثير من عملية قريبة من كاراكاس.
تحذير إيراني: إيران ليست فنزويلا
في موازاة هذا التقييم، جاء الموقف الرسمي من طهران ليعكس صورة مغايرة تماما للحديث عن “نصر سهل”. إذ قال معاون الشؤون السياسية في مكتب الشؤون العقائدية–السياسية للقائد العام للقوات المسلحة الإيرانية، العميد رسول سنائي راد، إن على الولايات المتحدة ألا تخلط إيران ببعض الدول، لأنها ليست ليبيا ولا سوريا ولا فنزويلا.
وأضاف: “تحركات حاملات الطائرات والقطع الحربية الأميركية في المنطقة لم تعد قادرة على بث الرعب أو التأثير في الإرادات”.
وأكد أن إيران قادرة على الصمود، وأن أي استعراض للقوة للضغط على طاولة المفاوضات هو حساب خاطئ، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة “تمتلك تصورا ناقصا عن إيران، وأي حماقة قد ترتكبها ستؤدي إلى خسائر مادية ومعنوية لها”.
وشدد على أن “رد إيران سيكون حازما وقاسيا وقد يفضي إلى حرب إقليمية تتجاوز حدود المنطقة”، محذرا من أن أي خطأ أميركي سيكلف واشنطن أثمانا باهظة.
وبين تحليل يعد خمسة أسباب تجعل إسقاط النظام في طهران مهمة معقدة، وتحذير إيراني من أن أي مغامرة قد تشعل حربا إقليمية، يبقى السؤال الأكثر حساسية مطروحا: هل يمكن فعلا اعتقال خامنئي، أم أن مجرد التفكير في ذلك قد يفتح أبواب مواجهة أوسع من كل الحسابات؟













