مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تدخل الساحة الفنية العربية حالة من التأهب القصوى، حيث تستعد القنوات الفضائية ومنصات المشاهدة الرقمية لإطلاق ترسانتها من الأعمال الدرامية المتنوعة. يشهد هذا الموسم، الذي يُعد الأهم على خريطة الإنتاج التلفزيوني، منافسة شرسة بين عمالقة الإنتاج في السعودية والخليج ومصر، حيث يسعى كل طرف لحجز موقع متقدم في سباق المشاهدة، عبر تقديم مزيج غني يجمع بين الدراما الاجتماعية، التاريخية، التراثية، والكوميدية، بهدف إرضاء كافة أذواق الجمهور العربي.
لم تكن هذه المنافسة وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتقليد ثقافي راسخ لأكثر من نصف قرن. فقد تحول شهر رمضان تدريجياً من مناسبة دينية واجتماعية إلى موسم الذروة الإعلامية والترفيهية في العالم العربي. فمنذ أيام التلفزيون الحكومي الوحيد الذي كانت تلتف حوله العائلات، مروراً بثورة القنوات الفضائية في التسعينيات التي وسعت الخيارات، وصولاً إلى عصر المنصات الرقمية اليوم التي أتاحت المشاهدة حسب الطلب، ظل المسلسل الرمضاني هو الطبق الرئيسي على مائدة الترفيه، وساحة للتنافس الإبداعي والتجاري الأكبر على مدار العام.
وفي قلب هذه المنافسة، تبرز الدراما السعودية بقوة لافتة. يتصدر المشهد الجزء الثاني من مسلسل «شارع الأعشى»، الذي يعود لاستكمال النجاح الكبير الذي حققه موسمه الأول. يستمر العمل في نبش الذاكرة الاجتماعية لمرحلة السبعينات، مستعرضاً التحولات الاقتصادية والثقافية عبر حكايات سكان حارة شعبية، مع وعود بتصعيد درامي في خطوط الصراع. كما تقدم الدراما السعودية عملاً تاريخياً بدوياً هو «كحيلان»، الذي يغوص في صراعات القوة والنفوذ داخل القبائل، في محاولة لإعادة إحياء هذا اللون الدرامي بأسلوب إنتاجي معاصر. وعلى جبهة الكوميديا، يعود الثنائي المحبوب ماجد مطرب وريم عبدالله في الجزء الثالث من «جاك العلم»، ليقدما جرعة من الضحك العائلي عبر مواقف «أبو صامل» و«أم صامل» اليومية.
الدراما الخليجية، وتحديداً الكويتية، تدخل السباق بثقلها عبر المسلسل التراثي «سموم القيظ». يستند العمل إلى البيئة المحلية الغنية بالتفاصيل الإنسانية والصراعات التقليدية، معتمداً على نخبة من نجوم الخليج لضمان قاعدة جماهيرية واسعة، مستفيداً من الاهتمام المتزايد بالأعمال التراثية التي توثق تاريخ المنطقة وتقدمه في قالب بصري جذاب.
أما الدراما المصرية، صاحبة الريادة التاريخية، فتشارك بأعمال وازنة. يعود النجم مصطفى شعبان في مسلسل «درش» ليخوض دراما الحارة الشعبية التي تمزج بين الماضي والحاضر، بينما يقدم أحمد العوضي في «علي كلاي» قصة كفاح شاب فقير يصعد في عالم الملاكمة، في إطار يعالج الصراع الطبقي والتحولات النفسية العميقة.
لا يقتصر تأثير هذا السباق على الجانب الترفيهي فقط، بل يمتد ليشكل ظاهرة اقتصادية وثقافية كبرى. فهو يحرك عجلة الإنتاج الفني ويوفر آلاف فرص العمل، كما يمثل ساحة إعلانية ضخمة تضخ فيها الشركات ميزانيات هائلة. على الصعيد الإقليمي، تُعد هذه الأعمال أداة من أدوات القوة الناعمة، حيث تعكس كل دولة ثقافتها وتاريخها وتوجهاتها المجتمعية، مما يعزز من حضورها الإعلامي في المنطقة. ومع انتشار المنصات العالمية، باتت هذه المسلسلات جسراً للتواصل مع الجاليات العربية في الخارج، ونافذة للجمهور العالمي للتعرف على الثقافة العربية المعاصرة.
في نهاية المطاف، ومع استمرار الإعلان عن المزيد من الأعمال، يبدو أن موسم رمضان القادم سيكون مفتوحاً على كل الاحتمالات. ستكون المنافسة محتدمة ليس فقط على نسب المشاهدة التلفزيونية، بل أيضاً على صدارة “الترند” في منصات التواصل الاجتماعي، ليبقى الجمهور هو الحكم النهائي الذي يحدد مصير كل عمل، ويمنحه شهادة النجاح والتأثير.
The post مسلسلات رمضان 2024: منافسة قوية بين الدراما السعودية والمصرية appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












