تتجه الأنظار في السابع عشر من الشهر الجاري نحو العاصمة الفرنسية باريس، حيث يُنتظر حسم هوية الرئيس الجديد لمعهد العالم العربي، خلفاً للسياسي المخضرم ووزير الثقافة الأسبق جاك لانغ. يأتي هذا القرار في لحظة مفصلية دقيقة، لا تتعلق فقط بتغيير إداري، بل برسم ملامح جديدة لمستقبل العلاقات الثقافية والدبلوماسية بين فرنسا والعالم العربي، وسط عاصفة من الجدل أطاحت بأحد أبرز الوجوه الثقافية في الجمهورية الخامسة.
نهاية حقبة لانغ: استقالة تحت ضغط الفضائح
لم يكن خروج جاك لانغ من المشهد اعتيادياً؛ فقد تفجرت الأزمة أواخر يناير الماضي عقب تسريبات كشفت عن مراسلات إلكترونية وصور تربط لانغ وابنته كارولين بالملياردير الأمريكي جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية. وتفاقم الوضع في السادس من فبراير مع فتح المكتب الوطني المالي تحقيقاً أولياً بشبهة «غسل أموال ناتج عن احتيال ضريبي مشدد».
وأمام هذه الضغوط المتصاعدة، واستباقاً لقرار إقالة بدا وشيكاً بعد استدعائه من قبل وزارة الخارجية الفرنسية، أعلن لانغ استقالته، مسدلاً الستار على 13 عاماً قضاها رئيساً للمعهد، وتاركاً خلفه إرثاً ثقافياً بات اليوم محاطاً بعلامات استفهام كبرى.
معهد العالم العربي: رمزية المكان والدور التاريخي
لفهم أهمية هذا المنصب، يجب النظر إلى السياق التاريخي لمعهد العالم العربي. تأسست هذه المؤسسة العريقة عام 1980 بشراكة بين فرنسا و18 دولة عربية، لتكون جسراً حضارياً يربط ضفتي المتوسط. ويتميز المعهد بمبناه الأيقوني الذي صممه المعماري الشهير جان نوفيل، والذي يجمع بين العمارة الحديثة والزخارف العربية التقليدية (المشربيات الميكانيكية).
طوال عقود، لم يكن المعهد مجرد مركز للمعارض، بل أداة رئيسية في «القوة الناعمة» الفرنسية، ومنصة للدبلوماسية الثقافية التي تتيح لباريس الحفاظ على نفوذها وحضورها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لذا، فإن اختيار الرئيس الجديد يتجاوز البعد الثقافي ليمس صلب التوجهات الجيوسياسية للإليزيه.
بورصة المرشحين: صراع النفوذ والخبرة
مع سعي الرئيس إيمانويل ماكرون ووزارة الخارجية لإحداث قطيعة مع «سنوات لانغ»، تبرز عدة أسماء وازنة لخلافته:
- أودري أزولاي: المديرة العامة لليونسكو ووزيرة الثقافة السابقة، وتُعد المرشحة الأوفر حظاً. ورغم محاولات الزج باسمها في «ملفات إبستين»، إلا أن التقارير الصحفية الفرنسية دحضت هذه المزاعم، مؤكدة أن ذكر اسمها اقتصر على سياق تعيينها في اليونسكو عام 2017 دون أي شبهات قضائية.
- جان إيف لودريان: وزير الخارجية والدفاع السابق، الذي يتمتع بثقل سياسي كبير وعلاقات واسعة في الخليج، ويرأس حالياً الوكالة الفرنسية لتطوير العلا في السعودية، مما يجعله خياراً استراتيجياً لتعزيز الشراكات الاقتصادية والثقافية.
- أسماء دبلوماسية أخرى: تتردد أسماء مثل آن كلير لوجوندر، مستشارة ماكرون لشؤون الشرق الأوسط، والسفير السابق فرانسوا غوييت، في حين تشير الأنباء إلى اعتذار وزيرة الثقافة السابقة ريما عبد المالك عن المنصب.
تداعيات الأزمة على الإرث الثقافي
ألقت الفضيحة بظلالها على المشاريع الفكرية لجاك لانغ؛ فقد أعلنت دار «غاليمار» تأجيل طرح كتابه «حياتي مع ميتران» إلى النصف الثاني من عام 2026. وكان يُنتظر أن يوثق الكتاب حقبة ذهبية للثقافة الفرنسية، حيث ساهم لانغ في عهد الرئيس فرانسوا ميتران في إقرار قانون السعر الموحد للكتاب، وإطلاق «عيد الموسيقى» العالمي، والإشراف على مشاريع كبرى مثل هرم اللوفر.
اليوم، يقف معهد العالم العربي أمام مفترق طرق؛ فهل يختار الإليزيه شخصية تكنوقراطية لتهدئة العاصفة، أم يدفع بشخصية سياسية ثقيلة تعيد تعريف الدور الفرنسي في المنطقة العربية؟ الإجابة المرتقبة ستحدد مسار الدبلوماسية الثقافية الفرنسية لسنوات قادمة.
The post خليفة جاك لانغ في معهد العالم العربي: من الأوفر حظاً؟ appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.











