لم يكن يوم الثلاثين من آذار/مارس 1976 حدثاً عابراً في تاريخ الشعب الفلسطيني، بل شكل لحظة مفصلية أعادت صياغة وتعريف العلاقة الأبدية بين الإنسان الفلسطيني وأرضه. واليوم، ونحن نحيي الذكرى 50 ليوم الأرض، بقلم د. عبدالرحيم محمود جاموس، تتجلى أمامنا حقيقة أن هذه الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي جوهر الهوية الوطنية وميدان الصراع الوجودي المستمر.
السياق التاريخي: شرارة الانتفاضة الأولى دفاعاً عن الوجود
لفهم عمق هذا الحدث، يجب العودة إلى السياق العام والخلفية التاريخية التي سبقت انفجار الأوضاع. ففي ذلك اليوم الخالد، واجه الفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام 1948 سياسات المصادرة والتهويد الممنهجة بإضراب شامل وانتفاضة شعبية واسعة النطاق. جاءت هذه الهبة الجماهيرية تتويجاً لتراكم طويل من السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى مصادرة الأراضي العربية وتفريغها من أصحابها الأصليين، خاصة في منطقة الجليل. وقد اختبأت هذه السياسات تحت عناوين تنموية مزيفة مثل “تطوير الجليل”، والتي أخفت في جوهرها مشروعاً استيطانياً إحلالياً يسعى لتغيير التركيبة الديموغرافية لصالح الاحتلال. وقد فجرت قرارات مصادرة آلاف الدونمات من أراضي قرى سخنين وعرابة ودير حنا، وإعلانها مناطق عسكرية مغلقة، حالة احتقان شعبي غير مسبوقة، سقط على إثرها ستة شهداء وعشرات الجرحى، لتتحول دمائهم إلى علامة فارقة في مسار النضال الوطني.
أبعاد وتأثيرات الذكرى 50 ليوم الأرض محلياً ودولياً
إن أهمية الذكرى 50 ليوم الأرض لا تكمن فقط في استذكار الحدث التاريخي، بل في تأثيره المتوقع والمستمر على مختلف الأصعدة. محلياً، قادت تلك الأحداث إلى وحدة وطنية نادرة داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل، تجلت في تشكيل أطر جماهيرية موحدة ومواجهة جماعية لسياسات الاحتلال، مما رسخ ارتباطهم بالسياق الوطني العام. وإقليمياً ودولياً، أعاد يوم الأرض وضع القضية الفلسطينية على طاولة المجتمع الدولي كقضية تحرر وطني وحقوق أصيلة لشعب متجذر في أرضه، وليس مجرد قضية لاجئين، مؤكداً أن الدفاع عن الأرض هو دفاع عن الهوية والحقوق المشروعة التي كفلتها القوانين الدولية.
الواقع الراهن: تصعيد الاستيطان وحرب الإبادة في غزة
اليوم، تتجدد دلالات هذه الذكرى في سياق سياسي وميداني أكثر تعقيداً وخطورة. فسياسات المصادرة والاستيطان لم تتوقف يوماً، بل تصاعدت بوتيرة غير مسبوقة، خصوصاً في مدينة القدس المحتلة والضفة الغربية، حيث يتسارع التوسع الاستيطاني وتتعمق مشاريع الضم لفرض وقائع نهائية على الأرض. أما في قطاع غزة، فقد دخل الصراع مرحلة غير مسبوقة من العنف والدمار. فمع استمرار الحرب الطاحنة منذ السابع من أكتوبر 2023، وما رافقها من دمار شامل وخسائر بشرية هائلة، تتكشف نزعة واضحة للاحتلال تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي للقطاع، ضمن سياق أوسع يستهدف تصفية القضية الفلسطينية أو إعادة تعريفها قسرياً.
الجمود السياسي وسبل استدامة الفعل الوطني
في المقابل، تبدو العملية السياسية في حالة شلل شبه كامل بعد أكثر من ثلاثة عقود على انطلاقها منذ مؤتمر مدريد عام 1991. لقد استُبدلت مفاهيم التسوية العادلة بفرض الوقائع، وتراجع الالتزام الدولي بقواعد القانون الدولي، مما أفضى إلى أزمة مركبة. وهنا يطرح د. عبدالرحيم محمود جاموس تساؤلاً مركزياً: كيف يمكن تحويل هذه الرمزية التاريخية إلى فعل سياسي مستدام؟
تكمن الإجابة في مسارات أربعة رئيسية: أولاً، إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية كشرط أساسي لاستعادة الفعل الجماعي وتفعيل المقاومة الشعبية والسياسية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. ثانياً، تفعيل دور الشتات العربي والفلسطيني لتحويله إلى رافعة دعم حقيقية سياسياً واقتصادياً وإعلامياً. ثالثاً، كسر احتكار إدارة الصراع دولياً والدفع نحو إطار دولي متعدد الأطراف يعيد الاعتبار لقرارات الشرعية الدولية. ورابعاً، البناء على الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطين وتكريسه عبر تعزيز مؤسسات الدولة وتوفير حماية دولية للشعب الفلسطيني.
إرادة البقاء وصياغة المستقبل
إن يوم الأرض، بعد خمسين عاماً، لم يعد مجرد ذكرى، بل أصبح معياراً لقياس القدرة على الصمود. وما أشبه اليوم بالأمس، بل ربما أكثر قسوة، مما يجعل استلهام دروس هذا اليوم ضرورة وطنية. في النهاية، يبقى الثابت أن الأرض التي دافع عنها الفلسطينيون عام 1976 لا تزال في قلب المعركة، وأن إرادة البقاء المتجذرة قادرة على صياغة المستقبل رغم كل التحولات.
The post الذكرى 50 ليوم الأرض: دلالات النضال الفلسطيني المستمر appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.













