- الذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين في الحروب السيبرانية فهو دفاع متقدم وتهديد أكثر تعقيداً
- الطاقة والمياه والقطاع المالي أهداف سيادية وأي اختراق لها يُهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي
- الاستعداد المسبق وتمارين المحاكاة أهم سلاح لمواجهة الهجمات السيبرانية المتطورة
- التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص والشركاء الدوليين حجر الزاوية في الصمود السيبراني
أسامة دياب
أكد الخبير الأميركي في الأمن السيبراني والشؤون الأمنية غييرمو كريستنسن أن الأمن السيبراني لم يعد خيارا تقنيا بل ركيزة من ركائز الأمن الوطني، لافتا إلى أن الكويت قطعت شوطا كبيرا نحو بناء منظومة وطنية متكاملة للأمن السيبراني، مشددا على أن الاستثمار في الأمن السيبراني استثمار في السيادة والاستقرار ومستقبل التحول الرقمي.
ولفت كريستنسن ـ في لقاء مع «الأنباء» ـ إلى أن التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص والشركاء الدوليين حجر الزاوية في الصمود السيبراني، مشيرا إلى أن وجود مركز وطني موحد لإدارة الحوادث السيبرانية ضرورة لتعزيز الجاهزية وتبادل المعلومات، مبينا أن الاستعداد المسبق وتمارين المحاكاة أهم سلاح لمواجهة الهجمات السيبرانية المتطورة، محذرا من أن الذكاء الاصطناعي أصبح سلاحا ذا حدين في الحروب السيبرانية، فهو دفاع متقدم وتهديد أكثر تعقيدا، فإلى التفاصيل:
هذه هي زيارتكم الثالثة إلى دولة الكويت، من وجهة نظركم، كيف تطور مشهد الأمن السيبراني في الكويت منذ زيارتكم الأولى عام 2019؟
٭ بالفعل، لمست نقلة نوعية حقيقية في التعاطي مع ملف الأمن السيبراني، من حيث الانتقال من مرحلة التركيز على الحلول التقنية المجزأة إلى بناء منظومة وطنية متكاملة تشمل التشريعات، والحوكمة، وبناء القدرات البشرية، وتعزيز التعاون بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص.
فاليوم، هناك وعي قيادي متقدم بأن الأمن السيبراني ركيزة من ركائز الأمن الوطني، وليس مجرد شأن تقني. وأعتقد أن الكويت أصبحت أكثر نضجا.
ما أخطر التهديدات السيبرانية التي تواجه حاليا البنية التحتية الحيوية بمنطقة الخليج، لاسيما الكويت؟
٭ المنطقة تواجه مزيجا معقدا من التهديدات، إلا أن أكبر تحد تواجهه يكمن في أنظمة التحكم الصناعية والبنية التحتية الحيوية لما لذلك من تأثير مباشر على حياة الناس واستقرار الدول، وهذا النوع من التحديات يحتاج إلى أسلوب حماية مختلف تماما عن أنظمة البريد الإلكتروني أو أنظمة تقنية المعلومات التقليدية.
ونحن نفهم اليوم بشكل أفضل أن المسألة ليست تقنية سهلة، كما أنه لا يوجد عدد كاف من الخبراء ذوي الخبرة في التعامل مع هذا النوع من التحديات.
تمارين محاكاة
استنادا إلى خبرتكم في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ومؤسسات الأمن القومي الأميركي، ما الدروس التي يمكن أن تتعلمها الحكومات لتعزيز قدرتها على حماية نفسها من الهجمات السيبرانية المتطورة؟
٭ أهم درس هو الاستعداد المسبق من خلال إجراء «تمارين محاكاة» أو «حروب افتراضية» تحاكي أسوأ سيناريوهات الهجمات، والتدريب على كيفية التعامل معها، ليس فقط على المستوى التقني، بل على مستوى صنع القرار الحكومي: ما المعلومات التي سيتم مشاركتها؟ ومن سيشارك في إدارة الأزمة؟ فهذه الأمور يجب التحضير لها مسبقا، لأنه إذا لم يتم التفكير بها قبل وقوع الأزمة، فسيصبح التعامل معها في غاية الصعوبة.
بالطبع لا يكفي امتلاك أحدث التقنيات إذا لم تكن هناك حوكمة واضحة، وصلاحيات محددة، وثقافة مؤسسية تعتبر الأمن السيبراني مسؤولية جماعية.
لماذا يعد التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص والشركاء الدوليين أمرا أساسيا لتعزيز صمود الدول في مواجهة التهديدات السيبرانية؟
٭ لأن التهديدات السيبرانية لا تعترف بالحدود. الحكومة بحاجة إلى خبرة القطاع الخاص، والقطاع الخاص يحتاج إلى الإطار الوطني، والدول تحتاج إلى شركائها الدوليين لتبادل الإنذارات المبكرة والمعلومات الاستخباراتية السيبرانية. من دون هذا التعاون، تبقى الجهود مجزأة وضعيفة التأثير.
ولذلك التعاون بين القطاعين العام والخاص لا يقدر بثمن. فالحكومات تمتلك الموارد أحيانا، لكن معظم البنية التحتية الحيوية تقع في يد القطاع الخاص، مثل البنوك وشركات التقنية والنفط. وحتى إن كانت مملوكة للدولة فهي تدار بأسلوب القطاع الخاص، ولذلك لابد من تعاون وثيق بينهم. كما أن التهديدات السيبرانية لا تقتصر على دولة واحدة، فلو كان مجرمون إلكترونيون في روسيا يهاجمون من هناك، فلابد من تعاون دولي لإيقافهم.
ملف أمن وطني
كيف يمكن لصناع القرار وكبار المسؤولين التنفيذيين أن يلعبوا دورا أكثر فاعلية في الأمن السيبراني، بعيدا عن الفرق التقنية وأقسام تكنولوجيا المعلومات فقط؟
٭ أول ما يجب أن يدركه كبار المسؤولين هو أن الأمن السيبراني ليس مشكلة تقنية فقط، بل مشكلة بشرية وإدارية. عليهم أن يفهموا كيف تعمل أنظمتهم، وكيف سيتخذون قراراتهم أثناء الأزمة. ففي كثير من الأحيان يكون الهجوم السيبراني أسوأ يوم في حياة الشركة أو المؤسسة، ويطلب من القيادات اتخاذ قرارات مصيرية خلال ساعات قليلة، من دون تدريب مسبق على هذا النوع من المواقف، إلا إذا كانوا قد اكتسبوا خبرة سابقة في الاستخبارات أو الحكومة أو المجال العسكري.
على صناع القرار أن يضعوا الأمن السيبراني ضمن أولوياتها الاستراتيجية، وأن تتعامل معه كملف أمن وطني واستمرارية أعمال، لا كموضوع تقني ثانوي.
ما الخطوات العملية التي ينبغي على الوزارات والمؤسسات الحيوية اتخاذها لتحسين قابلية التشغيل البيني وتبادل المعلومات أثناء الأزمات السيبرانية؟
٭ إنشاء مركز وطني موحد لإدارة الحوادث السيبرانية، اعتماد بروتوكولات واضحة لتبادل المعلومات، إجراء تمارين وطنية دورية تحاكي هجمات حقيقية، وتوحيد قنوات الاتصال الآمنة بين الوزارات والمؤسسات الحيوية.
كما أنصح بتطبيق ما فعلناه في الولايات المتحدة، عبر إنشاء مؤسسات تجمع قيادات الشركات الكبيرة والصغيرة مع المسؤولين الحكوميين، مثل مبادرات يشرف عليها الـFBI، بحيث يتعرفون إلى بعضهم البعض مسبقا، لأن الأمن السيبراني في جوهره مسألة علاقات بشرية. فعندما أعرفك ويمكنني الاتصال بك وطلب المساعدة عند وقوع حادث، يكون بيننا ثقة متبادلة، ويجب بناء هذه الثقة قبل وقوع الأزمة، لا أثناءها.
ما أهمية الأمن السيبراني في حماية قطاعات الطاقة والمياه والقطاع المالي، وما المخاطر التي تتوقعونها إذا لم تؤمن هذه القطاعات بشكل كاف؟
٭ قطاعات الطاقة والمياه والقطاع المالي قطاعات سيادية تمس حياة المواطنين مباشرة. أي هجوم ناجح قد يؤدي إلى انقطاع الكهرباء أو المياه أو تعطل النظام المالي، ما ينعكس فورا على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. لذلك فإن تأمينها سيبرانيا ليس خيارا بل ضرورة وجودية، فهذه بنية تحتية نعتمد عليها يوميا، وإذا انقطعت المياه أو الوقود فستكون العواقب جسيمة. لذلك نعم، الأمن السيبراني بالغ الأهمية.
الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي يغير معادلات الأمن السيبراني. كيف يمكن استخدامه كأداة دفاعية، وفي الوقت نفسه كتهديد محتمل في الحروب السيبرانية؟
٭ هذا سؤال يقلق الكثيرين. فمن جهة، تساعد أدوات الذكاء الاصطناعي في كشف الهجمات مبكرا وتحليل كم هائل من البيانات بسرعة للدفاع عن الشبكات، لكنها في المقابل تتيح للقراصنة تطوير هجمات أكثر ذكاء، مثل رسائل تصيد إلكتروني خالية من الأخطاء اللغوية ومقنعة جدا، ما يجعلها أكثر خطورة. وكأي تقنية، يمكن استخدامها للهجوم والدفاع معا وهذا ما يجعل سباق الأمن السيبراني أكثر تعقيدا.
ما أكثر الأخطاء شيوعا التي تقع فيها المؤسسات عند الاستعداد للحوادث السيبرانية، وكيف يمكن تجنبها؟
٭ أكبر خطأ هو اعتبار الأمن السيبراني شأنا تقنيا فقط وإسناده لقسم تقنية المعلومات، بينما هو في الحقيقة قضية إدارة مخاطر تشمل الشركة أو المؤسسة بأكملها وبدون ذلك لن ينجح النظام.
ما الرسالة التي تودون توجيهها بشأن الاستثمار في الأمن السيبراني بوصفه أولوية من أولويات الأمن الوطني؟
٭ الاستثمار في الأمن السيبراني هو استثمار في السيادة والاستقرار والتنمية. الدول التي تبني منظومة سيبرانية قوية اليوم تحمي مستقبلها الرقمي وتضمن نجاح تحولها الاقتصادي.
كيف تصف طبيعة زيارتك إلى الكويت؟
٭ لدي برنامج حافل، وسأبقى ثلاثة أيام سألتقي بمسؤولين حكوميين، وأكاديميين في الجامعات، وقيادات من القطاع الخاص، وتحدثت في جمعية المحامين الكويتية عن الابتكار والقضايا القانونية المتعلقة بالأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.












