بقلم: د. يعقوب يوسف الغنيم
الاهتمام بالتمثيل المسرحي في الكويت – إنجازا ومشاهدة – قديم، وأنا أذكر كثيرا مما كان يقدم من أنشطته في منتصف أربعينيات القرن الماضي، وبالتحديد منذ أن بدأت المدارس النظامية في تقديم خدماتها للمجتمع بنشر التعليم الحديث – آنذاك – ورعاية الأنشطة المدرسية المتعددة التي بدأت آثارها منذ ذلك الوقت بالإشعاع الذي لفت الأنظار إلى الدور الذي تستطيع المدرسة أن تقوم به في التنوير المجتمعي، إضافة إلى ما تؤديه للأبناء من علوم ومعارف. فقد صارت المدرسة – بصفة عامة – وسيلة من وسائل الإرشاد والتوعية بطرق متعددة كان منها ما تقدمه على المسارح التي يتم إنشاؤها في ساحاتها بصورة مؤقتة لكي تقدم عليها التمثيليات، والاحتفالات بالأحوال ذات العلاقة بالمناسبات الدينية والوطنية.
ونحن نعلم أن المدارس النظامية عندنا في الكويت قد بدأت بأداء مهماتها منذ السنة الدراسية 1911م – 1912م، وذلك إثر قيام المدرسة المباركية، وقد كانت ثاني مدرسة – من هذا النوع – المدرسة الأحمدية التي تم افتتاحها في سنة 1921م، ومن الملاحظ أنني أشرت هنا إلى النشاط الذي لاحظته منذ سنة 1946م وما بعدها، وهذا الأمر يرتبط بالسنة التي بدأت بها دراستي في المدرسة الأحمدية، ومن أجل ذلك، فإنني لم أتطرق إلى ما كان يجرى من الأنشطة خلال السنوات السابقة على السنة التي ذكرتها.
وعلى كل حال، فقد أدى هذا النشاط القديم إلى نشوء حركة مسرحية غذاها رجال دفعت بهم هوايتهم لهذا الفن إلى المشاركة في تقديم مسرحيات وتمثيليات أسهم بعضهم في كتابتها، وأسهم البعض الآخر في التمثيل والإخراج وكل ما يقتضيه العمل في هذا الميدان، كما أدى بهم عشقهم لهذا العمل إلى الانطلاق الذي جعل الناس يلتفون حولهم، مشاهدين ومشجعين. وكان من بين أولئك الأوائل الأستاذ عقاب الخطيب والأستاذ محمد النشمي.
عندما نشأت دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل في سنة 1952م، كان مديرها هو الأستاذ حمد الرجيب الذي كان قد تخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية في مصر، وكان قبل عمله في هذه الدائرة ناظرا لمدرسة الصباح المعروف موقعها حتى يومنا هذا، وقد دفع به حبه للمسرح إلى إنشاء أول فرقة مسرحية منتظمة، وهيأ لهذه الفرقة – بدعم من دائرة المعارف الكويت – مسرحا في ساحة المدرسة المذكورة تقدم تلك الفرقة مسرحياتها على خشبته.
وفي سنة 1961م، بدأ جهاز التلفزيون الحكومي الكويتي ببث برامجه، فاستطاع بعد بدايته بوقت قصير، أن يحتضن رواد الجيل الثاني من هواة التمثيل، وبخاصة منهم أولئك الذين رعتهم دائرة الشؤون الاجتماعية، واستضافت لرعايتهم وتوجيههم رجلا من كبار رجال المسرح المصري هو الأستاذ زكي طليمات. ولقد تطور هذا العمل الفني برعايته لفرقة المسرح العربي التي دربت وخرجت فنانين كويتيين مقتدرين على هذا العمل. وبذا سارت عجلة هذا النوع من الفنون التي برزت وأعجب بها الجمهور وأحب مشاهدة كل ما يقدم من أنواعها، وبخاصة ما كان يقدم من مسرحيات وتمثيليات، سواء أكان ذلك على خشبة المسرح أو على شاشة التلفزيون.
ونحن نستطيع أن نتذكر أسماء أعداد كثيرة من الفنانين الذين أسهموا في هذه الحركة من كتاب للنصوص وممثلين، ومخرجين، ومن عاملين في كل ما يقتضيه هذا النوع من الفنون من أعمال.
يعرف الناس إلى يومنا هذا تلك الأسماء، ويذكرون كثيرا من مواقفهم التمثيلية التي لا تنسي، ومنهم: عبدالحسين عبدالرضا، وخالد النفيسي، وغانم الصالح وسعد الفرج، على سبيل المثال.
ولكن بعضا ممن أسهم في هذا النشاط الفني المهم ممن انتقل إلى رحمة الله قد غاب عن الأذهان بمرور الزمن، وهذا أمر غير لائق، إذ إن من حقهم علينا أن نذكرهم، ونشكر لهم جهودهم التي كانوا فيها من الأوائل، وقد مهدوا الطريق لكل من أتى بعهدهم حتى وجدنا الحركة الفنية بأنواعها المختلفة وهي على حالها اليوم قوية ومبدعة.
وكما كان للتمثيل وما يتعلق به دور في أيامنا الماضية، ولا يزال، فإن الموسيقى والغناء لهما دور مهم، بل هما من أقدم الفنون عندنا، لأننا نذكر الشاعر الفنان عبدالله محمد الفرج، وما كان له من دور مهم في هذا المجال، ونستطيع أن نعرف قدم العمل الذي قام به في هذا الشأن إذا عرفنا أنه كان من مواليد سنة 1836م، وأن وفاته كانت في سنة 1901م، وأنه كان يجلس مجالس يجرى فيها الغناء الذي أخذه عنه كل من خالد البكر ويوسف البكر، ولدينا الآن ذخيرة مما تركه لنا هذا الثلاثي البديع على هيئة تسجيلات عني بها الأستاذ أحمد البشر الرومي وهي تشتمل على أغان كانت تتردد قديما سجلها بصوت الفنان يوسف البكر.
ومن أجل هذا، فقد جاء هذا المقال لكي يذكر ببعض الأسماء ذات الدور المهم في نطاق الفن، ولا عذر لنا في نسيانها، فقد كان لها دور في هذا المجال التوجيهي والترفيهي معا.
وهذه أمثلة لمن نعنيهم:
1- في يوم الجمعة الموافق لليوم الثامن عشر من شهر أغسطس لسنة 2000م، فقدت الكويت ابنا بارا من أبنائها هو الفنان المتمكن مرزوق المرزوق، رحمه الله.
كان هذا الفنان في طليعة الفنانين الكويتيين الذي نهضوا بالأغنية الكويتية، وعملوا على نشرها بأساليب جديدة وجذابة. ولقد اجتهد في سبيل الوصول إلى ما يتمناه في دنيا الموسيقى والغناء، فقطع مسافات من التدريب والدراسة، وتوج ذلك كله بالحصول على بكالوريوس الموسيقى من المعهد العالي للفنون الموسيقية في سنة 1977م، وكان ذلك في القاهرة.
وكان لهذا الفنان القدير اهتمام بتطوير الألحان المحلية، وبخاصة منها ما يتعلق بالأغاني والأناشيد الوطنية، فقد اتجه إلى تطويرها وإتقانها حتى أتى من تلك الألوان الفنية بما يبهج، وما تقبله كل السامعين وحفظوه.
ولكنه لم يقف عند هذا النوع فإن مجمل ما أنتجه من ألحان كان يصل إلى ما يقرب من المائة لحن، كما رصدت في مكتبة إذاعة الكويت ويضم إلى جانب تلك الأغاني الوطنية عددا من الأغاني العاطفية، والمقطوعات الموسيقية. وكان له اهتمام خاص بالأوبريت فلحن من كلمات الشاعر عبدالله العتيبي في سنة 1984م الأوبريت الغنائي الشهير: «يا شموس الخليج» وقد كان ناجحا للغاية بفضل النص الجيد واللحن الذي أبدعه هذا الفنان: مرزوق المرزوق. ومن الجدير بالذكر أن هذا الأوبريت قدم في السنة التي ذكرناها أمام ضيوف الكويت الذين حضروا اجتماع مجلس التعاون الخليجي هنا.
ولقد جاء في الأوبريت على لحن العرضة:
أي أرض حدودها الكبرياء
وسماها يموج فيه الضياء
وإليها يحل بدر الليالي
مثل أرض قد كرمتها السماء
لقد كان هذا الفنان علما من أعلام الموسيقى في الكويت، وكانت ألحانه تغنى بأصوات عدد كبير من المطربين الكويتيين وله أغنيات شاعت بين الناس ولاتزال إذاعة الكويت ترددها إلى اليوم، ومن تلك الأغنيات هذه الأغنية التي غناها الفنان حسين جاسم من ألحان مرزوق المرزوق وكلمات جاسم الشهاب، وهي التي تبدأ هكذا:
حبيبي شمعة الجلاس
ولا كو من يصد عنه
غشيم بالهوى ما داس
ادروبه من صغر سنه
ولم يكن الفنان المرزوق مكتفيا بتلحين الأغنيات كما لم يكن منفردا بنفسه في جميع أعماله، ولذا فقد رأينا له عملا كبيرا وجميلا في سنة 1974م.
حين شارك الفنان الكبير غنام الديكان في تلحين الأغاني المصاحبة للمسلسل التلفزيوني: «درس خصوصي»، وكان من بطولة الفنانة سعاد عبدالله والفنان القدير عبدالحسين عبدالرضا. وكان هذا المسلسل من إخراج حمدي فريد، أما الأغاني فمن كلمات الشاعر فايق عبدالجليل.
وفي سنة 1974م غنى المطرب المعروف عبدالمحسن المهنا، وهو من أبرز مطربي الكويت في وقته ولا يزال ذكره ساريا بين محبي الغناء، أغنية من تأليف الشاعر محمد التنيب، وكان عنوانها «يوم خلي طرا»، وبدايتها تقول:
يوم خلي طرا قلبي واعزتي له
ودمع عيني جرا ولا توقف هميله
وإذا عرفنا الإنتاج الوفير، لهذا الفنان القدير، فإننا سنستدل على كفاءته، وعلى مقدرته الفنية. ثم إننا إذا تتبعنا نجاح أعماله بين الجمهور وجدنا جمهوره وهو يشهد له بالتفوق.
ولم يكن نشاط الفنان مرزوق المرزوق مقتصرا على التلحين، ولكنه كان مشاركا في كثير من الأنشطة التي تهم رجال الفن في الكويت وفي خارجها، ولذا فإننا لنرى له عددا من المشاركات وفق ما يلي:
– شارك الأستاذ عبدالعزيز المفرج في القيام بمهمة دعت إليها جامعة الدول العربية في سنة 1978م، وذلك من أجل البحث في إقامة اتحاد للموسيقيين العرب، يضم كل الجمعيات والنقابات العاملة في الحقول الفنية ضمن الدول العربية، وقد تابع الرجلان هذا العمل وفق تكليف جمعية الفنانين الكويتيين لهما بذلك.
– مثل الفنان مرزوق المرزوق دولة الكويت في مهرجان الربيع للموسيقى الذي أقيم في بلدة برانت بتشيكوسلوفاكيا في الفترة ما بين 12 مايو و4 يونيو لسنة 1979م.
– وفي سنة 1981م رافق الفنان مرزوق المرزوق فرقة تلفزيون الكويت عندما انتقلت إلى تونس وقدمت هناك مجموعة من العروض الشائقة.
– وشارك في سنة 1982م في الوفد الفني الثقافي الذي ذهب إلى اليمن من أجل إقامة أسبوع لعرض الثقافة الكويتية والفن الكويتي هناك، وكان مصاحبا لعدد كبير من كبار الفنانين الكويتيين.
– قام بأنشطة كثيرة في مجال الدراما التلفزيونية وأنجز عددا من المنجزات التي لاتزال تذكر له.
وبعد عمل مستمر، وجهود كبيرة بذلها هذا الفنان القدير، انتقل إلى رحمة الله تعالى، مأسوفا عليه، ومذكورا بكل ما قدمه من أعمال خلال مسيرة حياته.
رحمه الله.
2- المرحوم الفنان سالم محمد الفقعان من الفنانين الكويتيين الذين نهضوا عندنا بفن المسرح، وذلك بما قام به من أعمال في نطاق هذا الفن من تمثيل وتأليف وإخراج، وإدارة للأعمال المسرحية.
كان تفرغه للمسرح واضحا وأعماله مرتبطة به في كافة الجوانب التي أشرنا إليها.
ولد في الكويت سنة 1938م، وتوفي بها.
كان هذا الرجل من الذين عرفتهم في أيام الدراسة في معهد الكويت الديني، فقد كان زميلا لي فيه، وكان يتميز بصفات حميدة كثيرة، منها الاهتمام بأصحابه، وخفة الظل، وحضور البديهة ما جعله موضع اهتمام مدرسيه وزملائه الطلبة على السواء. وكان مثيرا لضحكنا وأنسنا بفضل ما يتفوه به من نوادر.
ولكنه لم يستمر معنا فترة طويلة بل سرعان ما غادر معهد الكويت الديني، وتفرغ لعمل آخر يؤديه بعيدا عنا فلم نعرف عنه أخبارا إلا فيما بعد، ذلك أنه اتجه إلى جانب عمله الذي يزاوله إلى الفن المسرحي، واهتم بمشاركة زملاء آخرين له بهذا الاتجاه الذي سار عليه، وهو اتجاه لا يتعارض مع طبيعة صاحبنا التي كنا نشهده عليها أيام دراسته معنا.
ولقد وجد أن الفن الذي أحبه، وتمكن من قلبه لا يمكن أن يؤدي به إلى تحقيق طموحه إذا لم يكن مبنيا على العلم والدراسة، فالتحق بمعهد التمثيل، وتخرج فيه كما أراد لنفسه، وصار ممثلا ومخرجا متمكنا من ذلك.
ثم رأى نفسه غير قادر على العمل منفردا، وأنه لا بد أن يضع يده بيد الآخرين الذين تشربوا مثله حب الفن المسرحي وبرزوا فيه، وكانت فرقة مسرح الخليج العربي قد بدأت أعمالها، وأعلنت عن نفسها بصفتها فرقة تضم عددا من شباب المسرح المتطلعين إلى المستقبل من خلاله، فانضم إلى هذه الفرقة، وحمل راية العمل معها منذ سنة 1962م إلى سنة 1968م، وكان رئيسا لمجلس إدارة هذه الفرقة منذ سنة 1964م حتى سنة 1968م، فقد دفعه حبه لتجديد مسار حياته إلى الانتقال إلى جهة أخرى من الجهات الفنية المتواجدة في الساحة الفنية، فانضم إلى فرقة المسرح الكويتي في سنة 1969م، وبرز في عمله معها حتى تم اختياره عضوا في مجلس إدارة هذه الفرقة لعدة سنوات. واتضح عمله بها أكثر من ذلك فصار رئيسا لمجلس إدارتها منذ سنة 1985م إلى سنة 1994م، وهي أطول مدة مكثها في موقع من المواقع الفنية.
وكان حريصا على توحيد العمل في المسارح وعلى سير المسرحيين الكويتيين بانتظام شديد دون أي تضارب في أعمالهم، كما كان يعلم أن تعامل هؤلاء المسرحيين مع الجهات المسؤولة في الحكومة لا ينال أهميته إلا إذا جاء عن طريق هيئة ذات هيكل قانوني، فسعى مع زملائه في بقية المسارح التي نشأت في ذلك الوقت إلى تأسيس الاتحاد الوطني للمسارح الأهلية.
وأحب في هذه الفترة أن يكون مستقلا بعمله ينفذ من خلال ذلك ما يراه من أفكار ومن أعمال، فقام بإنشاء فرقة مسرحية أطلق عليها اسما فنيا جميلا هو: فرقة المراويس. والمراويس جمع مرواس، وهو من آلات الإيقاع الكويتية المعروفة التي تستهوي السامعين في مناسبات الاحتفالات والجلسات الغنائية. ولقد اختار هذا الاسم حبا منه لهذه الآلة، ولأن لها دلالتها الشعبية الظاهرة.
ولقد بدأ العمل في هذه الفرقة الجديدة ولفت الأنظار إلى أعماله فيها. ولكنه اتجه في فترة ما من فترات نشاطه الفني اتجاها آخر فوجدناه يتلمس طريقه إلى السينما، فمثل أول ما مثل في هذا المجال فيلم الصمت وهو فيلم كويتي نال شهرة كبيرة بين المشاهدين، واعتبر خطوة من الخطوات التي قد تؤدي إلى مزيد من الإنتاج السينمائي المعبر عن المجتمع الكويتي، والمشير إلى الثقافة الفنية الكويتية.
ولم يقتصر على هذا الفيلم وحده، بل قام بعد ذلك بالمشاركة في تمثيل أفلام أخرى، ولكنها كانت كلها أفلاما قصيرة. لم تمنعه من الاستمرار في عمله المسرحي، فقام بتمثيل عدد من المسرحيات التي قدمها مسرح الخليج العربي ومنها: مسافر وبس، الخطأ والضحية، الأسرة الضائعة، أنا والأيام، المخلب الكبير، عنده شهادة، الجوع، الطين.
وشارك مع فرقة المسرح الكويتي في مسرحيات أخرى منها: شعاع، لعبة حلوة، طرباش لوماش، الطرمة، مشروع زواج، ديرة بطيخ، سهارى، الأمة.
ولقد كان في كل مسرحية يظهر فيها من هذه المسرحيات يلفت الأنظار إلى مقدرته الكبيرة على التمثيل وإجادته لهذا الفن الرفيع.
واشتهرت له مسرحية كتبها بعنوان: «النواخذة» ومن عنوانها نعرف دلالتها على التراث الكويتي المرتبط بأعمال البحر منذ زمن طويل، وقد طبعت هذه المسرحية، ومثلت.
هذا، ولقد جرى تكريمه في سنة 1995م في مهرجان قرطاج للفنون المسرحية،
رحمه الله.
3- هذا فنان أبدع في الموسيقى، واشتهرت من تلحينه أغان كثيرة شدا بها عدد لا بأس به من المغنيين والمغنيات، وكان حريصا على الإجادة، مهتما بعدم الخروج على التراث الموسيقي الشعبي الدارج بين فناني الكويت، مع اهتمام بإدخال بعض الإضافات التي تلحق بألحانه حليات تكفل تعلق قلوب المستمعين بها، والحرص على متابعة إنتاجه منها.
هذا هو عبدالرحمن حمد البعيجان المولود في منطقة القبلة في سنة 1939م. وأنا أذكر جيدا هذا الفنان منذ طفولته، فقد كنت أعيش مع أهلي في الجانب الذي كان يقيم به مع أهله، وكنت وإياه مع مجموعة من صغار ذلك الوقت نلعب معا تلك الألعاب التي لم تكن لنا تسلية غيرها، ولقد انتقل أهله فجأة إلى مسكن آخر في موقع لم أعرفه ولم يعرفه أي واحد من رفاق الأمس، وانقطعت صلتي به منذ ذلك الوقت، وبقيت منقطعة إلى أن استمعت من إذاعة الكويت إلى أول لحن من ألحانه، فعادت بي الذكرى إلى تلك الأيام الجميلة، وحرصت على الاتصال به، وأصبحت أراه في أوقات متباعدة بحسب ظروفه وظروفي إلى أن توفي – رحمه الله – في سنة 2000م.
ولقد علمت أنه قد أنجب ثلاثة أبناء كلهم يعمل في مجال الإعلام بتخصصات مختلفة، وكلهم مجيد في عمله كما كان والدهم، ولقد انتج عبدالرحمن أول ألحانه في سنة 1960م حيث لحن أغنية بدايتها: «خليني على بالك» وهي التي تقدم بها لنيل موافقة لجنة الاستماع والنصوص على قيده ضمن الملحنين الذي يحق لهم أن تغني الأغاني التي يقومون بتلحينها من خلال إذاعة الكويت.
وبعد هذه البداية التي لم يكن منها بد حتى يسير في الطريق الذي اختاره لنفسه، غنى له من ألحانه عدد من المطربين كان منهم مصطفى أحمد وعبدالكريم عبدالقادر، ولقد حرص على تطوير عمله الفني هذا حتى إذا جاءت سنة 1965م وجدناه ينتج من الأغاني ما تكتسب ذيوعا بين المستمعين، بل وتبقى في ذاكرة الناس إلى يومنا هذا من مثل «تكون ظالم» و«أبو الموقة» وكلاهما من شعر جاسم شهاب، وغناء حسين جاسم.
تحدث عنه الأستاذ صالح الغريب حديثا مطولا أورد فيه كل ما يتعلق بفنه الجميل الذي عشنا معه زمنا، وكان لنا متعة، يقول الأستاذ صالح:
أدرك الملحن عبدالرحمن البعيجان ان الموسيقى تعبير وتصوير وليست تطريبا، من هنا جاءت ألحانه التي قدمها رائعة جميلة حلوة في عالم الأغنية الكويتية، واستطاع ان يترك لنا تراثا غنائيا كبيرا حقق للأغنية الكويتية تواجدا وشهرة وانطلاقة عبر الأجواء العربية والخليجية.
هذا، ويعتبر عبدالرحمن البعيجان من أوائل الفنانين والملحنين الذين ادخلوا الآلات الموسيقية الغربية ومن أوائل الملحنين الذين أدخلوا على الأغنية الكويتية المقدمة الموسيقية الطويلة، كما يعتبر البعيجان أول فنان كويتي يقدم فن الأوبريت الغنائي.
غنى له عدد كبير من المطربين الكويتيين منهم عبدالكريم عبدالقادر، حسين جاسم، غازي العطار، يحيى أحمد، فرج الفرج، خليفة بدر، مصطفى أحمد، صالح الحريبي، ومن أعماله الغنائية البارزة نذكر «تكون ظالم، يا بو الموقه، عادت الليالي، الأماني، ليل السهارى، نعم نحبك، الله يا الدنيا».
4- رحم الله الفنانة عايشة إبراهيم، فقد بذلت من الجهد في سبيل فنها ما يعجز عنه غيرها. وكانت لا تتردد في القيام بالأدوار التي تطلب منها، ولذلك فقد كان إنتاجها في التمثيل متنوعا وكثيرا.
ولدت في حي القبلة بالمكان الذي يقع ضمن الأرض الواسعة التي بني عليها مجلس الأمة الآن. ثم انتقل أهلها إلى حي الصيهد بالقرب من شارع فهد السالم، ولكن أسرتها لم تمكث مدة طويلة في هذا الموقع، إذ سرعان ما انتقلت إلى حي الشرق، وبعد فترة وجيزة توفي والدها فكانت تعيش في كنف أمها وخالها وخالتها، وكان أغلب وقتها تقضيه في بيت الخال والخالة اللذين بذلا لها كل الحب والحنان، وعاشت معهما سعيدة راضية. وكانت قد ترددت على جزيرة فيلكا في فترات قصيرة ومتعددة خلال حياة والدها الذي كان يقوم بأعمال تتعلق بالبحر، وكان يصحبها معه في بعض رحلاته.
درست عند إحدى المدرسات في كتاب بمنطقة القبلة، حيث تلقت العربية والحساب، وقرأت القرآن الكريم، ثم التحقت بإحدى المدارس النظامية في المنطقة نفسها.
وعندما انتقلت إلى منطقة الشرق، انتقلت بدراستها إلى إحدى المدارس النظامية هناك. وتنقلت بين عدة مدارس إلى أن وصلت إلى المرحلة الثانوية التي قامت بالدراسة فيها في الفترة المسائية، وذلك لأنها انشغلت – آنذاك – بالعمل ومتطلبات الأسرة فلم يكن بإمكانها إنهاء دراستها إلا على هذه الصورة.
وعلى الرغم من تعثر دراستها فإنها اتجهت إلى الالتحاق بمعهد تدريب الفتيات الذي أنشأته وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وقد درست فيه مدة ثلاث سنوات وفي السنة النهائية لها في هذا المعهد تزوجت، ثم انتقلت من منطقة الشرق إلى منطقة أبرق خيطان، حيث بيت الزوجية. ومما يذكر أنها كانت تمارس نشاطا تمثيليا أثناء دراستها في المعهد المذكور، وذلك في حوالي سنة 1959م.
وكأنها وجدت في نشاطها الفني خلال وجودها في معهد تدريب الفتيات مجالا مهما تستطيع أن تبرز فيه، وأن يكون لها باب عمل مجد ومريح، يتناسب مع الهواية التي نمت في نفسها ثم بدأت تسيطر عليها.
علمت في سنة 1963م أن بعض الفتيات قد عملن في المسرح، فاتجهت إلى حيث اتجهن وشاركتهن في عملهن الفني المسرحي. وفتح لها باب العمل في المسرح، فكانت أول مسرحية شاركت في تمثيلها هي المسرحية المسماة: «حظها يكسر الصخر» وقد جرى تمثيلها على خشبة مسرح كيفان، وعرف الجمهور هذه الفنانة لأول مرة من خلال عملها هذا.
ثم بعد ذلك انتقلت إلى العمل في التلفزيون الذي بدأ في ذلك الوقت يقدم أعمالا تمثيلية، منها برنامج «ديوانية التلفزيون» الذي اشتركت في تقديمه أول أمرها.
ولكنها عادت إلى المسرح عندما اشتركت في تمثيل مسرحية كانت لها شهرة كبيرة في وقتها هي مسرحية: عشت وشفت، التي كتبها الفنان سعد الفرج، وأخرجها الفنان المرحوم حسين الصالح.
ومضت في تنقلاتها بين مراكز العمل الفني فانضمت إلى فرقة المسرح العربي في اليوم التاسع والعشرين من شهر نوفمبر لسنة 1964م، وصارت عضوا عاملا في هذه الفرقة حتى سنة 1975م، وكان من نتيجة هذه التحولات بين الفرق أن اكتسبت خبرة كبيرة في مجال التمثيل، كما اكتسبت شهرة لدى الجمهور الذي أحب تمثيلها الذي كان ينم عما تتمتع به من طيبة وبساطة. ومن أجل هذه الشهرة، فقد كانت تدعى إلى المشاركة في أعمال الفرق الفنية بدون تحديد. بل لقد شاركت – رغم عضويتها في فرقة المسرح العربي – في أحد العروض المسرحية الذي قدمته فرقة مسرح الخليج العربي. وهي مسرحية: المخلب الكبير، وكانت هذه المسرحية من تأليف وإخراج الفنان الكبير صقر الرشود، وقد تم تقديمها على مسرح كيفان في شهر مارس لسنة 1965م.
لقد كانت الأعمال التي قدمتها مع فرقة المسرح العربي كثيرة بحيث لا نستطيع إيراد ذكرها كاملة بسبب ضيق المجال، ولكننا نذكر منها: اغنم زمانك، الكويت سنة 2000، حط حيلهم بينهم، 24 ساعة، من سبق لبق، الليلة يصل محقان، 30 يوم حب، وهكذا.. أما ما قدمته مع الفرق الأخرى فمن ذلك: مسرحية العلامة هدهد مع فرقة المسرح الكويتي، ومسرحية «شاليه السعادة» لمسرح الخليج العربي، وهكذا.. نالت الفنانة عايشة إبراهيم تقديرا عاليا على مجمل أعمالها الفنية، ففي سنة 1997م حصلت على درع نجم المسرح العربي الأول في يوم المسرح العربي.
وحصلت على جائزة فضية عن دور الممثلة الثانية في مسرحية شاليه السعادة، وفي شهر مارس لسنة 1989م حصلت على جائزة أفضل ممثلة في المهرجان المسرحي المحلي الأول.
وانتهى مشوارها الفني مع التلفزيون حين قدمت قبل وفاتها مسلسلا تلفزيونيا يتكون من 13 حلقة، وكان بعنوان «الماضي وخريف العمر». رحمها الله.
5- وهذه فنانة عملت في مجال التمثيل مدة طويلة، فأبدعت فيه، وكان لها في الأعمال التمثيلية أدوار بارزة وهي الفنانة: طيبة عبدالله الفرج، المولودة في سنة 1947م التي انتقلت إلى رحمة الله تعالى في اليوم السابع عشر من شهر فبراير لسنة 2002م، تزوجت الفنان القدير جاسم النبهان، وانجبت ثلاثة أولاد وثلاث فتيات، وكانت قد بدأت نشاطها الفني – ممثلة – منذ سنة 1963م، إلى أن توقفت عن هذا العمل في سنة 2000م، وذلك بسبب المرض.
بدأت الفنانة طيبة حياتها بتلقي التعليم في مدرسة حولي الابتدائية للبنات، ومضت في هذا الطريق، ولكنها سرعان ما بدأت طريقها إلى الفن بالتمثيل مع الفنان الكبير محمد النشمي، في برنامج كان يقوم بإعداده وتقديمه في تلفزيون الكويت تحت عنوان: «ديوانية التلفزيون»، وعبر هذا البرنامج توجهت طيبة الفرج إلى العمل بالتمثيل ضمن نطاق أوسع، فانضمت إلى فرقة المسرح الشعبي، وكانت حين ابتدأت العمل الأول في السنة الرابعة عشر من عمرها. ثم واصلت المسيرة منذ ذلك العام إلى أن أحست بالمرض فتوقفت عن كل الأعمال الفنية قبل وفاتها بسنتين.
هذا، ولقد كان لها نشاط واسع في مجال التمثيل الذي أحبته وأخلصت له، وكانت إجادتها فيه سببا من أسباب استمرارها فيه، إضافة إلى حب متابعيها وتشجيعهم لها.
وكان أول عمل مسرحي مهم لها، هو اشتراكها في تمثيل مسرحية «سكانه مرته»، وكانت مسرحية كوميدية ناجحة بكل المقاييس، لا يزال كثير من المشاهدين يتذكرونها، ويعيدون مشاهدتها بواسطة أجهزتهم الخاصة. وكانت هذه المسرحية من تأليف وإخراج الفنان الشامل: عبدالرحمن الضويحي، وقد برزت طيبة في هذا العمل بروزا لفت إليها الأنظار، وفتح لها الطريق واسعا للعمل في المسرح والتلفزيون على حد سواء.
ومن أجل ذلك، فقد أتيحت لها الفرصة للاشتراك في مسرحيات وأعمال تمثيلية مهمة نذكر منها:
– مسرحية: مغامرة رأس المملوك، التي قام بتأليفها الكاتب المعروف سعدالله ونوس، وأخرجها الأستاذ أحمد عبدالحليم الذي كان – وقتذاك – مدرسا في معهد التمثيل بالكويت، وقد كانت طيبة الفرج تقول عن هذه المسرحية أنها كانت بالنسبة لها النقلة الأهم في مسيرتها الفنية.
– مسرحية ضعنا بالطوشة التي أخرجها الفنان عبدالأمير مطر.
– مسرحية العلامة هدهد، وهي من إخراج الفنان إبراهيم الصلال.
– مسرحية ثور عيده، وقد قامت بالتمثيل فيها بمصاحبة زوجها الأستاذ جاسم النبهان، وعدد من أبرز الممثلين والممثلات، وكانت هذه المسرحية من تأليف: إبراهيم الهنداوي، وإخراج: عبدالعزيز الفهد.
وأما ما شاركت فيه من مسلسلات وسهرات تلفزيونية فهو كثير، ولكننا نذكر منه:
1- مذكرات جحا.
2- أحلام صغيرة.
3- الأسوار.
4- على الدنيا السلام.
وغير ذلك كثير
٭ ٭ ٭
لفن التمثيل المسرحي وغير المسرحي في الكويت مكانة مهمة، وله جمهور غفير من أولئك الذين يتابعون كل جديد منه، حتى لقد نال الأطفال نصيبهم من ذلك، فصارت المسارح تقدم لهم ما يرغبون فيه بما يتلاءم مع سن كل واحد منهم. ومن أجل ذلك فإن من الواجب علينا ألا ننسى أولئك الذي فتحوا الطريق لكل ما ذكرناه، لأن ذكرهم حافز للآتين من بعدهم بحيث تتاح لهم مجالات الإبداع والتجديد.












